متوشحاً بألوان الفرح، يطوف "أحمد محمود أبو سكر" بين خيام النازحين ومراكز الإيواء في قطاع غزة، مرتدياً ملابس المهرج، واضعاً أنفاً أحمر صغيراً على وجهه، وحاملاً حقيبة تتكدس فيها الألعاب والبالونات، يمضي بين الأطفال بخفة، يُلَوِّح لهم ويمازحهم، فتتعالى ضحكاتهم وتتسع دوائر الفرح حوله، وكأن المكان للحظات نسي أصوات القصف والدمار والنزوح.
لكن أحمد، البالغ من العمر 29 عاماً، يخفي خلف ابتسامته حكاية فقد ثقيلة خلفتها الحرب، بعدما فقد والده وشقيقته وأبناء شقيقته، وتدمير منزله خلال حرب الإبادة الجماعية التي شنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023م.
ومن مخيم البريج وسط قطاع غزة، يواصل "مهرج غزة" العمل الذي اختاره قبل اندلاع الحرب، حين كان يمتهن ترفيه الأطفال وإدخال البهجة إلى قلوبهم.
ومع اتساع دائرة الدمار والنزوح، لم يتوقف أحمد عن الخروج إلى الأطفال، متنقلاً بين أماكن تجمعهم، ومقدماً لهم عروضاً بسيطة بإمكانات محدودة، في محاولة لمنحهم دقائق من الضحك بعيداً عن مشاهد الحرب التي تحاصر تفاصيل حياتهم.
يقول "أبو سكر"، إن وجوده بين الأطفال لا يمنحهم الفرح وحدهم، وإنما يساعده هو أيضاً على الخروج من الحالة التي يعيشها منذ فقد أفراد أسرته.
ويحاول "أحمد" أن يحافظ على هذا الدور رغم صعوبة ما يعيشه، إذ يشير إلى أن فقدان عائلته جعل حياته مختلفة عما كانت عليه قبل الحرب.
وفي أحد أيام عمله، يقف أحمد أمام المرآة قبل الخروج إلى الأطفال، يرتب مظهره ويرتدي ملابس المهرج التي تمكَّن من إخراجها من تحت أنقاض منزله المتضرر، ثم يبدأ جولته بينهم.
وبملابسه الملونة، يجذب الأطفال من حوله، فيتجمعون لمتابعة حركاته والتقاط الصور معه، بينما يحاول هو أن يحافظ على ابتسامته طوال الوقت.
لمتابعة آخر المستجدات الميدانية والسياسية للحرب على غزة اشترك بقناة شمس نيوز على منصة تيلجرام
ويشير "أبو سكر" إلى أن والدته توفيت عام 2010، فيما فقد خلال الحرب والده وشقيقه وشقيقته وأبناءها، لتصبح دائرة الأسرة التي عرفها في طفولته جزءاً من ذاكرة يواصل حملها معه، في حين أنه لا يزال يعيش في منزل تعرض لأضرار بالغة خلال الحرب، محتفظاً بصور أفراد عائلته الذين فقدهم.
ويؤكد أن ما يدفعه إلى الاستمرار في عمله هو حاجة الأطفال في غزة إلى الفرح، وحاجة الناس عمومًا إلى من يخفف عنهم قسوة ما يعيشونه، موضحاً أنه كذلك يجد في وجوده خارج المنزل وبين الأطفال مساحة تساعده على مواجهة وحدته.
وفي مخيمات النزوح والأحياء التي لم تسلم من القصف والتدمير، يحاول "أبو سكر" أن يصنع مساحة صغيرة للضحك، مستخدماً ما يتوفر لديه من ألعاب وأدوات بسيطة، بينما يلتف الأطفال حوله في انتظار حركة جديدة أو مزحة أخرى.