قائمة الموقع

هل أخطأت المقاومة الفلسطينية عندما قبلت بخطة ترامب حول غزة؟

2026-09-19T11:31:00+03:00
الخط الأصفر.jpg

أحمد عبد الرحمن | كاتب في الشأن السياسي والعسكري

منذ الإعلان عن التوصّل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة قبل أكثر من أحد عشر شهراً، والذي كان يُعتقد على نطاق واسع بأنه سيشكّل خاتمة لحرب الإبادة الجماعية التي ارتكبها العدو الصهيوني بحق السكّان المدنيين في غزة المنكوبة والمدمّرة، منذ ذلك الحين والأوضاع الإنسانية والصحيّة والأمنية في القطاع الصغير والمُحاصر تتّجه من سيئ إلى أسوأ، وهي تكاد تشبه إلى حدٍّ بعيد أجواء ما قبل التوصّل إلى هذا الاتفاق الهش، والذي وعلى الرغم من رعايته من قِبل رئيس أكبر دولة في العالم، إلا أنه لم يحقّق أيّ انفراجة تُذكر، ولا يبدو في الأفق أنه سينجح في ذلك في المدى المنظور على أقل تقدير، إذ تشير المواقف المعلنة لقادة "دولة" الاحتلال، وعلى رأسهم رئيس الوزراء المأزوم بنيامين نتنياهو، ووزير حربه يسرائيل كاتس، وما يجري على الأرض من جرائم بحق المواطنين الفلسطينيين، إلى أن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة تصعيد لا مرحلة تهدئة، وأن وتيرة العدوان يمكن أن ترتفع كمّاً ونوعاً خصوصاً كلما اقتربنا من الانتخابات البرلمانية في "الدولة" العبرية.

بحسب إعلان وزارة الصحة في قطاع غزة، فقد سقط منذ الحادي عشر من تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي موعد بدء سريان التهدئة الحالية، وحتى وقتنا الحالي"1386" شهيداً فلسطينياً من سكّان القطاع، أي بنسبة "126" شهيداً شهرياً تقريباً، إضافة إلى إصابة 4784"" آخرين، بنسبة مئوية تصل إلى "435"مصاباً شهرياً، وهي نسب مرتفعة للغاية إذا ما عرفنا أنها تسقط في ظل اتفاق تهدئة وليس في وقت الحرب، إذ كان من المأمول أن يوقف الاتفاق كل هذا الدم المراق، وأن يؤدي إلى وقف عجلة التصعيد الإسرائيلي بشكل كامل.

إلى جانب سقوط الشهداء والجرحى، يمكن ملاحظة أنواع أخرى من العدوان، يأتي في مقدّمتها الاستمرار في السيطرة على مزيد من أراضي المواطنين الفلسطينيين في المناطق الواقعة بمحاذاة "الخط الأصفر"، والذي بات يتمدّد بشكل يومي ليلتهِم مساحات جديدة مما تبقّى من جغرافيا القطاع، حيث تشير المعطيات على الأرض إلى أن نسبة سيطرة "جيش" الاحتلال على الأراضي في قطاع غزة قد تجاوزت نسبة الـ70%، وهي نسبة ترتفع يومياً في مناطق معيّنة، ولا سيّما في محافظة شمال قطاع غزة، والتي تشهد منذ عدّة أيام توسيعاً للخط الأصفر من الشمال باتجاه الجنوب، ومن الشرق باتجاه الغرب، ليصل للمرة الأولى بالقرب من مستشفى كمال عدوان في منطقة بيت لاهيا، وهو المستشفى الذي أُعيد تأهيله قبل أسابيع قليلة ليصبح قادراً على تقديم خدمات طبية للمواطنين في شمال القطاع.

