بجسدٍ أنهكه المرض، ورئةٍ لم تعد تحتمل، يقف المواطن "رمزي الحيلة" في أحد مراكز الإيواء بقطاع غزة، عاجزاً عن الحصول على العلاج الذي يحتاجه، بعدما اضطرته حرب الإبادة الجماعية التي شنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023م، إلى ترك منزله المدمر في منطقة الزوايدة وسط القطاع، والعيش بين الخيام ومراكز النزوح.
يتنقل "رمزي" منذ ساعات الصباح الأولى بين طوابير المياه والطعام، في رحلة يومية شاقة لا تشبه حياة مريض بالسرطان يحتاج إلى الراحة والعناية الطبية، بينما تلاحقه في كل خطوة أعراض المرض، ويضيق عليه ضيق التنفس الذي تفاقم بعد استئصال أجزاء من رئتيه.
قبل الحرب، كان "الحيلة" يعيش حياة مختلفة تماماً؛ يمتلك مركبة خاصة، ويعمل مقابل راتب شهري يبلغ نحو 1500 شيكل، ويقيم في منزل مكون من طابقين في منطقة هادئة غرب شارع صلاح الدين بالزوايدة، بالقرب من مقبرة الإنجليز.
لكن القصف دمر منزله بالكامل، وحول حياته إلى رحلة نزوح لا تنتهي، فيما كان المرض يتسلل إلى جسده في الوقت ذاته.
بدأت حكاية "رمزي" مع السرطان بعد نحو عام من اندلاع الحرب، حين اكتشف إصابته بورم في منطقة الصدر، فتوجه إلى المستشفى الأوروبي بخانيونس جنوبي قطاع غزة، حيث بدأ رحلة علاج تحت إشراف الطبيب "زكي الزقزوق".
لم تكن أمامه خيارات علاجية كثيرة، فالعلاج المتاح اقتصر على جلسات العلاج الكيماوي، ليتلقى نحو 21 جرعة، قبل أن يحذره الأطباء من خطورة الاستمرار في تلقي المزيد، خشية تعرضه لمضاعفات خطيرة تصل إلى الفشل الكلوي والحاجة إلى غسيل الكلى.
ومع تعذر سفره إلى خارج قطاع غزة لإجراء العملية، رغم إدراج اسمه مسبقاً ضمن قوائم السفر، اضطر "رمزي" إلى الخضوع لجراحة معقدة داخل مجمع ناصر الطبي، استمرت خمس ساعات ونصف متواصلة، جرى خلالها استئصال نحو 11 سم من رئتيه، إلى جانب إزالة أورام أخرى.
وكان يفترض أن تكون الجراحة خطوة في طريق التعافي، لكن ما حدث بعدها فتح فصلاً جديداً من المعاناة، فبعد العملية، كان البروتوكول الطبي يقتضي أن يتلقى "رمزي" العلاج الإشعاعي خلال فترة تتراوح بين عشرة أيام وشهر على الأكثر، إلا أن هذا العلاج غير متوفر داخل قطاع غزة، فيما تعذر سفره إلى الخارج.
مرت الأيام، ثم الأسابيع، ثم أكثر من أربعة أشهر، دون أن يحصل على العلاج الإشعاعي، وخلال هذه الفترة، بدأت كتل وأورام جديدة بالظهور في جسده، ليعود المرض من جديد، وسط تحذيرات من أن العلاج الإشعاعي وحده لم يعد كافياً، وأنه بات بحاجة إلى تدخل جراحي جديد لاستئصال التكتلات التي ظهرت حديثاً.
لم يعد "رمزي" يصارع السرطان وحده، بل أصبح يصارع أيضاً غياب الدواء، وغلاء الأسعار، وانعدام الدخل، وظروف النزوح التي لا تمنح جسده فرصة لالتقاط أنفاسه، فالأدوية الهرمونية التي يحتاج إليها باتت مفقودة من المستشفيات، وفي حال العثور عليها داخل الصيدليات الخاصة، فإن أسعارها تتجاوز قدرته على الشراء؛ إذ يصل ثمن أربع حبات أسبوعياً إلى أكثر من 150 شيكلاً.
أما الفحوصات الهرمونية التي كانت تُجرى مجاناً في المستشفيات الحكومية، فقد أصبحت تكلفه نحو 500 شيكل، وحتى البخاخات التي تساعده على التنفس، والتي يستخدمها كل ثلاثة أيام تقريباً، أصبحت عبئاً إضافياً، إذ يتراوح سعر الواحدة منها بين 25 و35 شيكلاً.
