تضطر عائلات نازحة في قطاع غزة إلى نصب خيامها قرب مبانٍ متضررة أو الإقامة داخلها، في ظل الاكتظاظ وقسوة النزوح، وتجد هذه العائلات نفسها عالقة بين خطر انهيار المباني وظروف المأوى الصعبة.
في شمال القطاع، تعيش أم إبراهيم داخل خيمة نصبتها بمحاذاة جدار بناية تعرضت لأضرار جزئية، وكان يفترض أن يوفر المكان لها ولعائلتها قدرًا من الحماية، لكنه تحول إلى مصدر دائم للقلق، خصوصًا مع الخوف من انهيار الجدران المتصدعة أو سقوط أجزاء منها.
تقول أم إبراهيم إن العائلة لم تجد خيارًا آخر، رغم إدراكها خطورة المكان: "لا توجد أي مقومات للحياة هنا، لكن الخوف الحقيقي بات يلاحقنا منذ أن سمعنا بانهيار المباني على رؤوس ساكنيها، نعيش في ترقب مستمر لأي حركة في الجدران المتصدعة".
ولا يقتصر القلق على احتمال انهيار الجدار، فوجود الخيمة في محيط مبنى متضرر يعني أن أفراد العائلة يعيشون يوميًا في مساحة تجمع بين هشاشة المأوى وخطر المنشأة المحيطة بها.
وعلى بُعد مسافة قصيرة، اختار أبو عبدالله أحمد البقاء مع عائلته داخل بناية متضررة، بعد نزوحهم من مخيم جباليا، ولم يكن القرار نابعًا من الاطمئنان إلى سلامة المبنى، بل من صعوبة العثور على مأوى مناسب.
يقول: "الأمر مرعب جدًا ولا أعرف كيف أصفه، الموت محيط بنا من كل اتجاه، ولكن ما باليد حيلة. لم أجد لعائلتي مكانًا آخر بعد النزوح، فالمخيمات مكتظة بالكامل ولا نعلم إلى أين نذهب".
ولا يقتصر الخطر داخل المبنى على احتمال سقوط أجزاء منه، إذ تواجه العائلة ظروفًا معيشية قاسية أيضًا.
ويتحدث أبو عبدالله عن انتشار الفئران والحشرات في المكان، إلى جانب تساقط أجزاء من السقف وحجارته بين حين وآخر.
وبذلك، يجد أفراد الأسرة أنفسهم أمام مأوى يوفر سقفًا فوق رؤوسهم، لكنه لا يمنحهم الشعور بالأمان. فكل صوت يصدر عن الجدران أو السقف قد يعيد إلى أذهانهم احتمال انهيار المبنى.
تعيش سارة اليازجي مع والديها وإخوتها في شقة سكنية متضرر بنسبة 70% .
تقول مع وجود أطفال في الأسرة، يتحول الخطر إلى هاجس يومي، خصوصًا عندما يقتربون من الجدران المتضررة.
وتضيف سارة: "بينما يلعب إخوتي الصغار قرب الجدار المتضرر، يتملكني الخوف خشية انهياره فجأة عليهم. ظروف السكن بطبيعة الحال صعبة جدًا، وهناك خطر حقيقي من سقوط أجزاء من المبنى، لكن وجود سقف من الباطون يظل في نظرنا أهون من الخيام".
وترى سارة أن البقاء داخل المبنى يظل، بالنسبة إلى عائلتها، أقل قسوة من ظروف الخيام التي لا توفر حماية كافية. وهكذا تتحول المقارنة بين نوعين من المأوى إلى جزء من الحياة اليومية.
وتلخص سارة حالة القلق التي تعيشها الأسرة بسؤال يتكرر في ظل هذه الظروف: "إلى متى سيبقى هذا الحال؟".
ولا تقتصر مخاطر المباني المتصدعة على العائلات المقيمة داخلها، بل تمتد إلى المارة والسكان في محيطها، خصوصًا مع استمرار وجود منشآت متضررة مأهولة بالسكان رغم خطورة وضعها الإنشائي.
وقال المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة، محمود بصل، لوسائل الإعلام، إن نحو 2000 مبنى مأهول بالسكان مصنف حاليًا ضمن المنشآت المهددة بالانهيار الفوري، نتيجة الأضرار الهيكلية الجسيمة التي لحقت بها.
وفي السياق نفسه، تشير تقديرات وزارة الأشغال العامة والإسكان إلى وجود نحو 3000 مبنى مأهول آخر يعاني من تصدعات وأضرار متفاوتة، ما يجعله غير صالح للسكن الآمن ويعرض قاطنيه لمخاطر إضافية.
وتعكس هذه الأرقام حجم المشكلة التي تواجهها العائلات التي فقدت مساكنها أو اضطرت إلى مغادرتها. فالمباني المتضررة لم تعد مجرد آثار للدمار، بل تحولت في بعض المناطق إلى أماكن للسكن، في ظل الاكتظاظ في أماكن النزوح في قطاع غزة.
وبين خيمة لا توفر الحماية الكافية ومبنى متصدع قد لا يصمد أمام المزيد من الأضرار، تعيش عائلات غزة تحت ضغط ظروف سكنية قاسية، بينما يظل تأمين مأوى آمن تحديًا يوميًا يتجاوز قدرة هذه العائلات وحدها على حله.