إضافة إلى ما سبق، فإن الاحتلال يستمر في حرمان القطاع من أكثر من ثلاثمئة سلعة أساسية هو في أمسّ الحاجة إليها، خصوصاً فيما يتعلّق بالهواتف والأدوات الكهربائية، ومواد التنظيف، إضافة، وهو الأهم، إلى قطع غيار المحرّكات وزيوت السيارات، والتي ألقت بظلال قاتمة على مستقبل حركة النقل في غزة، وباتت تشكّل هاجساً، ولا سيّما لمركبات الإسعاف والبلديات، والتي توقّف معظمها عن العمل خلال اليومين الأخيرين نتيجة نقص هذه المستلزمات الضرورية والتي لا غنى عنها. 

كل ما سبق، إلى جانب غيره الكثير مما لا يتّسع المجال لذكره، بات يثير سؤالاً كبيراً لدى معظم أهالي القطاع، ويُسمع صداه في كل المجالس والمنابر، وصولاً إلى وسائل التواصل الاجتماعي، وهو يتعلّق بجدوى استمرار المقاومة في الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار من جانب واحد، وهو الأمر الذي يبدو جليّاً في ظل عدم التزام العدو الصهيوني به، واختراقه إياه طوال الأشهر الماضية، والتي لم يشعر المواطنون الغزيّون فيها بأي تغييرات حقيقية تخرجهم من أجواء الحرب، وتمنحهم بعض الراحة لالتقاط أنفاسهم بعد هذا الوقت الطويل من التعب والمعاناة.

ليس هذا فحسب، بل إن الكثير  من الفلسطينيين، وجزءاً لا بأس به منهم من أنصار المقاومة، باتوا يعتقدون أن الموافقة على خطّة الرئيس الأميركي دونالد ترامب كانت خطأً كبيراً وسقطة باهظة الثمن، وأن القبول بها قد منح العدو الصهيوني فرصة ذهبية لتحقيق معظم أهدافه التي فشل في تحقيقها إبّان الحرب، مثل تمكّنه من اغتيال وتصفية أكثر من"600" من قيادات وكوادر المقاومة ،كان من بينهم شخصيات رفيعة المستوى، إضافة إلى مواصلته سياسة الحصار والتضييق من دون أن يتعرّض لأي نقد أو ملاحقة كما كان يحصل في فترة الحرب، إلى جانب عدم تعرّضه لأي خسائر بشرية أو مادية لطالما أثقلت كاهل جيشه خلال شهور الحرب الماضية.

وفي حقيقة الأمر، تبدو تساؤلات الفلسطينيين الذين ما زالوا يدفعون ثمن استمرار الحرب مقبولة ويمكن تفهّمها، وهي تشير من دون أدنى شك إلى رغبتهم في مغادرة مربّع الحرب بشكل كامل كما كانوا يأملون، ولا سيّما أنهم دفعوا أثماناً غير مسبوقة وصلت في كثير من الأحيان إلى فناء عائلات بأكملها عن بكرة أبيها، وعن فقدان ممتلكات تحصّلوا عليها بشق الأنفس، وعن حرمان من أدنى متطلّبات الحياة التي يحتاجها أي فرد على مستوى العالم، حتى في تلك الدول الفقيرة والمسحوقة.

إلا أن حقيقة الأمر قد تبدو غير ذلك، إذ إن موافقة المقاومة على اتفاق التهدئة لم تكن بالشكل الذي يعتقده البعض، حيث إنها كانت هي الأخرى تسعى إلى تحقيق جملة من الأهداف، تصبّ جميعها في خانة تحقيق الأمن لشعبها، ووقف العنف المُرتكب ضده، إضافة إلى سحب كل الذرائع من العدو المجرم للاستمرار في ارتكاب حرب الإبادة الجماعية بحق المواطنين الأبرياء في القطاع المنكوب.

غير أن حسابات الحقل لم تكن كحسابات البيدر، إذ فرضت بعض المعادلات نفسها على قرار المقاومة رغماً عنها، ودفعتها إلى تقديم ما يمكن وصفه بـ " التنازلات" المؤلمة من أجل مصلحة شعبها، ومن أجل وقف مسلسل القتل الذي كان يُمارس بحقه صباح مساء.

