كتب: وسام أبو شمالة - كاتب ومحلل سياسي فلسطيني
من المقرر عقد لقاء قمة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقادة دول الخليج (السعودية، الإمارات، قطر، الكويت، البحرين، وعمان) الثلاثاء 22 سبتمبر /أيلول في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقد يتوسع اللقاء ليضم تركيا ومصر والأردن، وبناء على نتائج الاجتماع سيتضح بشكل أكبر مصير الحرب في المنطقة، لا سيما بعد التهديدات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، واتساع دائرة الصراع في اليمن وسيطرة جماعة أنصار الله على مضيق باب المندب، والقصف المتبادل بين الأخيرة والسعودية.
قرار ترامب الكبير!
في مقابلة مع موقع أكسيوس الأميركي، قال ترامب: "أمامي قرار كبير. هل أريد أن أدخل وأسحقهم أم لا؟ أي شيء قد يحدث معي"، وعلى الرغم من أن هذا النوع من التصريحات تكررت في سياقات مختلفة كتهديده بتدمير الحضارة الإيرانية، بيد أن التصريح الأخير يبدو منسقاً مع خطوات متعددة، تسبق اللقاء المزمع عقده في نيويورك؛ فبعد تصريحاته، قطع ترامب اجازته في كامب ديفيد وعاد إلى البيت الأبيض قبل موعده بـ 24 ساعة، وصدر عن موقع اكسيوس القريب من دوائر الاستخبارات الأميركية تقدير يرجح القرب من "نقطة قرار" بشأن الحرب، ما يوحي بأن المؤسسة الأميركية تريد إيصال رسالة تحذير للقيادة الإيرانية بجدية تصريحات ترامب هذه المرة وأنها ليست تكرار لتهديدات سابقة لم تنفذ، وعلى الإيرانيين أخذها على محمل الجد.
وفي نفس السياق، وحتى تضفي الإدارة الأميركية مصداقية على تصريحات رئيسها، صدر تحذير وصف بأنه غير عادي عن الخارجية الأميركية وسفاراتها في السعودية، والعراق، والكويت، وتركيا يفيد ب "احتمال حدوث تصعيد غير متوقع"، ومن جانبه اختصر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو زيارته التي كان مقرر اً أن تشمل مقابلة الملياردير الأميركي ايلون ماسك، في مدينة تكساس ثم يتوجه إلى نيويورك ، بيد أن الزيارة اختصرت بإلقاء الخطاب فقط في الجمعية العامة للأمم المتحدة والعودة بعده مباشرة إلى "إسرائيل".
وبعد أن ضجت وسائل الإعلام العالمية بالتحليلات في أعقاب تصريح ترامب وما تلاه من أحداث، عاد الأخير للمربع الذي يجيده ، مربع التناقضات، وفتح الباب مجدداً للتفاوض مع إيران ولكن من بوابة التهديد، وصرح لفوكس نيوز بأن "الخيارات: محو إيران، او تركها تتعفن اقتصادياً، او صفقة"، وفي تصريح آخر منفصل أشار بأن هذا الأسبوع لا يختلف عن غيره بالشرق الأوسط رغم تحذيرات أصدرت لمواطنينا في أنحاء المنطقة!
من التوتر إلى الرسائل الدبلوماسية مروراً بالجمود:
قبل تصريحات ترامب الأخيرة سادت حالة من الجمود في المواجهة بين أمريكا وإيران خلال شهري أغسطس /آب الماضي وسبتمبر/أيلول الجاري ؛ فلا هي حرب شاملة ولا هي وقف لإطلاق النار، سبقهما حالة من التوتر في شهر يوليو/تموز ، بعد أن أعلنت الولايات المتحدة عن تشديد الحصار البحري على إيران ، وعلى أثره قامت القوات الإيرانية بشنّ هجمات على السفن أثناء عبورها المسار الذي سعت الولايات المتحدة لفرضه عبر مضيق ملقا على طول الساحل العماني، بهدف تجاوز السيطرة الإيرانية على المضيق، وفي 7 يوليو/تموز، أعلن ترامب انتهاء الهدنة، وخلال الأسبوع التالي، شنت القوات الأمريكية أكثر من 300 غارة على نحو 140 هدفًا في إيران، وأعادت القوات الأمريكية فرض حصارها على السفن العابرة للموانئ الإيرانية.
