- التحول في الموقف الأمريكي تجاه الفلسطينيين بدأ قبل حرب غزة
- تعاطف الأمريكيين مع الفلسطينيين يعكس تحولاً هيكلياً ومستداماً
- الشرخ بين الرأي العام والسياسة الأمريكية تجاه إسرائيل يتسع
- صعود الأجيال الشابة يهدد استمرارية الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل
- الدعم الأمريكي لإسرائيل يتجه من الالتزام المطلق إلى المشروط
كشف استطلاع حديث أجرته جامعة "كوينيبياك" الأمريكية عن تحول لافت في مواقف الرأي العام الأمريكي تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إذ تقدم التعاطف مع الفلسطينيين على الإسرائيليين، وقال 38% من المشاركين إن تعاطفهم يميل أكثر إلى الفلسطينيين، مقابل 35% يميلون إلى الإسرائيليين، فيما لم يحسم 27% موقفهم.
ويرى المحلل السياسي د. أشرف القصاص أن تقدم التعاطف مع الفلسطينيين لا يمثل مجرد رد فعل مؤقت على تداعيات الحرب في غزة، بل يعكس، وفق قراءته، "تحولاً هيكلياً ومستداماً طويل الأجل"، مشيراً إلى أن بذور هذا التغير بدأت بالنمو قبل أحداث أكتوبر/تشرين الأول 2023، وأن الحرب أسهمت في تسريع مسار كان قائماً بالفعل داخل المجتمع الأمريكي.
ويعتقد القصاص، في حواره مع "شمس نيوز"، أن عوامل عدة تقف وراء هذا التحول، في مقدمتها الانقسام الجيلي والحزبي، وتغير طريقة تأطير القضية الفلسطينية في الوعي الأمريكي، من صراع ذي أبعاد أمنية ودينية إلى قضية ترتبط بصورة أكبر بحقوق الإنسان والعدالة والاحتلال. ويضيف أن استمرار هذا الشرخ بين الرأي العام والسياسة الرسمية قد يفرض، على المدى المتوسط والبعيد، إعادة النظر في طبيعة الدعم الأمريكي لإسرائيل، لينتقل تدريجياً من "التزام قيمّي مطلق" إلى "علاقة نفعية مشروطة وحذرة".
ويشير إلى أن التحول لا يقتصر على فئة سياسية أو عمرية بعينها، بل يمتد إلى شرائح مختلفة من المجتمع الأمريكي، مع بروز مواقف أكثر نقداً تجاه الحكومة الإسرائيلية داخل أوساط الديمقراطيين والمستقلين، وحتى بين قطاعات من الشباب الجمهوريين.
ويلفت المحلل القصاص إلى أن صعود الأجيال الشابة إلى مواقع التأثير وصنع القرار سيجعل هذا التغير أكثر رسوخاً، خصوصاً مع اعتمادها المتزايد على شبكات التواصل الاجتماعي كمصدر للمعلومات، بعيداً عن أنماط التغطية الإعلامية التقليدية.
ويضيف أن انعكاسات هذا التحول بدأت تظهر في النقاش حول المساعدات العسكرية والغطاء السياسي والدبلوماسي الذي توفره واشنطن لإسرائيل، مع تزايد المطالب بربط الدعم العسكري بالالتزام بالقوانين الإنسانية.
لكنه يرى أن المصالح المؤسسية العميقة وقوة جماعات الضغط ستواصل، في المدى القريب، الحفاظ على استقرار الدعم الرسمي، قبل أن يصبح استمرار الفجوة بين الموقف الشعبي والسياسة الأمريكية عاملاً ضاغطاً على شكل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية في المدى المتوسط والبعيد.
وفيما يلي نص الحوار:
س1/ كيف تفسر التحول اللافت في الرأي العام الأمريكي، الذي أظهر للمرة الأولى منذ أكثر من عقدين تقدم التعاطف مع الفلسطينيين على الإسرائيليين؟ وهل نحن أمام رد فعل مؤقت على حرب غزة أم تحول هيكلي طويل الأجل؟
ج1/
يعكس تقدم التعاطف مع الفلسطينيين في الرأي العام الأمريكي تحولاً هيكلياً ومستداماً طويل الأجل، وليس مجرد رد فعل مؤقت على تداعيات الحرب في غزة.
