لم يعد الهاتف المحمول في قطاع غزة وسيلة للاتصال والترفيه فقط، بل تحوّل إلى أداة لإجراء المدفوعات وتحويل الأموال والحصول على الخدمات اليومية، في ظل تضرر البنية المصرفية وتراجع قدرة المواطنين على الوصول إلى النقد بسبب الحرب الإسرائيلية على القطاع.
ومع تحوّل أزمة السيولة إلى أحد أبرز التحديات التي تواجه الحياة الاقتصادية، برزت المحافظ الإلكترونية، وفي مقدمتها محفظة «جوال بي»، كإحدى الأدوات التي ساعدت على استمرار جزء من الدورة المالية بعيداً عن الحاجة إلى الأوراق النقدية. ولم تعد أهمية المحفظة مرتبطة فقط بإرسال الأموال بين الأفراد، بل بقدرتها على إبقاء القيمة المالية متداولة بين المستهلك والتاجر والمورد ومقدم الخدمة داخل دورة اقتصادية رقمية.
مليونا محفظة إلكترونية في فلسطين
كشفت بيانات حديثة صادرة عن سلطة النقد الفلسطينية أن عدد المحافظ الإلكترونية في فلسطين ارتفع من نحو 1.6 مليون محفظة عام 2025 إلى نحو مليوني محفظة في منتصف عام 2026، من بينها نحو 560 ألف محفظة تعود لأشخاص لا يمتلكون حسابات مصرفية.
وبالتوازي، ارتفعت نسبة الشمول المالي في فلسطين إلى 73 في المئة في منتصف عام 2026، مقارنة مع 64 في المئة عام 2025، وتوضح هذه الأرقام أن الخدمات المالية الإلكترونية لم تعد خدمة مكمّلة، بل أصبحت قناة رئيسة للوصول إلى شرائح كانت خارج النظام المصرفي التقليدي، ولا سيما في ظل الظروف الاقتصادية والإنسانية الاستثنائية.
وتبدو أهمية هذا التحول أكبر عند النظر إلى قطاع غزة. فوفق بيانات سلطة النقد الواردة في تقرير الاستقرار المالي، نُفذت نحو 2.1 مليون عملية عبر المحافظ الإلكترونية خلال عام 2024، بقيمة إجمالية تجاوزت 405.9 مليون دولار. واستحوذ القطاع على نحو 57 في المئة من عدد العمليات و44 في المئة من قيمتها، بما يعكس تصاعد دور المحافظ عندما تراجعت قدرة النظام المالي التقليدي على العمل بصورة طبيعية.
من أزمة النقد إلى اقتصاد الهاتف
لا تعني أزمة السيولة في غزة نقص الأوراق النقدية فقط، وإنما تشمل صعوبة الحصول على الفئات الصغيرة اللازمة للمعاملات اليومية، وتلف جزء من الأوراق المتداولة، وارتفاع الوقت والكلفة اللازمين للوصول إلى النقد، إضافة إلى تراجع قدرة بعض المؤسسات المصرفية ونقاط الصرف على تقديم خدماتها بالصورة المعتادة.
في المقابل، تسمح المحفظة الإلكترونية بنقل القيمة المالية من طرف إلى آخر من دون انتقال النقود فعلياً. ويستطيع المستخدم عبر «جوال بي» تحويل الأموال أو دفع ثمن سلعة أو خدمة من هاتفه، فيما يتلقى الطرف الآخر القيمة إلكترونياً ويستطيع استخدامها في معاملة تالية أو سحبها عبر القنوات المتاحة.
ولا تحل المحفظة أزمة السيولة بصورة كاملة، لأن المستخدم قد يحتاج في النهاية إلى النقد، لكنها تقلل الحاجة إلى تداوله كلما اتسعت دائرة الجهات التي تقبل الدفع الإلكتروني. فالقيمة الاقتصادية الحقيقية للمحفظة تظهر عندما تنتقل الأموال من المستهلك إلى تاجر التجزئة، ثم إلى تاجر الجملة أو المورد، ثم إلى عامل أو مقدم خدمة، من دون أن تخرج من المنظومة الرقمية في كل مرحلة.