وفي ظل فقدانه عمله وانقطاع مصدر دخله، وجد "رمزي" نفسه أمام خيار قاسٍ لا يترك له مجالاً للمناورة، فإما أن يختار بين الطعام والدواء.
يقول "الحيلة" في وصفه لهذه المفاضلة اليومية: "يا بدك توفر أكل يا بدك توفر دواء، فتضطر إلى توفير الأكل والدواء إذا إجا إجا".
لكن المرض لم يكن وحده ما يضيق على أنفاسه، ففي الخيام ومراكز الإيواء، حيث لا غاز للطهي ولا كهرباء، يضطر النازحون إلى إشعال الحطب والنيران لتوفير الطعام، فتملأ الأدخنة المكان وتزيد معاناة "رمزي" الذي لم تعد رئتاه قادرتين على تحمل المزيد.
لمتابعة آخر المستجدات الميدانية والسياسية للحرب على غزة اشترك بقناة شمس نيوز على منصة تيلجرام
وبعد استئصال أجزاء من رئتيه، أصبح حتى السعال الطبيعي صعباً عليه، بينما تحاصره روائح الحطب والدخان والحرارة والضوضاء في مكان يفترض أن يجد فيه الحد الأدنى من الراحة.
وفي كل صباح، تبدأ رحلة "الحيلة" في نحو الساعة السابعة والنصف، حيث ينتظر طويلاً للحصول على مياه الغسيل، ثم ينتقل إلى طوابير "التكية" للحصول على وجبة طعام، قبل أن يقف من جديد في طوابير مياه الشرب.
يمضي الساعات الأولى من يومه في الانتظار، فيما يحتاج جسده المنهك إلى الراحة، ويحتاج مرضه إلى علاج لا يستطيع الوصول إليه.
وفي لحظات صمته، يستعيد "رمزي" منزله الذي دُمر تحت الركام، ويتذكر الحياة التي كان يعيشها قبل الحرب، حين كان يمتلك عملاً ومركبة وبيتاً، قبل أن تتبدل تفاصيل حياته بين ليلة وضحاها.
فاليوم، لم يعد راتبه السابق البالغ 1500 شيكل موجوداً أصلاً، وحتى لو عاد إليه، فإنه هذا المبلغ لم يعد يكفي لتوفير مياه الاستخدام والشرب، ناهيك عن الدواء والفحوصات والعلاج.
وتتراجع الخيارات أمام "رمزي" يوماً بعد آخر، بينما يتقدم المرض في جسده، فهو لا يطلب شيئاً كبيراً، بل فرصة للحصول على العلاج الذي يحتاجه قبل أن تتحول الكتل الجديدة إلى خطر أكبر، وقبل أن يصبح تأخر العلاج أكثر كلفة على جسده.
ولا تتوقف مأساة مرضى السرطان في قطاع غزة عند حالة "رمزي"، إذ يواجه آلاف المرضى صعوبات كبيرة في الحصول على خدمات التشخيص والعلاج المتخصص، في ظل تضرر المنظومة الصحية خلال الحرب.
وتشير المعطيات الطبية إلى وجود أكثر من 11 ألف مريض سرطان في قطاع غزة، يواجهون نقصاً حاداً في الخدمات المتخصصة، في وقت يفتقر فيه القطاع إلى أجهزة العلاج الإشعاعي وأجهزة المسح الذري، ما يجعل كثيراً من المرضى بحاجة إلى التحويل للعلاج خارج القطاع.
كما أدى خروج مستشفى الصداقة التركي الفلسطيني، المتخصص في علاج الأورام، ومستشفى غزة الأوروبي، عن الخدمة إلى زيادة الضغط على المستشفيات الأخرى، ومجمع ناصر الطبي ومستشفى شهداء الأقصى، في وقت تعاني فيه هذه المرافق أصلاً من أعباء كبيرة ونقص في الإمكانات.
وبالنسبة إلى "رمزي الحيلة"، فإن المشكلة لم تعد في تشخيص المرض وحده، وإنما في القدرة على الوصول إلى العلاج في الوقت المناسب، بعدما تحول السفر والدواء والفحص الطبي إلى حلقات متتالية في معركة البقاء.