ليلى نقولا | أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
شهد المجتمع الإسرائيلي في العقدين الأخيرين تحوّلات ديموغرافية عميقة قد تكون أكثر تأثيراً في مستقبل الكيان من التبدّلات السياسية أو الأمنية أو نتائج الانتخابات المتعاقبة. وفي هذا السياق، تكتسب الانتخابات الإسرائيلية المقبلة أهمية خاصة، لأنّ نتائجها سوف تحدّد كيفيّة التعامل مع هذه التحوّلات وتوجيهها.
في العقود السابقة، كان الهاجس الديموغرافي الإسرائيلي ينحصر في نسبة اليهود بالنسبة للعرب، والخشية من النمو السكاني المتزايد للمجتمعات العربية. حالياً، لم يعد النقاش الديموغرافي يتركّز على حجم السكان اليهود بقدر ما يرتكز على التغيّر المتسارع في تركيبتهم الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
أولاً: تأثير التحوّلات الديموغرافية داخل المجتمعات اليهودية
تشير أحدث التقديرات إلى أنّ عدد سكان "إسرائيل" بلغ أكثر من عشرة ملايين نسمة، مع استمرار النمو السكاني بمعدّل يفوق معظم الدول المتقدّمة. غير أنّ الأهمية الحقيقية لهذه الزيادة لا تكمن في حجمها، بل في توزيعها.
يواصل المجتمع الحريدي تسجيل أعلى معدّلات النمو بين المكوّنات السكانية اليهودية، مدفوعاً بارتفاع الخصوبة وصغر متوسط العمر. وتشير الدراسات الديموغرافية الإسرائيلية إلى أنّ نسبة الحريديم مرشّحة لمواصلة الارتفاع خلال العقود المقبلة، بما يجعلهم أحد المكوّنات المركزية في المجتمع الإسرائيلي بحلول منتصف القرن.
وتكمن الأهمية السياسية لهذه المجموعات أنها تتمتّع عادةً بانضباط انتخابي مرتفع وقاعدة تصويت مستقرّة، الأمر الذي يمنحها وزناً سياسياً يفوق نسبتها العددية في بعض الأحيان داخل النظام البرلماني الإسرائيلي القائم على الائتلافات. ومع تزايد نسبتهم السكانية، يصبح من الصعب مستقبلاً تصوّر تشكيل حكومات مستقرة من دون مشاركة مباشرة أو غير مباشرة للأحزاب الدينية المتطرفة، أي أنّ "إسرائيل" تتجه تدريجياً نحو سياسات أكثر تشدّداً تشبه سياسة الحكومة اليمينية الحالية.
ثانياً: الهجرة المعاكسة والتحوّل في البنية الاجتماعية
بالتوازي مع صعود الحريديم، ارتفعت مؤشّرات الهجرة المعاكسة من "إسرائيل" إلى الخارج خلال السنوات الأخيرة خاصة بعد أحداث السابع من أكتوبر والحروب الإسرائيلية في المنطقة. وتشير دراسات حديثة إلى مغادرة نحو 268 ألفاً من الإسرائيليين خلال الفترة الممتدة بين 2023 و2025.
كما تظهر الدراسات أنّ نسبة مهمّة من المغادرين تنتمي إلى الشرائح الأكثر تعليماً والأعلى دخلاً. وأبرز المهاجرين من "إسرائيل" هم العاملون في قطاع التكنولوجيا بالدرجة الأولى، والمهندسون والأطباء، إضافة الى العلمانيين والليبراليين الذين يعزون ذلك إلى تراجع الثقة بمستقبل الطابع المدني للدولة.
وإذا أخذنا بعين الاعتبار نوعية الرأسمال البشري، فإنّ الآثار الاقتصادية والاجتماعية لهذه الهجرة المعاكسة قد تكون أكبر من حجمهم العددي الفعلي.
ثالثاً: التحوّلات في المجال العامّ
من القضايا التي أصبحت أكثر حضوراً في النقاش العامّ مسألة الخدمة العسكرية للحريديم. مع نمو نسبتهم السكانية وارتفاع احتياجات التجنيد بعد حرب غزة، تحوّلت قضية الإعفاء من الخدمة العسكرية من خلاف مزمن إلى أحد أكثر الملفات إثارة للانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي، وأصبحت محوراً في الحملات الانتخابية.
يضاف إلى ما سبق، الجدل حول الفصل بين الجنسين في بعض الفضاءات العامّة. سابقاً، شهدت مدن ذات حضور حريدي متزايد، وعلى رأسها بيت شيمش، نزاعات قانونية وسياسية بشأن لافتات تدعو النساء إلى الالتزام بمعايير محدّدة في اللباس أو الأماكن المسموح لهم السير فيها، ما دفع المحكمة العليا الإسرائيلية إلى التدخّل والتأكيد أنّ المجال العامّ لا يمكن أن يخضع لقيود تمييزية بحقّ النساء.
وبالرغم من قرار المحكمة السابق (2011)، أعلنت بلدية بني براك، مؤخّراً هذا العام، خطة لتنظيم السير في أجزاء من شارعين رئيسيين بحيث يُوجَّه الرجال والنساء إلى أرصفة مختلفة خلال المناسبات الدينية.
أما في قطاع التعليم العالي، فقد أقرّ الكنيست في 16 تموز/يوليو 2026 تعديلاً لقانون حقوق الطالب يوسّع إمكانية إنشاء مسارات أكاديمية منفصلة للرجال والنساء لتشمل برامج الماجستير والدكتوراه ومجالات دراسية أوسع. كما وسّع التعديل، في حالات معيّنة، نطاق الفصل داخل مؤسسات التعليم العالي، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً حول حدود حرية الدين ومبدأ المساواة في المجال الأكاديمي.
وتبرز أيضاً مسألة المناهج التعليمية، حيث تركّز مدارس الحريديم بشكل أساسي على التعليم الديني، بينما تخصص وقتاً أقلّ لبعض المواد الأساسية مثل الرياضيات والعلوم واللغة الإنكليزية.
تشير دراسة حديثة إلى أنّ 85% من الأولاد الحريديم في سن المدرسة الثانوية يدرسون في مؤسسات معفاة كلياً من متطلّبات المنهج الأساسي. ويرى منتقدو هذا النموذج أنه يحدّ من قدرة الخريجين مستقبلاً على الاندماج في سوق العمل الحديث، ولا سيما في القطاعات التي يقوم عليها الاقتصاد الإسرائيلي.
في النتيجة، إنّّ السؤال المركزي الذي ستجيب عنه الانتخابات الإسرائيلية المقبلة ليس ما إذا كانت "إسرائيل" ستصبح أكثر تديّناً وتطرّفاً، لأنّ هذا المسار يبدو قائماً بالفعل ويسير بطريقة متصاعدة.
على الرغم من أهميتها إنّ النتائج التي ستفرزها الانتخابات لن تستطيع أن تؤثّر على الاتجاهات الديموغرافية، لكنها سوف تؤثّر في كيفية تعامل المؤسسات مع الامتيازات والتسهيلات التي تحصل عليها قطاعات حريدية، وفي مقدّمتها قضية الإعفاء من الخدمة العسكرية. كما ستؤثّر على حجم الاستقطاب المرتبط بالفئة المتنامية عدداً، التي لا تزال تعاني فجوات كبيرة في التعليم والاندماج في سوق العمل وتعتمد بدرجة أكبر على الإنفاق والدعم الحكومي.