وعلى الرغم من أن الصدمة الإنسانية للحرب متواصلة، ويمكن القول إن الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي أسهما في ذلك، فإن بذور هذا التغير بدأت تنمو وتتشكل لسنوات عدة قبل أحداث أكتوبر 2023.
وتكمن الركائز التي تثبت أن هذا التحول حقيقي ومستدام في العوامل التالية، منها: التحول بدأ قبل الحرب بسنوات (مسار تصاعدي ممتد)، فوفقاً لمعهد غالوب، بدأ الفارق التاريخي الشاسع في تعاطف الأمريكيين، والذي كان يميل لصالح إسرائيل بمتوسط 43 نقطة بين عامي 2001 و2018، يضيق تدريجياً منذ عام 2019. وارتفعت نسبة التعاطف مع الفلسطينيين باطراد قبل اندلاع الحرب الأخيرة، مما يعني أن المجتمع الأمريكي كان يمر بالفعل بعملية إعادة تقييم هادئة للصراع.
س2/ تشير إلى أن التحول في الموقف الأمريكي بدأ قبل حرب غزة بسنوات، لكن ما العوامل التي جعلته أكثر وضوحاً، خصوصاً لدى الأجيال الشابة؟
ج2/
هذه العوامل هي:
-
الانقسام الجيلي (تغير ديموغرافي غير قابل للعكس): المحرك الأساسي للاستدامة هو الفجوة الجيلية الحادة. أظهرت استطلاعات عام 2026 أن أغلبية الشباب الأمريكيين، الفئة العمرية 18-34 عاماً، يتعاطفون مع الفلسطينيين بنسبة تصل إلى 53% مقابل 23% فقط لصالح الإسرائيليين.
والشباب لا يعتمدون على الإعلام التقليدي، المنحاز تاريخياً لإسرائيل، بل يستقون معلوماتهم من شبكات التواصل المفتوحة. ومع تقدم هذه الأجيال الشابة لتصبح هي الكتلة التصويتية والسياسية الأكبر مستقبلاً، فإن هذا التوجه مرشح للاستقرار والتعمق بدلاً من التراجع.
-
الانقسام الحزبي الحاد وصعود المستقلين: أصبح التعامل مع القضية الفلسطينية نقطة خلاف جوهرية داخل الاستقطاب السياسي الأمريكي. وتشهد قاعدة الحزب الديمقراطي تحولاً جذرياً؛ حيث وصلت نسبة التعاطف مع الفلسطينيين بين الديمقراطيين إلى أكثر من 60%.
أما المستقلون، وللمرة الأولى، فقد انقلبت كفة الناخبين المستقلين، الذين يحسمون الانتخابات عادة، لصالح الموقف الفلسطيني بفارق ملموس.
وحتى داخل الشباب الجمهوريين، تحت سن 50، ارتفعت النظرة السلبية تجاه الحكومة الإسرائيلية بشكل غير مسبوق مقارنة بالأجيال الأكبر سناً في حزبهم.
- تحول المفاهيم (من صراع ديني/أمني إلى حقوق إنسان): لم يعد قطاع واسع من الرأي العام الأمريكي ينظر إلى القضية باعتبارها "حرباً ضد الإرهاب" أو "صراعاً دينياً"، بل جرى تأطيرها ضمن مفاهيم العدالة الاجتماعية، وحقوق الإنسان، ومناهضة الفصل العنصري والاحتلال. وهذا التغير المفاهيمي يجعل التعاطف مبدئياً وقائماً على قيم راسخة وليس عاطفة عابرة.
س3/ في ظل هذا التحول في الشارع الأمريكي، إلى أي مدى بدأت هذه التغيرات تُحدث تصدعات في الإجماع التقليدي حول التحالف بين واشنطن وتل أبيب، وهل يمكن أن تنعكس على الدعم العسكري؟
ج3/
تشير المعطيات والتحليلات لعام 2026 إلى أن التحولات المتزايدة في الشارع الأمريكي بدأت تُحدث تصدعات واضحة في الإجماع التقليدي حول الحلف الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب. وعلى الرغم من استمرار الفجوة الحالية بين الرأي العام والسياسة الرسمية، فإن التغيرات العميقة في التوجهات الشعبية تحمل تداعيات هيكلية ومستقبلية واضحة على شكل الدعم السياسي والعسكري الأمريكي لإسرائيل.
