قائمة الموقع

بالصور «نجوت… وسأكمل»: ليلى، طالبة طب الأسنان التي فقدت ساقها ولم تفقد حلمها

2026-09-05T13:17:00+03:00
الطالبة ليلى فؤاد عيد 5.jpg
شمس نيوز - نضال أبو شربي

بخطوات واثقة، وابتسامة تحاول أن تخفي وراءها الكثير من الألم، تمضي ليلى فؤاد عيد في طريق طويل لاستعادة حياتها التي تبدلت في لحظة واحدة، بعدما فقدت ساقها اليسرى تحت الأنقاض إثر قصف إسرائيلي استهدف المنزل الذي كانت تقيم فيه مع أفراد أسرتها في قطاع غزة.

وبينما تركت الحرب على جسدها إصابة سترافقها طويلا، وعلى ذاكرتها مشاهد لأحبة فقدتهم تحت الركام، بقي حلمها كما هو؛ أن تكمل دراستها في كلية طب الأسنان بجامعة الأزهر في غزة، وأن تقف يوما أمام كرسي الأسنان طبيبة تمارس المهنة التي أحبتها واختارت أن تبني مستقبلها من أجلها.

قصة ليلى تختصر جانبا من آلاف القصص التي خلفتها الحرب في قطاع غزة، حيث تجاوز عدد الأشخاص الذين تعرضوا للبتر 7 آلاف شخص، لكن ما يميز حكايتها أنها لا تتوقف عند لحظة فقدان الساق، ولا عند الألم الذي رافقها في رحلة العلاج والتأهيل، بل تمتد إلى ما بعد الإصابة، إلى فتاة تحاول أن تستعيد استقلاليتها وتعود إلى دراستها وتكمل الطريق الذي بدأته قبل أن تغير الحرب شكل حياتها.

هي لم تختر الإصابة، ولم تختر أن تفقد ساقها، ولم تختر أن تتوقف تفاصيل كثيرة من حياتها، لكنها اختارت شيئا واحدا تستطيع أن تملكه رغم كل ما حدث: ألا تتخلى عن حلمها.

تقول ليلى: "أنا ليلى محمد فؤاد عيد، طالبة في السنة الخامسة بكلية طب الأسنان في جامعة الأزهر. قبل الحرب كنت أعيش حياتي بشكل طبيعي، وكان كل تركيزي منصبا على دراستي ومستقبلي وحلمي بأن أصبح طبيبة أسنان، لكن الحرب غيرت الكثير من تفاصيل حياتي وتركت في جسدي وذاكرتي أثرا لن أنساه".

من النزوح إلى تحت الأنقاض

مع بداية الحرب، كانت ليلى وأسرتها من النازحين من شمال قطاع غزة، وانتقلوا إلى منطقة تل الهوى بحثا عن مكان أكثر أمنا، بعدما أصبح البقاء في الشمال محفوفا بالمخاطر.

كانت الأسرة تحاول التأقلم مع واقع النزوح، وتتشبث بما تبقى من تفاصيل الحياة اليومية، إلى أن جاء يوم 25 يوليو 2025، حين تحول المنزل الذي لجأت إليه الأسرة إلى ركام في لحظات.

تروي ليلى أن طفلا كان موجودا في الطابق السابع ويحاول تكسير الحطب لاستخدامه في إشعال النار، قبل أن يتعرض المكان للقصف بشكل مفاجئ. «في البداية لم نفهم ما الذي يحدث، ثم وجدنا أنفسنا تحت الأنقاض".

تقول وهي تستعيد واحدة من أقسى لحظات حياتها، حين لم يعد هناك مجال للتفكير في الدراسة أو المستقبل أو ما يمكن أن يحدث في اليوم التالي، ولم يبق أمامها سوى محاولة واحدة: أن تنجو وتخرج من المكان حية.

لكن النجاة لم تكن كاملة؛ فقدت ليلى تحت الأنقاض أختها وابن عمتها وعمتها، بينما أصيب عدد آخر من أفراد العائلة، أما هي فأصيبت إصابة بالغة أدت في النهاية إلى بتر ساقها اليسرى.

