غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

"فقدتُ عدّ الأطفال".. طبيب إسباني يكتب ما رآه في جحيم غزة

طبيب أسباني في غزة
شمس نيوز - غزة

في غزة، لم تعد مهمة الطبيب تبدأ دائما بسؤال المريض: أين يؤلمك؟ بل أحيانا كانت تبدأ بمحاولة معرفة من بقي حيا من عائلته.

كان الأطفال يصلون إلى المستشفى وحدهم، مصابين ومبتوري الأطراف ومحروقين أو مسحوقين تحت الأنقاض. بعضهم لم يكن يعرف اسمه، وبعضهم لم يعد هناك من يسأله عن اسمه أصلا. عائلة كاملة كان يمكن أن تختفي في غارة واحدة، ويبقى طفل صغير هو الناجي الوحيد الذي يصل إلى غرفة الطوارئ.

بعد أشهر من مغادرته غزة، حاول الطبيب الإسباني راؤول إنسيرتيس أن يفعل ما لم يستطع فعله في المستشفى: أن يروي.

في العاشر من سبتمبر/أيلول 2026، صدر كتابه «ليت العلاج كان أسهل: من أفغانستان إلى غزة.. أمل بين الأنقاض» عن دار Plaza & Janés، في 360 صفحة، يروي فيها مسيرته الطبية والإنسانية في مناطق الحروب، وصولا إلى غزة، حيث وجد نفسه لا يعالج الجرحى فقط، بل يشهد على انهيار الحياة من حولهم.

الكتاب هو حصيلة تجربتين في غزة: الأولى بدأت قبل أيام من السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين كان إنسيرتيس واحدا من ثلاثة إسبان موجودين في القطاع، والثانية بعد نحو عام ونصف، عندما عاد عام 2025 ضمن الفرق الطبية التابعة لمنظمة الصحة العالمية، وعمل أربعة أشهر في مستشفيين من بين عدد قليل جدا من المستشفيات الحكومية التي بقيت قادرة على العمل.

لكن غزة، بالنسبة إلى إنسيرتيس، لم تكن فصلا في كتاب طبي.

كانت مكانا تغير فيه معنى كلمة «علاج».

«فقدت عد الأطفال»

في شهادته التي نشرها في «إل باييس»، كتب إنسيرتيس أنه، بعد ثلاثة أسابيع فقط من وصوله إلى غزة في مهمته الثانية، لم يعد قادرا على إحصاء الأطفال الذين تعامل معهم.

كتب: «فقدت القدرة على عد الأطفال الجرحى الذين كانوا يصلون وحدهم إلى المستشفى لأن عائلاتهم كانت قد ماتت في قصف».

ثم يستعيد طفلة في السادسة.

لم يعد يتذكر اسمها.

يتذكر شيئا آخر.

كان ذراعها مبتورا ومحترقا، واضطر إلى حمله وإبعاده عن جسدها لأنه كان يعيق محاولتهم إنقاذها. وكانت ترتدي قميصا بلا أكمام عليه رسوم أغنام، اضطر الأطباء إلى قصه للوصول إلى جسدها وفحص إصاباتها.

ماتت الطفلة.

يكتب إنسيرتيس: «ماتت ولا أتذكر اسمها».

ربما تختصر هذه الجملة مأساة الكتاب كله. الطبيب الذي اعتاد أن يسجل أسماء المرضى وأعمارهم وتشخيصاتهم وجد نفسه أمام عدد هائل من الضحايا، إلى درجة أن الذاكرة نفسها بدأت تتعطل. يقول إن رأسه أصبح كأنه مغطى بـ«سحابة سوداء» من الصور البشعة التي تمنعه من التذكر.

لأن الموت أصبح نظاما يوميا.

شاحنات وعربات تجرها حمير هزيلة تصل محملة بالجثث إلى المشرحة، التي لا تتوقف عن استقبالها. يصف إنسيرتيس المشهد كأنه مصنع: تدخل الجثث وتخرج، لكن العمال الذين يدخلون هذه المرة ليسوا أحياء.

مستشفى يتحول إلى مشرحة

في يونيو/حزيران 2025، عندما كان يعمل في مستشفى ناصر بخان يونس، قال إنسيرتيس إن المكان بدا له «كأنه مشرحة كبيرة».

كان يسمع أصوات الدبابات أثناء حديثه مع الصحفيين، بينما كانت الجثث تصل إلى المستشفى باستمرار، وأحيانا تصل في شاحنات محملة بعدد كبير منها من دون أن تمر أصلا على غرف العلاج.

لم تكن المشكلة فقط في عدد الجرحى، بل في طبيعة الإصابات.

أطفال بطلقات في الرأس؛ أطفال مبتورو الأطراف؛ أطفال مصابون بحروق شديدة؛ وأطفال يأتون وهم ما زالوا أحياء، لكن إصاباتهم لا تترك للأطباء سوى مساحة ضيقة جدا للمحاولة.

في إحدى الحالات، عالج الفريق طفلة في السابعة أصيبت بطلق ناري في الرأس. قال إنسيرتيس آنذاك إن الطفلة ستعيش، لكنها ستصاب بشلل نصفي دائم. وكان السؤال الذي يلاحقه: كيف يمكن أن يصاب طفل بهذه الطريقة؟

ثم جاءت لحظات كان فيها عدد الجرحى أكبر من قدرة الأطباء على الوصول إليهم.

40 جريحا.

وفي إحدى الصباحات، وصل أكثر من 200 جريح دفعة واحدة.

كان الجرحى ممددين على الأرض، إلى درجة أن الطبيب كان يمكن أن يتعثر بجسد مصاب أثناء محاولته الوصول إلى مصاب آخر. كان كثير منهم أطفالا ونساء، وبعضهم يموت قبل أن يصل إليه الدور.

وسط ذلك كله، يقول إنسيرتيس إنه كان يعرف قاعدة واحدة لا تحتاج إلى نقاش:

الأطفال أولا، والطفلة التي وصلت في حضن أمها كانت من أصغر الأطفال الذين عالجهم. كانت طفلة لم تتجاوز عاما ونصف العام.

لم تصل على سرير مستشفى؛ وصلت بين ذراعي أمها.

كانت قد أصيبت بطلق ناري في الصدر، وكانت من بين المصابين القادمين من نقاط توزيع المساعدات الغذائية.

في مثل هذه اللحظات، لا يعود الطبيب قادرا على التفكير في الإحصاءات.

هناك جسد صغير أمامه؛ وهناك أم تحمل طفلتها؛ وهناك دقائق قليلة فقط لاتخاذ القرار.

لكن كتاب إنسيرتيس لا يتحدث عن الأطفال وحدهم. فهو يحاول أيضا أن يحفظ في الذاكرة أولئك الذين كانوا يعالجونهم، الأطباء والممرضين الفلسطينيين الذين واصلوا العمل بينما كانت الحرب تقتل عائلاتهم.

تسعة أطفال وزوج

من أكثر القصص التي بقيت عالقة في شهادته قصة الطبيبة الفلسطينية آلاء النجار؛ فقد كانت طبيبة أطفال تعمل في المستشفى، وقتل القصف الإسرائيلي تسعة من أطفالها العشرة وزوجها، بينما كانت هي في المستشفى تؤدي عملها؛ ولم يبق لها سوى طفل واحد، آدم.

وبعد ثلاثة أيام فقط، عادت إلى المستشفى، مرتدية ملابس الحداد، لتشكر الأطباء الذين عالجوا ابنها الناجي.

يقول إنسيرتيس إنه لا يعرف من أين استمدت تلك المرأة القدرة على فعل ذلك. ويكتب أن هناك أشياء أخرى فقد القدرة على إحصائها: الآباء والأمهات الذين شاهدهم منهارين على الأرض، والذين كانوا يصرخون أمام جثث أطفالهم، أو يدخلون في حالة ذهول كامل أمام موت أبنائهم.

زملاؤه ليسوا بعيدين عن الموت.

يتذكر الممرض أحمد، الذي عمل معه في غرفة العمليات، والذي كان ينجح، رغم كل شيء، في انتزاع ابتسامة منه. قتل الاحتلال أحمد مع أطفاله الثلاثة في قصف طال مسكنه، بينما كانت زوجته، وهي أيضا عاملة صحية وكانت حاملا، في مناوبة بالمستشفى.

هكذا يصبح الطبيب في غزة شاهدا على موت مرضاه وزملائه وأقارب زملائه في الوقت نفسه.

لماذا كتب؟

السؤال الذي يطرح نفسه في الكتاب ليس فقط: ماذا رأى إنسيرتيس؟

بل: لماذا قرر أن يكتب كل ذلك؟

في حديث سابق معه، يشرح أن الصحفيين لم يكن مسموحا لهم بالدخول إلى غزة، ولذلك وجد نفسه، رغم كونه طبيبا، يؤدي دور الشاهد.

يقول إن هذا ليس عمل الطبيب، «لكن في غياب الصحفيين، كان بإمكاني أن أقوم بدور الشاهد».

لهذا لم يكتف بذاكرته.

