☰
✕

قائمة الموقع

"محمود صبيح".. فقد يده وعينه في القصف فأعاد بناء حياته من "مقلاة الفلافل"

2026-09-24T14:06:00+03:00
شمس نيوز - خاص

قبل أن يصل أول زبون إلى محل الفلافل، يكون "محمود صبيح" قد قطع شوطاً طويلاً من العمل، بدءاً من طحن حبوب الحمص، ثم تجهيز العجين لإعداد فراشيح الخبز، قبل أن يشعل النار أسفل "الصاج" ويقف أمام الزيت المغلي ليبدأ القلي، في مهمة كانت تحتاج منه إلى يدين اثنتين وعينين اثنتين قبل بدء حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023م.

أما اليوم، فينجز الشاب البالغ 31 عاماً كل ذلك بيد واحدة وعين واحدة، بعدما فقد يداً وعيناً في قصف إسرائيلي استهدف منزله وعائلته في قطاع غزة، ليجد نفسه مضطراً إلى إعادة تعلم تفاصيل مهنته القديمة بطريقة مختلفة تماماً.

في منطقة الفلوجة بمخيم جباليا شمالي القطاع، أعاد "محمود" فتح محل الفلافل الذي يعود لعائلته منذ نحو نصف قرن، بعدما أصابه الدمار خلال الحرب وأغلق أبوابه لفترة طويلة، ولم يعد المكان كما كان، فالعمال الذين كانوا يساعدون والده، بينهم من استشهد ومن أصيب، فيما تغيرت الحركة التي كانت تعمر المحل، وأصبح "صبيح" يؤدي بنفسه معظم المهام، محاولاً أن يجعل من المكان الصغير مصدراً لدخل عائلته.

يقول "محمود" إن: "المحل كان قبل الحرب يعمل بصورة طبيعية ويضم عدداً من العمال، أما اليوم فقد أصبحتُ مضطراً إلى تنفيذ معظم مراحل العمل بنفس رغم فقدان يدي وعيني".

ويضيف أن العودة إلى المحل لم تكن سهلة، خصوصاً أن المكان تعرض للدمار وتوقف عن العمل لفترة، لكنه قرر بمساعدة أصدقائه وأشخاص من محيطه، إزالة آثار القصف وتنظيفه وإعادة تشغيله، لأنه لم يجد أمامه خياراً آخر لتأمين مصدر رزقه.

ويشرح أن إعداد الفلافل بيد واحدة يستغرق وقتاً أطول ويتطلب جهداً مضاعفاً، موضحاً أنه يضطر إلى الحضور في ساعات مبكرة من الصباح حتى يتمكن من إنجاز أعمال الطحن والتجهيز قبل وصول الزبائن.

ويتابع: "قبل الإصابة كنت أعمل بشكل طبيعي وكانت الأمور سهلة بالنسبة لي، أما الآن فأحتاج إلى وقت وجهد أكبر لإنجاز العمل نفسه، وأحياناً أبدأ منذ ساعات الصباح الأولى حتى أستطيع إنهاء التجهيز".

لمتابعة آخر المستجدات الميدانية والسياسية للحرب على غزة اشترك بقناة شمس نيوز على منصة تيلجرام

ولا تقتصر صعوبة العمل على فقدان اليد، إذ إن فقدان العين جعل الاقتراب من النار والزيت الساخن أكثر ألماً بالنسبة إليه، يوضح "صبيح" أن الحرارة والدخان يسببان له متاعب في عينه المصابة، مشيراً إلى أن الأطباء نصحوه بالابتعاد عن مصادر الحرارة، لكنه لا يستطيع الالتزام بذلك في ظل حاجته إلى العمل.

ويقول: "الطبيب طلب مني ألا أقترب كثيراً من النار والحرارة، لكن ماذا أفعل؟ هذا عملي، وهذا المحل هو مصدر رزقي، وإذا توقفت عن العمل فلن يكون لدي مصدر دخل".

وبينما يقف أمام "الصاج" ويقلب أقراص الفلافل بيده المتبقية، يحاول "محمود" التأقلم مع تفاصيل كانت تبدو له قبل الإصابة عادية، لكنها أصبحت اليوم تتطلب منه تركيزاً أكبر وحركة مختلفة.

ويشير إلى أن الإصابة لم تجعل العمل أكثر صعوبة فحسب، بل غيرت أيضاً تفاصيل حياته خارج المحل، موضحاً أن حمل المياه والاستحمام وارتداء الملابس والتنقل وغيرها من المهام اليومية أصبحت تحتاج إلى مساعدة أو وقت أطول.

ويستذكر "محمود" الأيام التي أعقبت إصابته، قائلاً إن فقدان يده وعينه جعله يواجه واقعاً لم يكن مستعداً له، قبل أن يدرك أن عليه أن يتعلم كيفية الاعتماد على نفسه من جديد.

ويضيف: "في البداية كانت الأمور صعبة جداً، حتى الأشياء البسيطة أصبحت تحتاج إلى مساعدة لكن مع الوقت بدأتُ أتعلم كيف أتحرك وكيف أعمل وكيف أعيش بهذا الوضع".

أما قصة الإصابة نفسها، فتعود إلى 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، عندما استهدف قصف إسرائيلي منزل "محمود" وعائلته، ليخرج منها فاقداً يده وعينه، يقول: "ما حدث لم يترك أثراً على جسدي فقط بل طال أيضاً مصدر رزقي بعدما تعرض محل العائلة للدمار وتوقفت مهنة أسرتي التي استمرينا فيها لعقود".

ويتابع أن إعادة فتح المحل كانت بالنسبة إليه محاولة لاستعادة شيء من حياته السابقة، حتى وإن لم يعد قادراً على ممارسة المهنة بالطريقة نفسها.

ويرى "محمود" أن فقدان أحد الأطراف لا يعني أن الإنسان فقد قدرته على العمل، مشيراً إلى أن بعض الأشخاص ينظرون إلى مبتوري الأطراف باعتبارهم غير قادرين على الإنتاج، موضحاً أن تجربته اليومية داخل المحل جعلته أكثر إصراراً على الاعتماد على نفسه، وأن المهم بالنسبة إليه هو أن يتمكن من تأمين احتياجات أسرته حتى وإن كان ذلك بجهد مضاعف.

ومع استمرار ساعات العمل يزداد إرهاق جسده، لكنه يواصل الوقوف أمام المقلاة لأن التوقف عن العمل يعني بالنسبة إليه فقدان مصدر الدخل الوحيد.

ويعاني قطاع غزة من أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة جراء الحصار والحرب، حيث تجاوزت نسبة البطالة 77% خلال عام 2025، بحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، في وقت أدى فيه الدمار الواسع إلى تراجع فرص العمل وتضرر المنشآت الاقتصادية.

ويشير واقع المصابين ومبتوري الأطراف إلى تحديات إضافية، إذ لا تتوقف احتياجاتهم عند العلاج، وإنما تمتد إلى التأهيل والأطراف الصناعية والمعدات المساندة، بينما تواجه الخدمات الصحية والتأهيلية في القطاع ضغوطاً كبيرة.

وبحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية، سجل قطاع غزة آلاف حالات بتر الأطراف منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، فيما تعرض عشرات الآلاف لإصابات غيرت حياتهم وتحتاج أعداد كبيرة منهم إلى خدمات علاج وتأهيل طويلة الأمد.

اخبار ذات صلة