يمكن ملاحظة عدة عوامل دفعت المقاومة "مُكرهة" إلى القبول بخطّة ترامب سيّئة الذكر، وهي عوامل لم تكن أبداً في صالح المقاومة، إذ إن كل الظروف المحيطة في تلك الفترة كانت تصبّ في مصلحة العدو، خصوصاً مع فشل كل الجهود التي كانت تحاول ثنيه عن مواصلة العدوان، والذي وصل خلال شهوره الخمسة الأخيرة إلى حالة من التوحّش البشع الذي لم يسبق له مثيل.

أول العوامل كان الموقف العربي والإسلامي العاجز والضعيف، إلى جانب الموقف الدولي والعالمي المتواطئ والمتخاذل، إذ أسهم هذان الموقفان في منح العدو الفرصة الكاملة للقيام بكل ما أراد من جرائم قتل وإعدام بحق المدنيين الفلسطينيين، وتدمير وتخريب للمنشآت والبنى التحتية، بل وفي إدارة الظهر لكل المواثيق والمعاهدات الدولية التي دعت للحفاظ على حياة السكان وقت الحرب، وتجنيب المؤسسات التعليمية والصحية آثارها الكارثية، وعدم استخدام القوّة المفرطة حتى في مواجهة "عدو مسلح.

وعلى الرغم من بعض المواقف الإيجابية من بعض الدول، ولا سيّما على الصعيد السياسي والإعلامي والإغاثي، إلا أن كل ذلك لم يكن كافياً لوقف المجزرة، ولم يكن يبدو في الأفق أن تغييراً حقيقياً يمكن أن يقع، إذ إن معظم المعطيات وتقديرات الموقف كانت سلبية، ولم تكن تشير إلى إمكانية حدوث انفراجة قريبة.

ثاني العوامل كان حجم الخسائر المادية والبشرية التي لحقت بصفوف السكّان في قطاع غزة، وهي خسائر لم تكن مُتوقّعة أو مُنتظرة، وفاقت في تفاصيلها وحيثياتها ونتائجها كل ما كان يعتقده السكان والمقاومة على حدٍّ سواء.

في حربها على غزة تعمّدت "إسرائيل" رفع الثمن الذي يجب أن يدفعه الفلسطينيون ولا سيّما المدنيين منهم، وتحميلهم الجزء الأكبر من فاتورة الحساب الذي أرادت جبايته منهم بعد سقوطها في معركة "طوفان الأقصى"، والتي كشفت ضعف وهشاشة هذه "الدولة" وجيشها "الأسطوري "، وأظهرتهما في صورتهما الحقيقية التي جرى إخفاؤها عن العالم منذ إنشاء هذا الكيان المجرم، والذي لطالما ادّعى ما ليس فيه، ونسج عن نفسه قصصاً خيالية سقطت بعد انطلاق أول رصاصة صباح السابع من تشرين الأول/أكتوبر المجيد. 

في حربها على غزة صبّت "إسرائيل" نار غضبها وحقدها على كل شيء، سواء كان بشراً أم حجراً، ودمّرت بآلاتها الضخمة كل المناطق العمرانية، والبنى التحتية، والتي لم تكن تمثّل أي تهديد لقواتها، وإنما كان الهدف فقط التخريب والتدمير، وتحويل حياة الناس إلى جحيم.

إلى جانب ذلك استخدمت "إسرائيل" كل ترسانتها العسكرية الحديثة باستثناء السلاح النووي لقتل المواطنين في غزة، من دون أي تفريق يُذكر بين المقاتلين والمدنيين، وهي عملية مقصودة ومنصوص عليها في "عقيدة أيزنكوت" التي يتبنّاها "جيش" الاحتلال منذ عدوان تموز 2006 على لبنان، والتي تنص على تدفيع "أعداء" الكيان أكبر الأثمان وأكثرها كلفة لردعهم وثنيهم عن مجرد التفكير في مهاجمة "الدولة" العبرية في مواعيد لاحقة، بل وزيادة الضغط على الحاضنة الشعبية لهؤلاء "الأعداء" من أجل دفعهم لتشكيل ضغط حقيقي على فصائل المقاومة، ودفعها للتراجع أو التنازل. 

