بداية العام الدراسي الجديد في قطاع غزة لا تشبه أي بداية سابقة فمع اقتراب موعد عودة الطلبة إلى مقاعد الدراسة، تبدو المدارس التي كانت يومًا أماكن للعلم واللعب، شاهدة على حجم الدمار الذي أصاب قطاع التعليم مبانٍ مدمرة أو متضررة، مقاعد وكتب وتجهيزات مفقودة، وصفوف مؤقتة تحاول أن تمنح الأطفال فرصة لاستعادة شيء من حياتهم الطبيعية.
لكن خسارة التعليم في غزة لا تختصرها الجدران المهدمة فمنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، استشهد نحو 19 ألف طالب وطالبة في قطاع غزة، إلى جانب نحو 800 من العاملين في قطاع التعليم، فيما خرج نحو 97% من المباني التعليمية عن الخدمة، وفق الأرقام التي أوردها مدير عام العلاقات العامة والإعلام في وزارة التربية والتعليم العالي بغزة أحمد النجار.
وفي العام الدراسي 2026/2027، تتوقع الوزارة وصول عدد الطلبة الملتحقين بالتعليم إلى نحو 350 ألفًا، مقارنة بنحو 270 ألفًا في العام السابق، بينما تستعد لتوفير نحو 320 مدرسة ونقطة تعليمية، بالاعتماد على الأبنية الصالحة والمراكز المؤقتة والخيام، إلى جانب المنصات الرقمية.
ومن المقرر أن يبدأ العام الدراسي إداريًا في 16 سبتمبر/أيلول، على أن يبدأ الطلبة دوامهم في 19 سبتمبر/أيلول، في محاولة لإعادة العملية التعليمية إلى الحياة رغم استمرار آثار الحرب.
العودة إلى التعليم أولًا
يقول أحمد النجار إن الوزارة تعمل على إعادة المدارس إلى وظيفتها الأساسية، بالتنسيق مع المؤسسات والجهات المحلية، انطلاقًا من مبدأ «التعليم حق والإيواء واجب». ويوضح أن الهدف ليس إخراج النازحين من المدارس بالقوة، وإنما توفير بدائل مناسبة ونقلهم إليها بالتفاهم والإقناع، حتى يتمكن الطلبة من التعلم في بيئة أفضل.
لكن العودة لا تعني بالضرورة العودة إلى المدرسة التقليدية. فمع خروج معظم المباني التعليمية عن الخدمة، تعتمد الوزارة على نقاط تعليمية مؤقتة وخيام ومراكز قابلة للاستخدام، إلى حين إعادة تأهيل المدارس وبناء ما دمر منها.
عام دراسي في ظروف استثنائية
بالنسبة إلى الطالبة إيلين نضال، 12 عامًا، وهي نازحة من شرق مدينة غزة، تحمل العودة إلى المدرسة فرحة ممزوجة بالحسرة تشير الى إن بداية العام هذه المرة مختلفة؛ فالمدرسة لم تعد المكان الذي اعتادت أن تلتقي فيه بصديقاتها وتحمل حقيبتها وتبدأ عامًا جديدًا.
وحتى الاستعداد للدراسة لم يعد مرتبطًا فقط بتوفير الدفاتر والقرطاسية، بل بالسؤال عن المكان الذي ستدرس فيه، وكيف سيكون شكل يومها الدراسي. وتضيف أن مدرستها لم تعد كما كانت، وأن بعض زميلاتها السابقات لن يلتقيا إما استشهدن أو بعدت المسافة بينهم.
ومع ذلك، تتمسك إيلين بالعودة إلى التعليم. تقول إنها تريد أن تكمل دراستها وأن يكون لها مستقبل مثل بقية الأطفال، وتتمنى أن تعود المدارس إلى حالها الطبيعي، وأن يجلس الطلاب مجددًا في صفوف حقيقية ويعيشوا يومًا دراسيًا عاديًا.
أما محمد نعيم، النازح من حي الشجاعية، فينظر إلى بداية العام من زاوية الأب الذي يحاول تأمين الحد الأدنى لأطفاله. يقول إن الأسرة سعيدة بعودة أبنائها إلى التعليم، لكنها في الوقت نفسه قلقة من الظروف المحيطة بهم.
فالأب، كما يقول، لم يعد يفكر فقط في الحقيبة والدفاتر، بل في مكان الدراسة وتوفر الكتب والمستلزمات، وفي قدرة الطفل على التركيز بعد سنوات من الحرب والنزوح. ويؤكد أن إعادة الأطفال إلى الصفوف وحدها لا تكفي، فالأطفال بحاجة إلى مدارس آمنة، وكتب ومقاعد ومعلمين، إضافة إلى الدعم النفسي.
معلمون أمام فاقد تعليمي كبير
داخل الصف، يواجه المعلمون تحديًا مختلفًا. يقول أحد المعلمين إن استقبال العام الدراسي يحمل مشاعر متناقضة؛ فرحة بالعودة إلى الطلاب، وحزن أمام حجم الدمار الذي جعل هذه العودة مختلفة عن كل الأعوام السابقة.
ويشير إلى أن مهمة المعلم لم تعد تقتصر على شرح الدرس، فالطلاب يدخلون الصفوف محملين بتجارب الحرب والنزوح والفقد والانقطاع الطويل عن التعليم. لذلك يصبح استعادة القدرة على التركيز والتعلم جزءًا أساسيًا من العملية التعليمية.
وتقر الوزارة بأن الفاقد التعليمي يمثل أحد أكبر التحديات؛ إذ لا يتعلق فقط بالدروس التي فاتت الطلبة، وإنما بفقدان مهارات أساسية أيضًا. ولهذا تعمل على تشخيص مستويات الطلاب وتنفيذ برامج استدراكية، من بينها برنامج التعليم الاستدراكي المسرّع (ALP)، لاستعادة المهارات تدريجيًا، خصوصًا لدى طلبة الصفوف من الثاني حتى التاسع.
التعليم بين الخيمة والمدرسة
الخيام، وفق الوزارة، حل طارئ وليست بديلًا دائمًا للمدرسة. فالحرارة والبرد وضعف الحماية والخصوصية تجعلها بيئة صعبة للتعليم، فيما تتسع الاحتياجات لتشمل المقاعد والطاولات والسبورات والكتب والدفاتر والحقائب، وصولًا إلى المختبرات والمكتبات ومختبرات الحاسوب.
وتقوم خطة الوزارة على ثلاثة مسارات: استعادة التعليم، معالجة الفاقد التعليمي، ثم إعادة بناء النظام التعليمي والبنية التحتية تدريجيًا.
في غزة، إذن، لا تبدأ الحكاية من جرس المدرسة، بل من سؤال أكبر: كيف يمكن لطفل أن يستعيد تعليمه بعدما فقد مدرسته، ودفتره، وربما زميلًا أو معلمًا؟
ومع ذلك، يحمل الطلبة حقائبهم من جديد. قد لا تكون الطريق إلى الصف كما كانت، وقد لا يكون الصف نفسه مدرسة، لكن محاولة العودة تحمل معنى يتجاوز الدرس والكتاب: إنها محاولة لجعل التعليم يستمر، ولمنح جيل كامل فرصة ألا يكون مستقبلُه ضحية أخرى للحرب ففي غزة، قد تكون المدارس قد تهدمت، لكن الرغبة في التعلم ما زالت تبحث عن مقعد.