وفي تلك اللحظة لم تكن تعرف كيف ستبدو حياتها بعد ذلك، ولم تكن تفكر في شكلها الجديد أو قدرتها على الحركة أو إمكانية العودة إلى الجامعة، بل كانت تحاول فقط أن تتمسك بالحياة وسط ركام المكان الذي كان قبل دقائق منزلا.

خرجت ليلى من تحت الأنقاض لتبدأ معركة أخرى، مختلفة في شكلها لكنها لا تقل قسوة؛ معركة العلاج والعمليات والتأهيل ومحاولة التكيف مع جسد لم يعد كما كان.

وكان من المفترض أن تتابع العلاج الطبيعي مع الصليب الأحمر بعد عملية البتر، لأن مرحلة ما بعد البتر تحتاج إلى متابعة مستمرة وتمارين وتأهيل يساعد المصاب على استعادة قدرته على الحركة، ويهيئ الطرف المتبقي من الساق لتركيب طرف صناعي، لكن استمرار القصف وتدهور الأوضاع أجبرها وأسرتها على النزوح مرة أخرى باتجاه الجنوب، لتجد نفسها أمام تحد جديد يتمثل في الوصول إلى العلاج نفسه.

العلاج الذي يحتاج إلى رحلة

بعد وصولها إلى الجنوب، بدأت ليلى المتابعة مع المستشفى الأردني، وكانت تذهب بشكل أسبوعي تقريبا لمتابعة موضع البتر والخضوع للعلاج الطبيعي والتمارين، والعمل على مساعدة الطرف المتبقي من الساق على الوصول إلى الشكل والحجم المناسبين استعدادا لتركيب الطرف الصناعي.

غير أن العلاج لم يكن المشكلة الوحيدة؛ فالوصول إليه كان معركة أخرى بالنسبة إلى فتاة لم تعد قادرة على الحركة بصورة طبيعية، وكانت المسافة بين مكان النزوح والمستشفى تتطلب مساعدة وترتيبات في كل مرة تخرج فيها من مكان وجودها.

وتقول ليلى: "إن أصعب ما واجهته بعد الإصابة لم يكن الألم الجسدي وحده، وإنما فقدان الاستقلالية التي كانت في السابق أمرا طبيعيا لا تفكر فيه". مضيفة "عندما يكون الإنسان قادرا على الحركة بشكل طبيعي لا يشعر بقيمة التفاصيل الصغيرة، لكن بعد الإصابة أصبحت أشياء بسيطة جدا تحتاج إلى شخص يساعدني فيها. كنت داخل البيت، وإذا احتجت شيئا من مكان آخر، كنت بحاجة إلى أن يأتي أحد ويحضره لي، وحتى الحركة داخل المكان أصبحت صعبة، وهذا أثر علي نفسيا بشكل كبير».

كان العلاج الطبيعي نفسه رحلة شاقة، ليس بسبب الألم والتعب الجسدي فحسب، بل بسبب الضغط النفسي الذي رافق كل تمرين وكل محاولة للحركة. ومع ذلك، كانت ليلى تنظر إلى هذه التمارين باعتبارها خطوات صغيرة تقربها من استعادة قدرتها على الحركة، ولذلك كانت تحاول تحمل الألم والاستمرار، لأنها كانت تعرف أن الوصول إلى الطرف الصناعي والعودة إلى حياتها يحتاجان إلى صبر طويل وإرادة لا تتراجع أمام الصعوبة.

حين يصبح الحلم جزءا من العلاج

وسط هذه المعركة، كانت هناك معركة أخرى لا تقل أهمية بالنسبة إلى ليلى؛ معركة العودة إلى الجامعة. كانت قد وصلت إلى السنة الخامسة في كلية طب الأسنان، وقطعت سنوات طويلة من الدراسة من أجل حلم عملت عليه منذ البداية، لكن الإصابة وعدم تركيب الطرف الصناعي جعلا العودة إلى التدريب العملي أمرا بالغ الصعوبة، فطب الأسنان لا يعتمد على الدراسة النظرية وحدها، وإنما يحتاج إلى الوقوف والحركة والتنقل والعمل أمام كرسي الأسنان، وهي أمور لم تكن قادرة على القيام بها في الفترة التي كان من المفترض أن تكون فيها إلى جانب زملائها.

تقول ليلى: «مر وقت طويل وأنا أشعر أنني متأخرة عنهم، وأن الحرب والإصابة أخذتا مني جزءا من مسيرتي الدراسية، لكنني لم أسمح لنفسي بأن أتوقف تماما. كنت دائما أقول لنفسي إن الإصابة غيرت طريقة حياتي، لكنها لا يجب أن تغير حلمي».

لم يكن من السهل عليها أن تستعيد قدرتها على الدراسة بعد كل ما مرت به؛ ففي البداية كان مجرد الجلوس وفتح الكتب أمرا صعبا بسبب حالتها النفسية والجسدية، لكن مع مرور الوقت بدأت تستعيد ثقتها بنفسها، فكانت تدرس عندما تستطيع، وتتابع ما يمكنها متابعته من دراستها، وتحاول ألا تنقطع عن الجامعة أو تسمح لنفسها بالشعور بأنها انتهت بسبب الإصابة.

وبالنسبة إلى ليلى، لم تكن الدراسة مجرد وسيلة للحفاظ على مسيرتها الأكاديمية، بل أصبحت جزءا من العلاج النفسي الذي تحتاج إليه. تقول: «عندما أفتح كتبي وأدرس، أشعر أنني أستعيد جزءا من حياتي التي حاولت الحرب أن تأخذها مني». ففي كل مرة كانت تفتح فيها كتابا، كانت تستعيد شيئا من ليلى التي كانتها قبل الإصابة، الطالبة التي تفكر في مستقبلها وتخطط لأن تصبح طبيبة أسنان، لا الفتاة التي اختزلت حياتها في إصابة وبتر ونزوح وفقد.

كانت هناك، بطبيعة الحال، أيام شعرت فيها أن كل شيء أصبح أصعب من قدرتها على الاحتمال، خصوصا عندما كانت ترى زملاءها يتحركون بصورة طبيعية، بينما تحتاج هي إلى مساعدة في أبسط التفاصيل، لكن التجربة علمتها أن الحياة بعد الإصابة لن تكون نسخة من الحياة التي سبقتها، وأن اختلاف الطريق لا يعني بالضرورة نهايته.

وتقول: «أنا الآن أحاول أن أبني حياة جديدة بطريقة مختلفة. ربما أصبح الطريق أصعب، لكنه ليس مستحيلا».

حلم العودة إلى كرسي الأسنان

بالنسبة إلى ليلى، فإن استكمال الدراسة والعودة إلى التدريب العملي والوقوف أمام كرسي الأسنان ليست مجرد مرحلة دراسية تنتظر أن تنتهي، بل هي استعادة لمعنى فقدته الحرب منها. فقد وصلت إلى السنة الخامسة بعد سنوات من الدراسة والجهد، ولذلك فإن العودة إلى الجامعة تعني لها الكثير، خصوصا أنها ترى في مواصلة التعليم تأكيدا على أن الإصابة لم تتمكن من انتزاع مستقبلها منها.

تقول: «في كل مرة أمسك فيها كتابا، أو أفكر في العودة إلى الجامعة، أشعر أنني أقترب من حلمي مرة أخرى».

ولا تريد ليلى أن تختزلها نظرة الآخرين في كونها فتاة فقدت ساقها خلال الحرب، بل تريد أن يعرفها الناس بما كانت عليه وما تسعى لأن تصبحه. «لا أريد أن يعرفني الناس فقط باعتباري فتاة فقدت ساقها في الحرب. أريد أن يعرفوني كـ"ليلى"؛ الطالبة التي أصيبت، لكنها أكملت طريقها وتمسكت بدراستها وحلمها».

تحلم اليوم بتركيب الطرف الصناعي، وبالعودة إلى التدريب العملي، وبأن تتمكن مرة أخرى من الوقوف أمام كرسي الأسنان وإكمال ما بدأته قبل الإصابة. وربما لن تكون العودة سهلة، وربما تحتاج إلى وقت طويل من العلاج والتأهيل، لكن مجرد التفكير في تلك اللحظة يمنحها سببا جديدا للاستمرار.