ويمكن تلخيص آليات وتأثير هذه التحولات على المستقبل عبر المحاور التالية:
-
أولاً: تآكل الإجماع الحزبي والدعم التلقائي: تشهد القاعدة الديمقراطية تحولاً، حيث إن غالبية الناخبين الديمقراطيين باتوا يتبنون نظرة سلبية تجاه الحكومة الإسرائيلية، وتُفضل نسبة كبيرة منهم توجيه التعاطف نحو الفلسطينيين. وهذا الضغط يدفع النخبة السياسية داخل الحزب تدريجياً لربط الدعم بشروط معينة.
أما على صعيد الشباب الجمهوري، فلم يعد الانقسام حكراً على الديمقراطيين؛ إذ تشير البيانات إلى أن أكثر من نصف الشباب الجمهوريين، دون سن الخمسين، بدأوا يتخذون مواقف أكثر نقدية تجاه الدعم غير المشروط، مدفوعين بتنامي تيار "أمريكا أولاً" الرامي للحد من الانخراط في النزاعات الخارجية.
-
ثانياً: مستقبل الدعم العسكري (من "الشيك على بياض" إلى "المشروطية"): تزايدت معارضة المساعدات غير المقيدة؛ إذ تشير الاستطلاعات إلى أن نسبة ضئيلة فقط من الأمريكيين تدعم استمرار إرسال السلاح دون قيود، بينما يطالب الجزء الأكبر بقطع المساعدات العسكرية أو ربطها بالالتزام بالقوانين الإنسانية.
وبدأت هذه التحولات الشعبية تترجم تدريجياً إلى أفعال تشريعية؛ حيث شهد الكونغرس تصويت عشرات المشرعين الديمقراطيين لصالح قرارات تحظر أو تقيد نقل بعض الأسلحة الثقيلة والمعدات العسكرية إلى إسرائيل، وهو تحول لم يكن مألوفاً في العقود الماضية.
- ثالثاً: تراجع الغطاء السياسي والدبلوماسي: مع تنامي الرفض الشعبي، أصبح تقديم الغطاء الدبلوماسي المطلق لإسرائيل في المحافل الدولية، مثل استخدام حق النقض "الفيتو"، مكلفاً سياسياً للإدارات الأمريكية، خاصة في المواسم الانتخابية.
كما أصبحت نسبة متزايدة من المستقلين والديمقراطيين تنظر إلى العلاقة مع إسرائيل باعتبارها "عبئاً" يضر بالمصالح الأمنية والسياسية الأمريكية الخارجية، عوضاً عن كونها مصلحة استراتيجية واضحة.
-
رابعاً: الفجوة بين الأجيال وصياغة سياسة المستقبل: يمثل الشباب الأمريكيون، بين 18 و34 عاماً، الكتلة الأكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية. ومع صعود هذا الجيل تدريجياً إلى مراكز صنع القرار وتولي مناصب القيادة داخل الأحزاب ومؤسسات الدولة، يُتوقع أن تشهد السياسة الرسمية تحولاً تصاعدياً يعكس هذه الرؤية الحادة والمغايرة تماماً لإرث الأجيال الأكبر سناً.
س4/ في المحصلة، هل تعتقد أن استمرار هذا الشرخ بين الرأي العام والسياسة الرسمية يمكن أن يؤدي إلى تغيير حقيقي في طبيعة الدعم الأمريكي لإسرائيل خلال السنوات المقبلة؟
ج4/
خلاصة القول: في المدى القريب، تظل شبكة المصالح المؤسسية العميقة وقوة جماعات الضغط تحافظ على استقرار الدعم الرسمي. ولكن على المدى المتوسط والبعيد، فإن استمرار هذا الشرخ الشعبي يعني أن الدعم الأمريكي لإسرائيل لن يبقى مضموناً بصيغته الحالية، وسيتجه تدريجياً نحو التحول من التزام قيمّي مطلق إلى علاقة نفعية مشروطة وحذرة.
