{وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ}
وضع الله في هذا الكون سنة واحدة لا تجامل ولا تحابي: الميزان. في الذرة وفي المجرة، وفي الأخلاق وفي الاقتصاد، وفي الدول وفي الأمم. إما أن يقام كاملاً، أو يبدأ الاختلال. والاختلال لا يبدأ من السقوط، بل يبدأ بذرة. بجزء يُظن أنه صغير ويمكن تعويضه لاحقاً.
اليوم ونحن نتحدث عن فلسطين وعن نهضة أمتنا، علينا أن نواجه سؤالاً مركزياً: أين الخلل؟
الخلل ليس في إرادة الشعب والأمه ولا في تضحياتهم. الخلل الحقيقي في "ميزان استراتيجية وحدة الأمة ونهضتها".
دعونا نكون صريحين. الخلل في ميزان استراتيجية وحدة الأمة ونهضتها لا يحرر وطناً ولا ينهض بأمة.
يمكن أن نخوض معارك ونحقق انتصارات تكتيكية، لكن بلا ميزان موحد سنخسر الحرب الكبرى.
يمكن أن ننمو هنا أو هناك، لكن بلا مشروع نهضة شامل سنبقى ندور في فلك التبعية والارتجال.
ما هو هذا الميزان؟ هو أربع كفات لا تقوم أمة إلا بها:
الأولى: ميزان العلم والبيان {عَلَّمَهُ الْبَيَانَ}. الأمة التي تتحرك بلا رؤية وبلا مراكز فكر وبلا استراتيجية بعيدة المدى، هي أمة محكومة برد الفعل. ورد الفعل لا يبني دولة ولا يحرر أرضاً.
الثانية: ميزان النظام والحسبان {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ}. الدولة بلا مشروع تحرير متزامن مع مشروع بناء، هي دولة تعالج الأعراض وتترك المرض. والحسبان شرط للبقاء.
الثالثة: ميزان العدل والقسط {أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ}. أي طغيان لفئة على فئة، أو لمصلحة ضيقة على المصلحة العليا، هو تفريغ للداخل قبل أن يأتي الخارج. الأمة التي تأكل بعضها لا تستطيع أن تواجه عدوها.
الرابعة: ميزان الوحدة والهدف. وهذا هو بيت القصيد. الأمة المجزأة إلى مشاريع متنافرة، إلى خطابات متصادمة، إلى حسابات فئوية، هي أمة تكسر ميزانها بيدها. وما كُسر الميزان من الداخل، سهل على الخارج أن يحطمه.
وأخطر ما في الأمر هو التعامل مع الثوابت كأنها قابلة للتجزئة. حق الأمة في أرضها، وفي قرارها المستقل، وفي وحدتها، وفي نهضتها. هذه ليست بنود تفاوض. هذه أركان الميزان. ومن فرّط في ركن بحجة "المرحلة" سيُطلب منه غداً التفريط في الركن الذي يليه بحجة "الواقع"، حتى يجد نفسه بلا أركان.
لذلك جاء الأمر الإلهي حاسماً {وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ}. الإقامة تعني الشمول. تعني أن نجمع شتات الرؤية وشتات الصف وشتات المشروع. أن ننتقل من عقلية الفصيل إلى عقلية الدولة. ومن عقلية إدارة الأزمة إلى عقلية صناعة النهضة.
نعم للمرونه في الوسائل ولكن فاليكن واضحا المرونة في الوسائل لا تعني أبداً المرونة في الثوابت. الثوابت خط أحمر. أما الوسائل فهي الطرق التي نصل بها إلى الهدف. اليوم نستخدم وسيلة، وغداً وسيلة أخرى، حسب المعطيات . نساوم على تكتيك لا على مبدأ. نتحالف هنا ونضغط هناك، ولكن البوصلة واحدة والهدف واحد والميزان لا يميل.
الخلاصة بلا لف ولا دوران: ما دام الميزان مكسوراً في وحدة الأمة واستراتيجية نهضتها، فلا أمل في تحرير ولا أمل في نهوض.
وما دام الميزان مقاماً، فإن وعد الله نافذ: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ... وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا}
الميزان أولاً. ثم يأتي ما بعده.
فارس رفيق فحماوي
*باحث في الفكر السياسي الإسلامي المقارن