التاجر حلقة أساسية في الدورة الرقمية
يمثل أصحاب المنشآت الفردية وتجار التجزئة والجملة الحلقة الأهم في تحويل المحفظة من أداة للتحويل بين الأفراد إلى وسيلة دفع يومية. فالمواطن قد يتلقى أمواله إلكترونياً، لكن استفادته منها تظل محدودة إذا لم يجد متجراً أو صيدلية أو سائقاً أو مزود خدمة يقبل الدفع بالمحفظة، وبالنسبة إلى صاحب المنشأة الفردية، يتيح استقبال المدفوعات إلكترونياً تحصيل قيمة المبيعات بسرعة وتقليل الحاجة إلى حفظ النقد في موقع العمل أو نقله، كما يساعده على تسديد جزء من التزاماته للموردين والعمال رقمياً. أما تاجر الجملة، فتنبع أهميته من موقعه في سلسلة التوريد؛ فاستخدامه للمحفظة يسمح لتاجر التجزئة باستخدام حصيلة مبيعاته الإلكترونية في شراء بضاعة جديدة، بدلاً من سحبها نقداً وإعادة إدخالها إلى السوق.
كلما توسع استخدام المحافظ بين التجار والموردين، طالت الدورة المالية التي تستطيع الأموال أن تقطعها داخل الاقتصاد قبل الحاجة إلى السحب النقدي. وبذلك لا يكون التاجر مجرد متلقٍ للدفع، بل شريكاً في تخفيف الضغط على السيولة والحفاظ على حركة السوق.
المواصلات أحد أبرز الاختبارات
كان قطاع المواصلات من أكثر القطاعات التي كشفت أهمية الدفع الإلكتروني في الحياة اليومية في غزة. فالراكب يحتاج إلى دفع أجرة الرحلة، والسائق يجمع أجور عشرات الركاب يومياً، وفي اقتصاد يعاني نقص الفئات الصغيرة يمكن أن تتحول عملية دفع بسيطة إلى مشكلة متكررة.
عند الدفع إلكترونياً، تنتقل قيمة الأجرة مباشرة إلى محفظة السائق، من دون حاجة الراكب إلى حمل النقود أو بحث السائق عن فئات صغيرة لإعادة الباقي. وإذا استطاع السائق استخدام الرصيد نفسه لشراء الوقود أو الصيانة أو حاجات أسرته، تبقى القيمة داخل الدورة الاقتصادية بدلاً من العودة مباشرة إلى السحب النقدي.
ويكتسب هذا الاستخدام أهمية إضافية في ظل تطور البنية التحتية للدفع الفوري في فلسطين؛ إذ يتيح نظام iBURAQ، الذي تشرف عليه سلطة النقد الفلسطينية، تنفيذ التحويلات والمدفوعات اللحظية بين الحسابات المصرفية والمحافظ الإلكترونية على مدار الساعة، إلى جانب دعم الدفع باستخدام رمز الاستجابة السريعة QR .
بالنسبة إلى المواطن الغزي، تكمن إحدى أهم فوائد الدفع الإلكتروني في اختصار رحلة البحث عن النقد والفئات الصغيرة. ويقول مواطن يعتمد على المحافظ في معاملاته اليومية، وفضّل عدم نشر اسمه : "في كثير من الأحيان لا تكون المشكلة في وجود المال، بل في الحصول عليه نقداً وبالفئات التي نحتاجها. عندما أستطيع دفع أجرة المواصلات أو شراء حاجتي من خلال المحفظة، تصبح العملية أسهل بكثير".