«لا تجعلوا الحرب تقنعكم بأن أحلامكم انتهت»

لم تعد ليلى تنتظر أن تعود حياتها إلى ما كانت عليه قبل الحرب، فهي تعرف أن بعض الأشياء لا يمكن استعادتها، وأن أشخاصا فقدتهم لن يعودوا، وأن جسدها تغير إلى الأبد، وأن سنوات من حياتها الدراسية توقفت أو تأخرت، وأن استقلاليتها التي كانت تعتبرها أمرا عاديا أصبحت هدفا تعمل على استعادته. لكنها، في المقابل، أدركت أن فقدان أشياء كثيرة لا يعني بالضرورة فقدان كل شيء.

ولهذا توجه رسالتها إلى كل من يمر بظروف قاسية: «لا تجعلوا الحرب تقنعكم بأن أحلامكم انتهت. قد تتغير الظروف، وقد نخسر أشياء كثيرة، وقد نمر بأيام نشعر فيها أننا غير قادرين على الاستمرار، لكن طالما أن الإنسان ما زال لديه حلم، فعليه أن يحاول الوصول إليه».

لقد فقدت ليلى ساقها، وفقدت أشخاصا تحبهم، وتوقفت تفاصيل كثيرة في حياتها، لكنها لم تفقد حلمها بأن تصبح طبيبة أسنان. وربما تصل إلى هذا الحلم بطريقة مختلفة تماما عن الطريقة التي كانت تتخيلها قبل الحرب، لكنها لا تزال تؤمن بأنها ستصل.

وتقول: «أنا لم أختر الإصابة، ولم أختر أن أفقد ساقي، ولم أختر أن أفقد أشخاصا من عائلتي، لكنني أستطيع أن أختار ماذا سأفعل بما تبقى من حياتي».

ذلك الاختيار هو ما تتمسك به ليلى اليوم؛ أن تكمل دراستها، وتواصل علاجها، وتحاول أن تعود إلى حياتها، لا كما كانت قبل الحرب، وإنما كما تريد أن تكون بعدها. حياة جديدة قد تكون أكثر صعوبة، لكنها ليست مستحيلة، وحلم لم يعد الطريق إليه كما كان، لكنه لا يزال قائما.

نجوت… وسأكمل

في قصة ليلى، لا تنتهي الحكاية عند الساق التي فقدتها تحت الأنقاض، ولا عند الأحبة الذين رحلوا، ولا عند الأيام التي ابتعدت فيها عن جامعتها وتدريبها العملي، بل تبدأ من هناك؛ من اللحظة التي أدركت فيها أن عليها أن تتعلم المشي من جديد، وأن تستعيد استقلاليتها، وأن تواجه جسدها الجديد وذاكرتها المثقلة بالفقد، وفي الوقت نفسه تحافظ على مستقبلها الذي حاولت الحرب أن تنتزعه منها.

ربما تحتاج ليلى إلى طرف صناعي كي تستعيد خطواتها، وإلى وقت طويل من العلاج والتأهيل كي تستعيد جزءا من حياتها، لكنها أثبتت أن الوقوف لا يبدأ دائما بالساقين؛ أحيانا يبدأ بإرادة ترفض السقوط.

ومن بين الألم عادت إلى كتبها، ومن جديد تحاول الوصول إلى عيادة الأسنان، حاملة حلما لم ينكسر رغم كل ما انكسر حولها.

هي لا تريد أن تكون قصتها قصة فتاة فقدت ساقها في الحرب، بل قصة فتاة فقدت الكثير، لكنها قررت ألا تفقد مستقبلها.

«نجوت وسأكمل» ليست مجرد كلمات تقولها ليلى، بل خلاصة رحلة إنسانة لم تختر ما حدث لها، لكنها اختارت أن تحدد بنفسها ما سيحدث بعدها.

لقد نجت من تحت الأنقاض، والآن تخوض معركة أخرى؛ معركة العودة إلى الحياة، والعودة إلى الجامعة، والعودة يوما ما إلى كرسي الأسنان.

اخبار ذات صلة