أمام ترامب خياران أحلاهما مر
أفول الهيمنة الأمريكية وتلاشي كيانها الوظيفي
بقلم: فارس رفيق فحماوي
باحث في الفكر السياسي الإسلامي المقارن
لم يعد المشهد الدولي بعد السابع من أكتوبر كما كان قبله. معركة طوفان الأقصى، وما تلاها من حرب على جبهات غزة ولبنان، وصولاً إلى المواجهة المباشرة مع إيران، كشفت حقيقة بنيوية: الهيمنة الأمريكية دخلت مرحلة الأفول الحقيقي.
وأمام الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب اليوم خياران لا ثالث لهما، وكلاهما مر.
الخيار الأول: القبول بموازين القوى الجديدة التي فرضتها المعركة.
وهذا يعني التسليم بأن المنطقة لم تعد تدار بتعليمات من واشنطن وتل أبيب. فغزة صمدت منذ 7 أكتوبر 2023 حتى اليوم، ما يقارب ثلاث سنوات من الصمود المتواصل تحت القصف والحصار والتجويع، وهي أطول وأشرس حرب في تاريخها، ولم تحقق إسرائيل أياً من أهدافها المعلنة، والمقاومة في لبنان بقيت حاضرة في الميدان، وإيران كسرت قواعد الاشتباك ودخلت المواجهة المباشرة.
القبول بهذا الواقع يعني أن أي تسوية أو ترتيب أمني جديد في المنطقة لا يمكن أن يتم بمعزل عن القوى التي صمدت في الميدان.
الخيار الثاني: رفض هذا الواقع والذهاب نحو المزيد من التصعيد والمكابرة، وبالتالي انتظار ملء فراغ أفول نجم الولايات المتحدة.
هذا الخيار يعني استمرار واشنطن في دعم حروب لا يمكن كسبها، واستنزاف ما تبقى من رصيدها الاستراتيجي. أمريكا اليوم منهكة اقتصادياً بديون تاريخية، ومنهكة عسكرياً في أوكرانيا وغزة، ومنقسمة داخلياً، ومعزولة دولياً كما ظهر بوضوح في الجمعية العامة للأمم المتحدة حيث وقفت وحيدة.
وعندما تكابر الإمبراطورية المتراجعة، فإنها تسرع من أفولها. والتاريخ لا يترك فراغاً، هذا الفراغ سيملؤه نظام دولي جديد.
المرحلة القادمة لن تكون عودة لعلب السردين المنتهية الصلاحية.
المقصود أن العالم لن يعود إلى ما قبل طوفان الأقصى، لن يعود إلى نظام التطبيع القسري واتفاقيات الإذعان، ونظام الدول الوظيفية الهزيلة التي كانت تحرس المصالح الغربية. تلك العلب انتهت صلاحيتها وفسدت.
ما يتشكل الآن هو نظام دولي جديد متعدد الأقطاب، تتراجع فيه هيمنة واشنطن، وتتقدم فيه قوى الشرق.
وفي قلب هذا التحول، الكيان الوظيفي المسمى إسرائيل في تلاشي.
هذه قراءة سياسية وليست أمنية. الكيان الذي زرع ليكون حارساً لمصالح الغرب، تحول اليوم إلى عبء استراتيجي على الغرب نفسه.
عبء عسكري يستنزف المخازن الأمريكية، وعبء سياسي يعزل واشنطن، وعبء قانوني وأخلاقي بعد أن أصبح قادته مطلوبين أمام محكمة العدل والجنائية الدولية.
عندما يأفل نجم المشغل، يتلاشى دور الأداة حتماً.
إن ما عجل بهذا الأفول ليس قراراً في البيت الأبيض، بل صمود المقاومة في غزة ولبنان، هي التي كسرت هيبة الردع وكشفت حقيقة القوة الزائفة.
والمجد للمقاومة.