وتقول مواطنة أخرى، فضّلت أيضاً عدم ذكر اسمها، إن المحفظة أصبحت جزءاً من معاملاتها اليومية، خصوصاً في تحويل الأموال ودفع بعض الاحتياجات، معتبرة أنها توفر بديلاً عملياً في وقت أصبحت فيه السيولة مشكلة متكررة.
لكن هذا الاستخدام يظل مرتبطاً باستقرار شبكات الاتصالات وتوفر مصادر لشحن الهواتف، إضافة إلى وجود عدد كافٍ من التجار والسائقين ومقدمي الخدمات القادرين على استقبال المدفوعات الإلكترونية.
شبكة وكلاء ونقاط بيع جوال بي
تؤدي شبكة وكلاء «جوال بي» ونقاط البيع والتجار المنضمين إلى الخدمة دوراً محورياً في ربط المعاملات الرقمية بالاحتياجات الفعلية للمستخدمين. فالوكيل يسهّل خدمات الإيداع والسحب والتحويل وغيرها من الخدمات المتاحة، بينما تتيح نقاط البيع والتجار للمستخدم إنفاق رصيده مباشرة مقابل السلع والخدمات.
وتنبع أهمية انتشار هذه الشبكة جغرافياً من أن المستخدم يحتاج إلى نقطة خدمة قريبة في المناطق التي يصعب فيها الوصول إلى الفروع المصرفية. كما أن تنوع النقاط بين متاجر وصيدليات ومقدمي خدمات ومرافق نقل يحدد مدى قدرة المحفظة على التحول إلى وسيلة دفع يومية، بدلاً من بقائها قناة لاستلام الأموال ثم سحبها.
ويعرض الموقع الإلكتروني لـجوال باي دليلاً لشبكة الوكلاء والتجار، بما يساعد المستخدمين على الوصول إلى نقاط الخدمة والاستفادة من خدمات الإيداع والسحب والدفع الإلكتروني وفق الإمكانات المتاحة. وتؤدي هذه الشبكة دوراً أساسياً في ربط المحفظة الإلكترونية بالاحتياجات اليومية للمستخدمين، وتعزيز انتشار الخدمات المالية الرقمية في مختلف المناطق، بما فيها قطاع غزة.
الأمان وتقليل مخاطر حمل النقد
لا تقتصر فائدة المحفظة على سهولة الدفع، بل تشمل تقليل مخاطر حمل مبالغ نقدية أو الاحتفاظ بها في المنزل أو موقع العمل، وما يرتبط بذلك من احتمال الضياع أو السرقة أو التلف. ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة للتجار والسائقين الذين يجرون عدداً كبيراً من المعاملات اليومية.
كما تخلق المعاملة الإلكترونية سجلاً يمكن للمستخدم الرجوع إليه لمتابعة التحويلات والمدفوعات. وفي المقابل، يتطلب الاستخدام الآمن حماية الهاتف والرقم السري، وعدم مشاركة رمز التحقق مع أي شخص، والتأكد من هوية الطرف المستلم قبل إتمام العملية، والإبلاغ فوراً عند فقدان الهاتف أو الاشتباه بأي نشاط غير معتاد.
وتبقى الثقة بالخدمة مرتبطة بوضوح إجراءات الحماية والاستجابة للشكاوى واستمرارية النظام. لذلك ينبغي أن يترافق التوسع في الاستخدام مع توعية مستمرة للمواطنين والتجار بأساليب الاحتيال الرقمي وطرق حماية الحساب.
الأرقام تكشف تحولاً لم يكتمل
تشير بيانات عام 2024 إلى أن عمليات السحب النقدي شكّلت نحو 43 في المئة من قيمة عمليات المحافظ، تلتها تغذية المحافظ بنسبة 26 في المئة، والتحويلات بين المحافظ بنحو 21 في المئة، فيما شكّلت عمليات الشراء وتسديد الفواتير والأقساط قرابة 10 في المئة من القيمة الإجمالية، على الرغم من أنها مثّلت نحو نصف عدد العمليات.
