غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

الوحدة فريضة والحق الكامل منهج.. كيف نهض المسلمون وكيف تراجعوا

فارس فحماوي
بقلم: الباحث في الفكر السياسي الإسلامي المقارن: فارس رفيق فحماوي

الوحدة فريضة والحق الكامل منهج.. كيف نهض المسلمون وكيف تراجعوا

بقلم: فارس رفيق فحماوي

باحث في الفكر السياسي الإسلامي المقارن

في خضم التحولات التي تشهدها منطقتنا في مواجهة الاحتلال والغزو الأجنبي الطامع، يتجدد السؤال المركزي في الفكر السياسي: ما طريق النهضة والتقدم؟

تطرح بعض القراءات المجتزأة لمعركة الحضارة أن سبب تراجعنا هو تمسكنا بتراثنا، وأن الحل هو القطع المعرفي معه. ونرى، بكل احترام علمي لهذا الاجتهاد، أن هذه القراءة نفسها هي التي أخرتنا. فالتشخيص الموضوعي من منظور الفكر السياسي المقارن يقول: إن الأمة لم تنهض في تاريخها إلا حين تمسكت بوحدتها وبحقها كاملاً، ولم تتراجع إلا حين تفرقت وجزأت حقها.

نقد القراءة المجتزأة: أين كان الخلل في التشخيص؟

منذ النكبة وما بعدها، سادت في بعض الأوساط اليسارية والعلمانية قراءة تشخيصية تقول: إن سبب تراجعنا وتأخرنا هو "تخلفنا" بسبب تمسكنا بالتراث الديني، وأن طريق النهضة يمر حتماً عبر القطع مع هذا التراث والالتحاق بالنموذج الغربي.

ولماذا كانت هذه القراءة مجتزأة وغير موفقة؟

1. اجتزأت التاريخ: نظرت إلى 200 سنة الأخيرة فقط من تراجع الأمة، وتجاهلت 1300 سنة سابقة من الريادة والنهضة. فالأمة لم تتقدم حين قطعت مع تراثها، بل تقدمت حين تمسكت به كاملاً.

2. اجتزأت مفهوم الحضارة: اختزلت الحضارة في البعد المادي والتقني فقط. فحصرت التقدم في المصنع والآلة، وتجاهلت البعد القيمي والروحي والأخلاقي. بينما النموذج الإسلامي كان دائماً يجمع بين {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} وبين {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ}.

3. اجتزأت أسباب الهزيمة: حمّلت التراث مسؤولية الهزيمة، وتجاهلت أسباباً مباشرة نص عليها القرآن: التنازع {فَتَفْشَلُوا}، وتجزئة الحق {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ}، والركون للظالمين.

النتيجة: لأن التشخيص كان مجتزأً، جاءت المعالجة مجتزأة. فكانت مشاريع النهضة المستوردة التي جُربت في القرن الماضي، قومية واشتراكية وليبرالية، فانتهت جميعها إلى التراجع لأنها لم تعالج الأصل: غياب الوحدة وغياب الحق الكامل.

أولاً: التأسيس القرآني.. الوحدة فريضة والحق كل لا يتجزأ

1- الوحدة فريضة محكمة: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران:103].

2- التفرق قانون للفشل والتراجع: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال:46]. والريح هي القوة والدولة.

3- الحق الكامل شرط للنجاة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [البقرة:208]، وحذر من التجزئة: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة:85].

ثانياً: التأسيس النبوي.. البنيان المرصوص

1- حديث الوحدة: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً" [متفق عليه].

2- حديث المنهج الكامل: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي" [رواه مالك].

3- حديث الإعداد الشامل: "ألا إن القوة الرمي" [رواه مسلم]، تفسيراً لقوله تعالى {وَأَعِدُّوا}.

ثالثاً: الشاهد التاريخي.. متى نهضنا ومتى تراجعنا؟

.كيف نهض المسلمون؟ 

1. نهضة المدينة (1هـ): وحدت بين الأوس والخزرج والمهاجرين والأنصار فصارت قوة عظمى في 10 سنوات. 

2. فتح القدس الأول (15هـ): بجيش موحد وحق كامل غير قابل للتجزئة. 

3. تحرير القدس الثاني (583هـ): صلاح الدين وحد مصر والشام أولاً، ثم حرر. فكان التوحيد مقدمة التحرير.

كيف تراجع المسلمون؟

1. انحسار الأندلس: تراجعت حين صارت 22 دويلة طوائف يستعين كل أمير بالعدو على أخيه. 

2. محنة بغداد (656هـ): تراجعت حين انشغلت بالجدل وتركت فريضة الإعداد.

رابعاً: الصحوة الإسلامية.. مطلب النهضة والتقدم

إن ما نريده اليوم والمطلوب هو صحوة إسلامية شاملة، تعود بالأمة إلى معادلة النهضة التي نجحت بها عبر التاريخ: الوحدة + الحق الكامل.

لماذا الصحوة الإسلامية هي الطريق الأفضل للنهضة والتقدم؟

1. لأنها مشروع جامع لا مفرق: الصحوة المطلوبة لا تفرق بين عربي وأعجمي، بل ترفع شعار {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10].

2. لأنها تأخذ الحق كاملاً لا مجزأً:* لا تفصل الدين عن الدولة، ولا التربية عن السياسة، ولا المسجد عن الجامعة والمصنع. إنها تطبق {كَافَّةً}.

3. لأنها تجمع بين الروح والمادة: تربي الروح على {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ} وتبني اليد على {وَأَعِدُّوا}. فهو تقدم متكامل.

لقد جربت الأمة في القرن الماضي مشاريع مجتزأة عديدة فانتهت إلى التراجع، لأنها أخذت ببعض الحق وتركت بعضه.

وإن الخلاص اليوم يكمن في العودة إلى البديل الموضوعي الذي تفرضه السنن التاريخية: المشروع الحضاري الإسلامي الجامع، القائم على فريضتين: وحدة الأمة، والتمسك بحقها الكامل غير المجزأ.

{وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم:47].

"جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز".