قائمة الموقع

رد على مقال "أمريكا الأقوى" - قراءة في وهم القوة وحتمية الأفول

2026-09-20T13:40:00+03:00
فارس رفيق فحماوي - باحث في الفكر السياسي الإسلامي المقارن

طالعت مقال كاتب يحاول عبثاً أن يثبت أن أمريكا هي الأقوى، نكايةً بكل من يرى أن نجم الولايات المتحدة في أفول، فوجدته يقع في نفس الانحرافات الثلاثة التي سقط بها كل من حاد عن السنة الكونية.

إن هذا المقال لا يقرأ أمريكا كسنة كونية، بل يقرأها كوثن.

أولاً: من ناحية ديالكتيك سورة يوسف وسنة التاريخ
كاتب المقال يرى القوة في لحظتها الراهنة - أساطيل وحاملات طائرات - وينسى قانون نفي النفي. القرآن علمنا: حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا. أمريكا اليوم في مرحلة وظن أهلها أنهم قادرون عليها، وهذا بالضبط هو ذروة الغرور قبل السقوط. من يقرأ السنن يعلم أن القوة التي تظن أنها مطلقة هي التي بدأت عدها التنازلي.

ثانياً: علو أمريكا نذير انهيارها - في ميزان الفكر السياسي لسورة يوسف
وهنا بيت القصيد الذي غاب عن الكاتب. في سورة يوسف، العلو بغير استحقاق هو مقدمة السقوط. قال تعالى عن نموذج فرعون: إن فرعون علا في الأرض وكانت نتيجته فأغرقناه.

يوسف نفسه يعلمنا قانون القمة: من حضن الأب إلى الجب، إلى القصر، إلى السجن، ثم إلى التمكين. أمريكا سلكت المسار المعاكس: من تحرر إلى قصر القطب الأوحد. ومن يصل للقصر دون شرط إنه من يتق ويصبر و إني حفيظ عليم، فالقصر يصبح سجنه.

أمريكا اليوم سجينة علوها: سجينة 800 قاعدة عسكرية تستنزفها، وسجينة دولار يفقد ثقة العالم، وسجينة دعمها لمشروع العدو (الإسرائيلي) الصهيوني وأذنابه وأبواقه الذي عراها أخلاقياً بعد طوفان الأقصى. علوها ليس قوة، بل هو استدراج: والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. كلما علت أكثر، حفرت قبرها بيدها، تماماً كما كان كيد إخوة يوسف يمهد لتمكينه.

ثالثاً: من ناحية الفكر الماركسي - البنية التحتية تنهار
الكاتب يقيس القوة بالبنية الفوقية - إعلام هوليوود ودولار - ويتجاهل البنية التحتية التي تآكلت:
- ديون تتجاوز 35 تريليون دولار، أي أن أمريكا تعيش على نهب مستقبلها.
- اقتصاد ريعي مالي لا ينتج، بينما الصين تنتج، وهذا في الماركسية يعني أن من يملك الإنتاج يملك المستقبل.
- مجتمع منقسم طبقياً وعنصرياً بشكل لم يسبق له مثيل، وهذا هو التناقض الداخلي الذي قال عنه ماركس إنه يفجر النظام من داخله.
كيف تكون الأقوى وبنيتك التحتية مثقوبة؟

رابعاً: من ناحية الفكر الماوي - التناقض الرئيسي
ماو يقول: حدد تناقضك الرئيسي. كاتب المقال يظن أن تناقض أمريكا مع الصين أو روسيا هو الرئيسي، بينما تناقضها الرئيسي الحقيقي هو مع سنة العصر نفسها: عصر التحرر وتعدد الأقطاب. أمريكا تريد أن تكون إمبراطورية أحادية في عصر يلفظ الأحادية. هذا هو التناقض الرئيسي. وحلفاؤها أنفسهم بدأوا يتمردون عليها.

الخلاصة:
الكاتب يخلط بين ضخامة الجسد وقوة الروح. الاتحاد السوفيتي كان أضخم ترسانة في 1990 وسقط بعد سنة. فرعون كان يقول أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي فسقط في نفس الأنهار.

أمريكا ليست الأقوى، أمريكا هي الأضخم قبل الانفجار. ونجمها ليس في أفول فحسب، بل هو في مرحلة نفي النفي: الأدوات التي صنعت مجدها - الدولار، الجيش، الإعلام - هي نفسها التي ستصنع سقوطها، تماماً كما كان سجن يوسف هو طريق ملكه.

وتلك الأيام نداولها بين الناس، وهذه هي السنة الكونية التي لن تجد لها تبديلاً، شاء كاتب المقال أم أبى.

 

اخبار ذات صلة