مع انطلاق العام الدراسي في قطاع غزة، لم تعد استعدادات كثير من العائلات تبدأ من المكتبات ومحال الملابس، بل من قوائم الجمعيات ومبادرات توزيع الحقائب والقرطاسية.
فبعد سنوات من الحرب والنزوح وفقدان مصادر الدخل، تحولت الحقيبة والدفاتر والملابس المدرسية من مستلزمات اعتيادية إلى مساعدات تنتظرها آلاف الأسر. وبين إعلانات التسجيل وقوائم المستفيدين ومراكز التوزيع، تبدأ رحلة البحث عن أبسط متطلبات الدراسة.
لكن وسط تعدد الجهات واتساع دائرة المحتاجين، يبرز سؤال أساسي: هل تصل هذه المساعدات إلى الأطفال الأكثر احتياجًا، وكيف يمكن ضمان عدالة توزيعها والحد من تكرار الاستفادة وبقاء أسر أخرى خارج القوائم؟
حقيبة أصبحت عبئًا
لم يعد شراء المستلزمات المدرسية تفصيلًا بسيطًا في ميزانية الأسرة الغزية، بعدما دفعت الظروف الاقتصادية الصعبة وفقدان مصادر الدخل كثيرًا من العائلات إلى ترتيب احتياجاتها وفق الأولويات الأكثر إلحاحًا، وفي مقدمتها الغذاء والمياه والسكن.
يقول محمود أبو عودة، وهو أب لأربعة أطفال ونازح من شمال قطاع غزة، إن عودة أبنائه إلى الدراسة وضعت الأسرة أمام مصروف جديد يصعب عليها تحمله في الظروف الحالية.
ويضيف: «الأطفال بحاجة إلى حقائب ودفاتر وأقلام وملابس، وعندما تضرب التكلفة في أربعة تصبح فوق قدرتنا. نتابع ما تعلنه الجمعيات ونسأل عن التسجيل، لأن شراء كل هذه المستلزمات أصبح صعبًا بالنسبة إلينا».
ويشير أبو عودة إلى أن الأولوية داخل أسرته تبقى لتوفير الطعام والاحتياجات اليومية، ما يدفعه إلى محاولة الاستفادة مما تبقى من المستلزمات القديمة، وانتظار أي مبادرة يمكن أن توفر لأطفاله ما ينقصهم.
ولا تبدو الحقيبة وحدها هي المشكلة؛ فالدفاتر والأقلام والملابس والأحذية تشكل مجتمعة تكلفة يصعب توفيرها لعائلة تضم أكثر من طالب، لتتحول العودة إلى المدرسة من موسم اعتادت فيه الأسر شراء احتياجات أطفالها إلى رحلة للبحث عمن يستطيع المساعدة في توفيرها.
بين التسجيل والانتظار.. من يحصل على المساعدة؟
أمام هذا الواقع، أصبحت الجمعيات والمؤسسات الإنسانية أحد المسارات الرئيسية التي تلجأ إليها الأسر لتوفير المستلزمات التعليمية.
وتوالت بالتزامن مع بداية العام الدراسي مبادرات توزيع الحقائب والقرطاسية في مناطق مختلفة من القطاع، في محاولة لتخفيف الأعباء عن الأسر وتمكين الأطفال من مواصلة تعليمهم.
وتشير بيانات إنسانية منشورة قبيل انطلاق العام الدراسي إلى تسلّم 22 شريكًا في قطاع التعليم يديرون 359 مساحة تعليمية مؤقتة أكثر من 155 ألف حقيبة مدرسية، إلى جانب مستلزمات تعليمية أخرى، في مؤشر على حجم التدخلات المخصصة لدعم الأطفال.
لكن خلف أرقام التوزيع تبدأ قصة أخرى بالنسبة إلى بعض العائلات: أين نسجل؟ وكيف تُختار الأسماء؟ ومن له الأولوية؟
تقول سمر النجار، وهي أم لثلاثة طلبة من خان يونس، إن المشكلة بالنسبة إلى أسرتها لا تتوقف عند صعوبة شراء المستلزمات، وإنما تمتد إلى رحلة البحث عن الجهات التي يمكن التسجيل لديها.
وتوضح: «نسمع أن جمعية وزعت حقائب في منطقة، وأخرى وزعت قرطاسية في منطقة ثانية، لكن لا توجد جهة واحدة نعرف من خلالها أين نسجل أبناءنا. أحيانًا نعرف عن التوزيع بعد انتهائه، وأحيانًا نسجل ولا نعرف ماذا حدث للأسماء».
وتقول إن ما تبحث عنه الأسرة ليس ضمان الحصول على مساعدة من كل مؤسسة، وإنما وجود طريقة واضحة تستطيع من خلالها معرفة الجهات التي تستهدف منطقتها وما إذا كان أطفالها مشمولين بالمساعدة.
وبينما تتحدث أسر عن بقائها خارج عمليات التوزيع، تتردد في المقابل ملاحظات حول إمكانية استفادة بعض العائلات من أكثر من مبادرة، لكن عدم توفر بيانات علنية شاملة عن المستفيدين يجعل من الصعب تحديد حجم هذه الحالات أو التعامل معها باعتبارها ظاهرة عامة.
