قائمة الموقع

رحلة لم تعد مجانية.. كيف أعادت الحرب تشكيل علاقة الغزيين ببحرهم؟

2026-09-09T18:40:00+03:00
تبدلت احوال الناس ومزاجيتهم بسبب الحرب المدمرة على غزة
شمس نيوز - رواء الفرا

في سنواتٍ مضت، كانت نزهة الشاطئ في غزة تكليفاً بسيطاً لا يحتاج تخطيطاً، بضعة شواكل للمواصلات، مع كيسٍ من "البزر" أو الذرة والمكسرات، لتكتمل جلسة عائلية على الشاطئ الذي يشكل متنفساً متاحاً للجميع دون عناء.

اليوم، تبدلت هذه البساطة تماماً، إذ تحول الذهاب للبحر إلى مسألة محفوفة بالحسابات المادية، وسط ارتفاع أجور النقل وغلاء الاحتياجات اليومية، إلى جانب تحول مساحات واسعة من الشاطئ إلى مراكز لخيام النازحين وركام المنشآت المدمورة.

تستذكر رؤى أحمد، وهي طالبة جامعية من شمال القطاع، كيف كان الشاطئ وجهتها الأسبوعية الاعتيادية، حيث كانت تخرج رفقة عائلتها في ساعات الصباح الأولى لإعداد الفطور واللعب على الشاطئ حتى أوقات متأخرة.

وتوضح رؤى أن هذا الطقس غاب تماماً في الوقت الحالي، إذ تسببت ظروف الغلاء وتراجع الوضع المالي في منعهم من التوجه إليه، فضلاً عن المخاطر الميدانية القائمة واستمرار الاستهدافات على شواطئ غزة، ما جعل النزهة مجرد خاطرة من الماضي.

الانعكاس ذاته ظهر على الطريق المحاذي للبحر، إذ تغيرت معالم الشارع الذي كان مقصداً للمشي في الصباح والترويح عن النفس بفضل تنظيمه وأضوائه المسائية.

تَصِفُ رؤى المشي في شارع الرشيد حالياً بأنه بات يبعث على الضيق بدلاً من الراحة؛ فقد انقضت الأضواء وحل الظلام، وغطت أكياس الركام وتجمعات الخيام المساحات التي كانت تشغلها الفنادق والاستراحات في شارع الرشيد.

وفي الجنوب، تعيش أمل الفرا، وهي أم لطفلتين، داخل إحدى مناطق اللجوء في مواصي خان يونس بالقرب من الشاطئ، ورغم هذا القرب الجغرافي، لا تجد أمل إمكانية للاستفادة من البحر كالسابق.

تبين الفرا أن وجودها قرب الشاطئ لم يعد يضمن نزهة مريحة، إذ إن شراء أدنى المستلزمات كألعاب الرمل أو بعض التسالي البسيطة لطفلتيها بات يرهق ميزانيتها في ظل انعدام مصادر الدخل، فضلاً عن ازدحام الشاطئ المحيط بالمخيمات، ما جعل أبسط تفاصيل الترفيه أمراً تعجز عن تأمينه.

وعلى جانب الخدمات البسيطة على الشاطئ، يوضح عطا أبو عوض، صاحب مقهى صغير وبسيط على شارع الرشيد، أن نسبة الإقبال تراجعت بوضوح مقارنة بالماضي، حين كانت البسطات والمقاهي الصغرى تعمل دون توقف في الموسم الصيفي.

ويفسر عطا هذا التراجع إلى الارتفاع الكبير في أسعار المواد الأساسية التي يستخدمها، كأنابيب الطهي والمستلزمات الورقية، ما أجبره على تعديل أسعار المشروبات. ونتيجة لذلك، أضحت غالبية العائلات تجلس على الرمال مباشرة وتكتفي بما تصحبه معها من المنزل لتجنب أي مصاريف إضافية.

هذا التحول لم يقتصر على الكبار، بل امتد ليمس احتياجات الأطفال الأساسية وحقهم البسيط في اللعب، والذين باتوا يرون الشاطئ من زاوية مختلفة تماماً.

يقول الطفل محمد عاشور (10 أعوام)، النازح في مخيمات مواصي خان يونس: "الأطفال في كل مكان بالعالم بروحوا على البحر عشان يلعبوا، ويبنوا بيوت من الرمل، ويشربوا عصير أو يسبحوا. إحنا هنا بمواصي خان يونس صرنا عايشين بالخيمة على البحر، وبدل ما نركض نلعب صرنا نركض نعبي مية ونغسل أواعينا بالمية المالحة. البحر بطل المكان اللي بنفرح فيه، صار المكان اللي بنصحى وننام فيه وبنشوف فيه تعبنا كل يوم".

وهكذا، يظل الشاطئ حاضراً في مكانه دون تغير، لكنه فقد دوره التاريخي كمتنفس مجاني ومتاح للجميع في قطاع غزة، ليتحول إلى حيز جغرافي يختزل تفاصيل المعاناة اليومية، حيث أصبحت زيارته أو السكن على رماله محكومين بتبعات الحرب وظروفها المعيشية القاسية.

 

 

 

اخبار ذات صلة