ثالث العوامل، حتى لا نطيل، كان فشل جبهات الإسناد الخارجية رغم أهميّتها في دفع العدو لوقف حربه المجنونة، أو تخفيض وتيرتها على أقل تقدير، وهو أمر كانت المقاومة والناس في غزة يعوّلان عليه كثيراً، ويأملان أن يُسهم في الخروج من حرب الإبادة في أسرع وقت ممكن، وبأقل الخسائر الممكنة.

في هذا الإطار، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نقلّل من حجم تأثير جبهات الإسناد خصوصاً في لبنان واليمن، إضافة إلى جبهة العراق، ولا من الدعم السياسي والمالي وصولاً إلى العسكري من الجمهورية الإسلامية في إيران، إذ بذلت هذه الجهات كل ما أمكنها من أجل وقف المقتلة، ومن أجل رفع الحصار عن غزة، وقد حقّقت نتائج جيدة جداً لا يمكن التقليل منها، إلا أن إصرار العدو على استمرار الحرب، ورغبته في الثأر والانتقام من سكّان غزة ومقاومتها، واستعادة قدرة الردع التي تهاوت في ساعات معدودة أمام المئات من المقاتلين، قد حال دون انصياعه لضغوط تلك الجبهات، مستفيداً من الدعم اللامحدود من حليفته الكبرى الولايات المتحدة الأميركية، ومن الكثير من دول العالم.

عدم تمكّن جبهات الإسناد من المساهمة في وقف الحرب، والتطورات التي طرأت على الساحة اللبنانية تحديداً، والتي دفعت فيها المقاومة هناك أثماناً باهظة، أشعرت المقاومة في غزة بأن رهانها قد سقط، وأنها يجب أن تلجأ إلى خيارات أخرى من أجل وقف المجزرة، كان من بينها خيار الذهاب نحو تهدئة لا تلبّي معظم شروطها.

على كل حال، يمكن القول إن المقاومة في غزة قد ذهبت قبل أحد عشر شهراً نحو تهدئة لم تكن ترغب فيها، وضمن شروط لم تكن تصبّ في مصلحتها ولا مصلحة شعبها، بل اضطرّت إلى ذلك على أمل الحفاظ على ما تبقى من أعيان مدنية، ووقف نزيف الدم الذي كان يسيل بغزارة في كل ركن وزاوية، إضافة إلى رغبتها في استعادة أنفاس مقاتليها الذين كانوا يقاتلون في ظروف استثنائية وقاهرة وبإمكانات لا تُقارن مع ما كان يمتلكه عدوّها.

في تلك اللحظة الفارقة، ذهبت المقاومة نحو خطة ترامب "اللعينة" مُكرهةً، كما كانت الحال إبّان موافقتها على اتفاق القاهرة مع "مجلس السلام" المنحاز والظالم، وهي في كلتا الحالتين كانت تبحث عن مصلحة شعبها، وعن كل ما يمكن أن يجنّبه مزيداً من الخسائر في الأرواح والإمكانات.

الآن وبعد وضوح الرؤية بشكل أفضل، وبعد تأكد الجميع، وفي مقدمتهم المقاومة، أن هذا الخيار قد فشل، وأن طريق التهدئة لم ينجح في وقف جرائم العدو التي تزداد كمّاً ونوعاً، وأن المعاناة استمرت كما هي من دون أي انفراجة حقيقية، هل تذهب المقاومة إلى تفعيل خيارات أخرى على قاعدة هدم المعبد على رؤوس الجميع، أم تبقى تراقب وتعضّ على الجرح أملاً بحدوث تغيير مُنتظر؟ 

اخبار ذات صلة