وعلى أثر استئناف الهجمات الجوية الأميركية، استهدفت الصواريخ والمسيرات الإيرانية المواقع الأميركية في المنطقة، وقُتل جنديان أمريكيان في قاعدة أميريكية في الأردن ، وفي 18 يوليو/تموز، أعلنت إيران تعليق التزاماتها بموجب مذكرة التفاهم. وبعد نحو ثلاثة أسابيع من المواجهات العسكرية بين البلدين، شهدت الأيام الخمسون الأخيرة هدوءاً حذراً باستثناء عدد محدود من الهجمات المتبادلة، واستمرار حالة الحصار البحري على إيران، وسيطرة الأخيرة على حركة تنقل السفن عبر مضيق هرمز.
تخلل حالة الجمود مساعي إيرانية لعقد اتفاق مع سلطنة عمان حول مسارات التنقل في مضيق هرمز ، كان يفترض أن يتوج بلقاء مع قادة دول الخليج، بيد أن اللقاء تأجل وربما ألغي بناء على تدخل أميركي في اللحظات الأخيرة، واستبدل بلقاء الثلاثاء بين ترامب وقادة من دول الخليج، وربما سعت الأخيرة لارسال إشارات دبلوماسية احتجاجية لترامب من خلال اعلانها اللقاء مع القيادة الإيرانية وعزمها التفاهم معها بمنئى عن الولايات المتحدة، بسبب فشل الأخيرة في حماية المصالح الخليجية ، التي تعتبر نفسها الخاسر الأكبر في الحرب الجارية دونما حسم عسكري أو سياسي، الأمر الذي دعى ترمب للعودة لسياسة التهديد والوعيد والعمل على سحب البساط من تحت الدبلوماسية الإيرانية التي تسعى لاقناع قادة المنطقة بحل خلافاتها البينية دون تدخل أميركي، مع تحميل الأخير مسؤولية حالة الفوضى الجارية.
لقاء الثلاثاء، : ما قبله وماذا بعده؟!
قبيل اللقاء بين ترمب وقادة الخليج، باتت الأخيرة أكثر ارتياباً وأقل راحةً تحاه الحليف الأميركي، في ضوء ادراكها أن الحرب ربما لن تحسم في الأمد المنظور، وأن الشك بقدرة الولايات المتحدة على هزيمة إيران يتزايد كلما طالت الحرب، وأن الخذلان الاميركي لدول الخليج يتكرر، لا سيما بعد رفض ترامب الطلب السعودي بتدخل الولايات المتحدة في مواجهة جماعة أنصار الله بعد هجماته المتبادلة مع السعودية ، ما قد يعزز فرضيات تنويع التحالفات وعدم وضع البيض كله في السلة الأميركية، الأمر الذي أدى لإنشاء تحالف مكة بين السعودية وباكستان وتركيا والاعلان عن اتفاقية الدفاع المشترك، بيد أن المواجهة الأخيرة في اليمن تثبت أن الاعلان لم يتعد الاطار النظري كونه يفتقد لأهم عنصر في نجاحه وهو غياب العدو المشترك.
لقد دخلت الولايات المتحدة الحرب على إيران دون تنسيق مع حلفائها في المنطقة باستثناء "اسرائيل"، بينما اكتفت دول الخليج بدفع الفاتورة العالية للحرب، ولا تزل تخشى من مآلاتها، وفي حالة انعدام لليقين حول مصيرها، وما يزيد من تعقيد المشهد وجود رئيس أميركي غير متوقع يفتقد للاستراتيجية ويعتمد على حدسه في اتخاذ قرارات مصيرية، كما أنه لا يحترم حلفاؤه ويتعامل معهم بفوقية ، وحتى أنه لا يكترث بمصيرهم ومصالحهم، الأمر الذي أدى إلى تراجع مستوى الثقة المتبادلة بين الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة وتحديداً دول الخليج النفطية.