كيف تُوزع الحقائب؟
تعمل جهات متعددة على تقديم المساعدات التعليمية في قطاع غزة، من مؤسسات دولية ومحلية وجهات رسمية إلى مبادرات مجتمعية، ولكل منها مناطق تدخل وفئات مستهدفة وآليات مختلفة في اختيار المستفيدين.
وتعطي بعض البرامج الأولوية للأسر الأكثر هشاشة، بما يشمل النازحين والأيتام والأسر الكبيرة والأسر التي فقدت مصادر دخلها والأطفال ذوي الإعاقة، فيما تعتمد تدخلات أخرى على المدارس أو نقاط التعليم والمناطق التي تعمل فيها المؤسسة.
وتشير بيانات رسمية إلى تنفيذ تدخلات تستهدف آلاف الطلبة بالقرطاسية والمستلزمات التعليمية، مع الاعتماد على بيانات الأسر والفئات الأكثر هشاشة في توجيه جزء من هذه المساعدات.
لكن تعدد الجهات يطرح سؤالًا لا تجيب عنه أعداد الحقائب وحدها: هل توجد صورة مشتركة توضح من حصل على المساعدة ومن لم يحصل عليها؟
فإذا كانت كل مؤسسة تعتمد قوائمها وآلياتها الخاصة، تصبح معرفة ما إذا كان الطفل قد استفاد من الجهة نفسها أو من جهة أخرى أكثر تعقيدًا، كما تصبح عملية تحديد المناطق والأسر التي لم تصل إليها المساعدة تحديًا إضافيًا.
ولا تتوافر بيانات منشورة كافية تحدد حجم تكرار الاستفادة من المساعدات التعليمية أو عدد الأطفال الذين لم يحصلوا على دعم، ولذلك يبقى من الصعب قياس حجم الفجوة بصورة دقيقة.
عدالة في التوزيع
وبين تعدد المبادرات واتساع أعداد الأسر المحتاجة، تبرز عدالة التوزيع بوصفها أحد أهم التحديات أمام المساعدات المدرسية. فالمشكلة لا ترتبط فقط بعدد الحقائب والطرود التي يجري توزيعها، وإنما بقدرة الجهات المختلفة على الوصول إلى الأطفال الذين لم يستفيدوا سابقًا، والحد من تكرار المساعدة ذاتها لأسر مقابل بقاء أخرى خارج القوائم.
ومن خلال تتبع برامج المساعدات والنقاشات التي يطرحها عاملون ومهتمون بالشأن الإغاثي، تبدو الحاجة واضحة إلى تنسيق أكبر بين المؤسسات وتحديث مستمر لبيانات المستفيدين، مع مراعاة عدد الأطفال داخل الأسرة وتغير أماكن إقامة النازحين، ووضع معايير واضحة للأولوية.
ولا تعني العدالة منع الأسرة من الاستفادة من أكثر من نوع من المساعدات؛ فقد تحتاج الأسرة إلى الغذاء والملابس والمستلزمات التعليمية في الوقت نفسه، وإنما المقصود الحد من تكرار المساعدة المدرسية ذاتها لدى المستفيد نفسه، في الوقت الذي يبقى فيه طفل آخر بحاجة إلى حقيبة ودفتر وقلم.
ويمكن للمدارس ونقاط التعليم أن تؤدي دورًا أكبر في تحديد الأطفال الأكثر احتياجًا، باعتبارها الأقرب إلى معرفة الطالب الذي يصل إلى مقعده من دون حقيبة أو قرطاسية، وربط هذه الاحتياجات بالجهات التي تقدم المساعدات.
كما أن وجود آلية أكثر وضوحًا لتسجيل الأسر التي لم تستفد وتحديث بياناتها قد يقلل من اضطرارها إلى الانتقال بين روابط التسجيل وإعلانات الجمعيات المختلفة بحثًا عن فرصة للحصول على المساعدة.
وهنا يتحول السؤال من: كم حقيبة جرى توزيعها؟ إلى سؤال أكثر دلالة: من حصل عليها، ومن بقي خارج القوائم؟
أطفال خارج القوائم
في النهاية، تختصر الحقيبة المدرسية جانبًا من التحول الذي فرضته الحرب على حياة أطفال غزة؛ فما كان شراءً اعتياديًا يسبق اليوم الأول من المدرسة أصبح بالنسبة إلى كثير من الأسر مساعدة تنتظرها، وإعلانًا تتابعه، واسمًا تبحث عنه في قائمة.
وبين طفل وصل إلى مقعده بحقيبته ودفاتره، وآخر أعاد استخدام ما تبقى لديه، وثالث لا تزال أسرته تبحث عن جهة توفر له احتياجاته، يصبح التحدي أبعد من عدد الحقائب التي دخلت مخازن المؤسسات أو وُزعت في مراكز التعليم.
فالنجاح الحقيقي لأي حملة لا يقاس فقط بعدد ما جرى توزيعه، وإنما بقدرتها على الوصول إلى الأطفال الأكثر احتياجًا وتقليص الفجوة بين الأسر، حتى لا تتحول رحلة الطفل إلى المدرسة إلى رحلة أخرى تخوضها أسرته بين قوائم الجمعيات بحثًا عن حقيبة ودفتر وقلم.