وثق الإصابات بالصور، وسجل أسماء الضحايا وتفاصيلهم السريرية، وحاول الاحتفاظ بالتفاصيل التي تجعل الضحية إنسانا لا رقما.

ويشير في حديثه إلى أن هذه الشهادات والمواد التي وثقها ساهمت في تقرير للأمم المتحدة تناول ما جرى في غزة بوصفه إبادة جماعية.

الكتاب، بهذا المعنى، ليس دفتر مذكرات لطبيب عاد من حرب.

إنه محاولة لمقاومة النسيان.

فحين يصبح عدد الضحايا أكبر من قدرة الإنسان على العد، يصبح تسجيل قصة واحدة فعل مقاومة.

اسم طفل واحد.

صورة واحدة.

قميص عليه أغنام.

ذراع صغيرة مبتورة.

أب يحمل ابنه.

أم تفقد تسعة أبناء وتعود بعد ثلاثة أيام إلى المستشفى.

ممرض يضحك رغم أنه يعيش داخل خيمة، ثم يقتل مع أطفاله.

هذه التفاصيل هي التي يحاول إنسيرتيس إنقاذها من المصير نفسه الذي أصاب أصحابها: أن تختفي.

«أجبرت نفسي على ألا أبكي»

في مقدمة الكتاب تقريبا، يصف إنسيرتيس واحدة من أكثر لحظاته الإنسانية قسوة.

بعد أن شعر بأنه لم يعد قادرا على الاحتمال، قرر الذهاب إلى غرفة العمليات. كان المصعد معطلا، فاتجه إلى السلالم، ثم توقف قبل أن يصعد.

خرج من المكان حتى لا يراه أحد.

جلس على درج، وغطى وجهه بيديه، وبكى بصمت، لأن حوله عائلات ونازحين.

ثم يقول في الكتاب إنه في تلك الليلة «تجمدت تقريبا كل مشاعري»، وإنه خلال الأشهر الأربعة التالية لم يعد يبكي. كان يعرف أن عليه أن يوقف مشاعره مؤقتا حتى يستطيع مواصلة العمل.

وهنا يأتي عنوان الكتاب.

«ليت العلاج كان أسهل»؛ فبعض الجروح يمكن خياطتها؛ بعض الكسور يمكن تثبيتها؛ بعض النزيف يمكن إيقافه.

لكن ماذا يفعل الطبيب أمام طفل لم يعد له أهل؟

ماذا يفعل أمام طبيبة فقدت تسعة من أبنائها وزوجها؟

ماذا يفعل أمام زميل قتل مع أطفاله؟

وماذا يفعل أمام مدينة لا يكفي فيها عدد الأطباء، ولا الأدوية، ولا غرف العمليات، ولا الوقت، ولا حتى الذاكرة؟

ربما لهذا اختار إنسيرتيس أن يكتب.

لأنه اكتشف في غزة أن هناك جروحا لا يستطيع أي مستشفى علاجها، وأن الطب في بعض الأماكن لا يعود مجرد مهنة، بل يصبح شكلا من أشكال المقاومة. وهذه هي الفكرة المركزية التي تقدم بها دار النشر الكتاب: طبيب يذهب إلى الأماكن التي ينقصها كل شيء تقريبا، ويجد أن إنقاذ الإنسان لا يقتصر على إبقائه حيا، بل يشمل أيضا الشهادة على ما حدث له.

في نهاية شهادته عن غزة، يقول إنسيرتيس إنه لا يستطيع هو أن يحسم وحده ما إذا كان ما شاهده يرقى إلى وصف «الإبادة الجماعية»، لكنه يعرف شيئا آخر، يقوله بوضوح أكبر:

«تجولت في غزة من أقصاها إلى أقصاها، وهناك شيء واحد أعرفه: لا يمكن العيش هناك».

بعد أربعة أشهر في غزة، عاد إنسيرتيس إلى إسبانيا في 30 يوليو/تموز 2025، وكان قد فقد 15 كيلوغراما؛ لكن التغير الأكبر لم يكن جسديا؛ قال إن غزة «انتزعت مني القدرة على الشعور».

لذلك يأتي الكتاب الآن، بعد كل ما حدث، لا ليقدم إجابة طبية عن الحرب، بل ليترك شهادة طبيب وقف في المكان الذي يتقاطع فيه الموت مع محاولة إنقاذ الحياة.

طبيب فقد القدرة على عد الأطفال.

لكنه قرر، بعد أن غادر، أن يحاول عد القصص.

لعل الكتاب نفسه هو طريقته في استعادة أسماء أولئك الذين لم يستطع أن يتذكر أسماءهم.