قائمة الموقع

شادي البرعاوي.. ساقٌ واحدة وماكينة حلاقة في مواجهة البتر والفقد والنزوح

2026-09-22T14:18:00+03:00
شمس نيوز - خاص

بمقص وماكينة حلاقة، يحاول "شادي البرعاوي" أن يستعيد شيئاً من حياته التي تبدلت بعد إصابة أفقدته ساقه اليمنى، فيجلس داخل خيمته بمدينة غزة، ويستقبل زبائنه في صالون صغير لم يعد يشبه ذلك الذي كان يملكه في حي الشيخ رضوان شمالي القطاع.

يمسك ماكينة الحلاقة بيده، وينحني قليلاً أثناء عمله، محاولاً التأقلم مع جسد لم يعد كما كان، بعدما بُترت ساقه اليمنى فوق الركبة إثر إصابته بشظايا قصف إسرائيلي استهدف منزله خلال حرب الإبادة الجماعية التي شنتها "إسرائيل" على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023م.

كان "البرعاوي" حلاقاً يملك مكاناً يعرفه زبائنه، يفتح أبوابه كل يوم ويعود منه إلى أسرته بما يكفي لتدبير شؤونها، قبل أن يتحول الصالون إلى ذكرى، ويتحول هو نفسه من رجل يتحرك على قدميه ويعمل لساعات طويلة إلى أب وشقيق يحاولان التكيف مع ساق واحدة.

بدأت حكاية "شادي" المؤلمة حين أصابته شظايا قصف إسرائيلي وهو داخل منزله؛ لتتغير حياته في لحظات قليلة.

ونُقل بعدها إلى المستشفى لتلقي العلاج، وخضع لعدة عمليات، لكن الأطباء لم يتمكنوا من إنقاذ ساقه اليمنى، ليجد نفسه أمام قرار لم يكن يتخيل يوماً أن يواجهه، وهو بتر ساقه فوق الركبة.

يستعيد "البرعاوي" تلك الأيام، فيما لا تزال تفاصيلها حاضرة في حياته اليومية، فيقول إن الإصابة لم تأخذ منه ساقه فقط، وإنما جعلت كل شيء أصعب، الحركة، والعمل، والتنقل، وحتى القيام بالتفاصيل البسيطة التي كان يفعلها دون أن يفكر فيها.

بعد خروجه من رحلة العلاج، لم يجد "شادي" صالونه الذي اعتاد أن يعمل فيه، كما لم يجد حياة مستقرة يعود إليها، فقد نزح مع عائلته، واستقر في مخيم المقوسة بمدينة غزة، وهناك بدأ يفكر في الطريقة التي يمكنه بها أن يعمل من جديد.

وبعد نزوحه، ظل يبحث عن مكان يستطيع أن يعود فيه إلى مهنته، لكن ظروفه وإصابته لم تتركا له خيارات كثيرة، فلم يجد أمامه سوى خيمته.

هناك، في المساحة الصغيرة التي يعيش فيها مع أسرته، رتب أدوات الحلاقة إلى جواره، وَحَوَّلَ جزءاً من خيمته إلى صالون صغير، عَلَّه يجد في مهنته القديمة وسيلة تساعده على تأمين قوت أسرته.

ومنذ استشهاد والده في بداية حرب الإبادة، لم تعد مسؤولية شادي تقتصر على أسرته المكونة من ستة أفراد، بل أصبح أيضاً المعيل الوحيد لخمس شقيقات.

يقول: "الدخل من الحلاقة قليل، وأحياناً أظل أعمل طوال اليوم، وفي النهاية ما أكسبه لا يكفي حتى احتياجات البيت الأساسية، لكن لا أستطيع أن أتوقف عن العمل، فأنا لدي أسرة وأطفال وشقيقات، وكلهم ينتظرون مني أن أوفر لهم ما أستطيع".

ويضيف: "المسؤولية لم تكن سهلة، خصوصاً بعد فقدان ساقي ونزوحي وتدمير مكان رزقي، لكنني لم أكن أملك خياراً آخر، فلا أستطيع أن أجلس في الخيمة بينما لديَّ أُسرة وأخوات يعتمدن عليَّ، لذلك أعمل بما أستطيع".

وهكذا، يمضي "البرعاوي" معظم يومه داخل الخيمة؛ يجلس لساعات أمام زبائنه، ثم يعود إلى فراشه ليستريح حين يتعب جسده، قبل أن ينهض من جديد عندما يأتي زبون آخر.

لمتابعة آخر المستجدات الميدانية والسياسية للحرب على غزة اشترك بقناة شمس نيوز على منصة تيلجرام

ويشير إلى أن العمل يساعده على تجاوز التفكير في ساقه التي فقدها والصالون الذي تركه، فحين ينشغل بالحلاقة لا يفكر كثيراً بما حدث، وإنما يركز على الزبون الذي أمامه وعلى ما سيعود به إلى أسرته في نهاية اليوم.

ويعترف "البرعاوي" بأن الأيام الأولى بعد البتر كانت قاسية عليه، وأنه مَرَّ بحالة من اليأس ولم يكن من السهل عليه أن يتقبل شكله وحياته الجديدة، لكنه لم يستسلم، ومنذ ذلك الوقت، يحاول أن يتأقلم مع واقعه الجديد؛ حيث يتعلم كيف يتحرك، وكيف يجلس للعمل، وكيف يقضي يومه دون أن يرهق جسده أكثر مما يحتمله.

وبينما يحاول التأقلم مع فقدان ساقه وظروف النزوح، تبقى الحلاقة بالنسبة إليه مصدر الدخل الوحيد الذي يستطيع من خلاله إعالة أسرته وشقيقاته الخمس، في وقت تتواصل فيه معاناة آلاف مبتوري الأطراف في قطاع غزة مع العلاج والتأهيل والحصول على الأطراف الصناعية.

وأعلنت وزارة الصحة تسجيل أكثر من 6 آلاف حالة بتر منذ بدء الحرب، في وقت تتزايد فيه احتياجات المصابين إلى خدمات التأهيل والأطراف الصناعية، وسط صعوبات كبيرة تواجه المراكز المتخصصة.

ويقول مسؤول الإعلام والعلاقات العامة في مركز الأطراف الصناعية والشلل في غزة حسني مهنا، إن الأطفال يشكلون نحو 25% من المستفيدين من خدمات المركز، ما يتطلب برامج تأهيل خاصة وأطرافاً صناعية قابلة للتكيف مع احتياجاتهم ومراحل نموهم.

وتعرقل القيود المفروضة على إدخال المواد والمستلزمات الطبية والفنية قدرة المركز على التعامل مع الأعداد المتزايدة من حالات البتر، في ظل نقص مواد أساسية تستخدم في تصنيع الأطراف، من بينها الجبس اللازم لمراحل أساسية من عملية التصنيع.

وبحسب بيانات منظمة الصحة العالمية، جرى تقييم حالة 2277 شخصاً من مبتوري الأطراف في غزة بين سبتمبر/أيلول 2024 ومايو/أيار 2026، بينهم 18% من الأطفال، فيما بلغت نسبة حالات البتر في الأطراف السفلية 76%.

اخبار ذات صلة