وتكشف هذه المؤشرات مفارقة مهمة: استخدام المحافظ يتوسع، لكن جزءاً كبيراً من القيمة ما زال مرتبطاً بالسحب والتغذية والتحويل، لا بالدفع المباشر مقابل السلع والخدمات. وهذا يعني أن زيادة عدد المحافظ وحدها لا تكفي؛ فالمعيار الأهم هو قدرة المستخدم على إنفاق رصيده لدى قطاعات متعددة من دون الحاجة إلى تحويله إلى نقد.
ماذا تحتاج غزة لتوسيع الدفع الإلكتروني
يتطلب توسيع استخدام المحافظ في غزة شبكة متكاملة من أصحاب المنشآت الفردية وتجار التجزئة والجملة ومقدمي الخدمات والسائقين الذين يقبلون الدفع الإلكتروني، إلى جانب شبكة وكلاء قادرة على تقديم خدمات الإيداع والسحب عند الحاجة.
كما يحتاج الاقتصاد الرقمي إلى اتصالات أكثر استقراراً، ومصادر طاقة قادرة على تشغيل الهواتف ونقاط الخدمة، وأنظمة موثوقة لحماية الحسابات وتسوية المعاملات ومعالجة الشكاوى. ويجب أن تتسم الرسوم والعمولات بالوضوح، وألا تدفع المستخدم أو التاجر إلى العودة إلى النقد بسبب ارتفاع الكلفة أو تعقيد الإجراءات.
ومن المهم أيضاً تدريب التجار، ولا سيما أصحاب المنشآت الصغيرة، على استقبال المدفوعات ومراجعة سجلاتهم وإدارة السيولة الرقمية. فالتوسع الحقيقي لا يقاس بعدد المسجلين فقط، بل بعدد المعاملات اليومية وتنوع القطاعات التي أصبحت المحفظة مقبولة فيها.
من حل للأزمة إلى بنية اقتصادية جديدة
قد تكون أزمة السيولة هي التي دفعت كثيراً من المواطنين في غزة إلى استخدام المحافظ الإلكترونية، لكن استمرار هذا الاستخدام يمكن أن يقود إلى تغيير أعمق في طريقة عمل السوق. فالمحفظة تختصر الوقت، وتقلل مخاطر حمل النقد، وتوفر سجلاً للمعاملات، وتفتح المجال أمام خدمات مرتبطة بالأجور والمساعدات والفواتير والتجارة.
ولا تتعلق المرحلة المقبلة بزيادة عدد المحافظ أو حجم التحويلات فقط، بل بمدى انتشار قبول الدفع الإلكتروني لدى الأنشطة الاقتصادية المختلفة. وهنا يأتي دور «جوال بي» في توسيع شبكة التجار والوكلاء، وتطوير حلول ملائمة لأصحاب المنشآت الفردية وتجار الجملة وقطاعات النقل والخدمات، وتعزيز الثقة والأمان وسهولة الاستخدام.
فعندما يدفع المواطن أجرة المواصلات من هاتفه، ويحصل السائق على مستحقاته إلكترونياً، ثم يستخدم السائق الرصيد لشراء الوقود أو حاجاته من تاجر يقبل المحفظة، ويستخدم التاجر حصيلة مبيعاته لتسديد قيمة البضائع لتاجر الجملة، تبدأ دورة اقتصادية كاملة في العمل من دون تداول ورقة نقدية واحدة.
وهنا تكمن أهمية المحافظ الإلكترونية في غزة، وفي مقدمتها «جوال بي». فهي ليست بديلاً كاملاً عن النقد، لكنها أصبحت وسيلة لتقليل الاعتماد عليه، وتوسيع الوصول إلى الخدمات المالية، والحفاظ على حركة الأموال في اقتصاد يواجه واحدة من أصعب أزمات السيولة في تاريخه.