في المقابل، فان الجانب الإيراني يبدو أكثر ثقة بنفسه وأكثر قدرة على فهم عدوه وخصومه، ويتعامل مع الموقفين الميداني والدبلوماسي باحترافية عالية، وعلى الرغم من الفجوة الكبيرة في مستويات القوة العسكرية بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، وبين إيران وحلفائها من جهة أخرى، فإن التحالف الإيراني يحظى بمستوى تنسيق وثقة واحترام أعلى من الحلف الأميركي .
فهل قرأ ترامب وفريقه بيئة التحالفات والعلاقات الإقليمية وتراجع القدرة الأميركية وخطورة تداعياتها الاستراتيجية على الولايات المتحدة كقوة عظمى؟ الأمر الذي دفعهم للعمل على ترميم الحالة الأميركية الحالية بدءاً بترتيب العلاقات مع الحلفاء بهدف استعادة الثقة من جهة، والانفاق على مسارات العمل في المرحلة المقبلة من جهة أخرى، بحيث تكون دول المنطقة شريكة في صياغة التصور وتحمل التكاليف والالتزامات، سواء كان المسار سيتجه نحو التصعيد الشامل أو الاتفاق الكامل، وعليه وفي حال كانت هذه هي المقاربة الأميركية لقراءة بيئة الصراع الحالي، فإن لقاء الثلاثاء سيحدد طبيعة وشكل المواجهة/العلاقة مع إيران وحلفائها بصورة تشاركية في اتخاذ القرار والموقف في اليوم التالي للقاء.
أما إن كان ترامب لم يزل لا يأبه بحلفائه ولا يعيرهم اهتماماً كافياً ولا ينظر إلى الصراع الحالي إلا من زاوية المصلحة الأميركية وأن الحلفاء دورهم يقتصر على دفع الفواتير والامتثال للتوجهات الأميركية ، فإن اللقاء سيقتصر على التمهيد للقرار الأميركي الذي قد يكون اتخذ بالفعل، وتحديد ما هو مطلوب عمله من الحضور في قادم الأيام، سواء دبلوماسياً عبر ممارسة الضغوط القصوى ونقل التحذيرات للقيادة الإيرانية، أو اقتصادياً عبر المساهمة في دفع تكاليف الحرب، أو التحمل والانتظار لما بعد الانتخابات النصفية، والتحذير بعدم اتخاذ خطوات أحادية تجاه إيران كعقد تفاهمات معها دون التنسيق مع الإدارة الاميركية، أم أن ترامب يعشق استراتيجيات الخداع والتضليل ، وسيفاجئ الجميع بعدوان واسع على إيران وربما يتزامن مع هجمات على اليمن .. ربما ؛ فقرار ترامب قريب إلى صدره وهو يحب السلوك الهوليودي ومتأثر من أفلام الأكشن الأميريكية.
القراءة الموضوعية لتصريحات ترامب ولقاء الثلاثاء تدفع ،من جهة، باتجاه مساعي واشنطن الرامية لترتيب البيت الداخلي لحلفاء الولايات المتحدة ، وتوزيع المسؤوليات والأدوار، وتنسيق المواقف والسياسات، ومن جهة أخرى، التلويح بالحرب الكبيرة والتهديد بالمواجهة الشاملة بهدف رفع مستوى الضغط على القيادة الإيرانية قبل الانتخابات النصفية في 3 نوفمبر، ودفعها للتراجع عن شروطها والعودة لطاولة التفاوض، ما سيؤدي إلى تراجع أسعار النفط، على الأقل حتى انتهاء الانتخابات المقبلة وبعدها يقرر كيفية التعامل مع الملف الإيراني في ضوء نتائج الانتخابات النصفية، وقد تكون ضربات واسعة على البنية التحتية الإيرانية، بيد أن القراءة التي تنطلق من فهم سيكلوجية اتخاذ القرار لدى القائد، تضع مزيد من علامات الاستفهام، على القراءات الموضوعية، ولا يمكن استبعاد سيناريو الخداع، وقد يفاجئ ترامب الجميع بهجوم كبير على إيران، قبل الانتخابات النصفية، انطلاقاً من تقديرات استثنائية من عدد محدود من مقربيه، ترجح أن النظام الإيراني يترنح وسيسقط إذا ما تعرض لهجوم شامل، الأمر الذي سيسهم في تعزيز فرص فوز الجمهوريين في الانتخابات النصفية المقبلة.