☰
✕

قائمة الموقع

ملاعب وسط الركام.. حين تكون إرادة أطفال غزة أقوى من الحجارة

2026-09-26T13:07:00+03:00
ملعب
شمس نيوز - نضال أبو شربي

بين أنقاض المباني المدمرة، وبالقرب من برج الإيطالي الذي لم يبق منه سوى هيكل يحمل آثار الحرب، لم يبحث أطفال غزة عن مكان آمن فحسب، بل عن مساحة صغيرة تشبه الحياة التي افتقدوها.

في شارع النصر بمدينة غزة، حوّل مجموعة من الأطفال مساحة محاطة بالركام إلى ملعب للكرة الطائرة. جمعوا الحجارة المتناثرة من المباني المدمرة، ورسموا بها حدود الملعب، ومدوا سلكين وثبتوا بينهما شبكة بسيطة، ثم بدأوا اللعب.

لا أرضية رياضية مجهزة هنا، ولا مدرجات أو أضواء أو معدات احترافية؛ مجرد مساحة صغيرة بين الركام، وطفولة تحاول أن تجد لنفسها طريقا وسط الدمار.

يأتي الأطفال من مخيمات ومراكز الإيواء القريبة، ومن بينها مخيم الإيواء المقام قرب منطقة الإيطالي، إلى هذا المكان لممارسة الرياضة وتفريغ ما تراكم داخلهم من خوف وتوتر وضغوط نفسية خلفتها سنوات الحرب.

وبينما تحيط بهم المباني المدمرة من كل جانب، تصبح الكرة بالنسبة إليهم أكثر من مجرد لعبة؛ إنها لحظة يبتعدون فيها، ولو مؤقتا، عن مشاهد الحرب، ويتبادلون الضحكات، ويركضون خلف الكرة، ويحاولون استعادة شيء من حياتهم الطبيعية.

"من ولا إشي صنعوا إشي"

يقول المواطن إسماعيل غبن، من حي النصر شمال قطاع غزة، إن الأطفال هم الذين بادروا إلى إعادة صناعة هذا المكان، بعدما فقدوا الملاعب التي كانوا يمارسون فيها الرياضة قبل الحرب.

ويوضح أن المنطقة تضم عددا من مخيمات ومراكز الإيواء، وأن الأطفال يأتون منها إلى المكان للعب، مشيرا إلى أن الملعب كان موجودا قبل الحرب، لكن تدمير الملاعب والمساحات الرياضية دفع الأطفال إلى محاولة استعادة مساحة لممارسة الرياضة بأنفسهم.

ويقول غبن: "هذا كان ملعب قبل الحرب، والأطفال من ولا إشي حاولوا يصنعوا إشي، جمعوا شوية حجارة وسلكين وشبكوهم، وحاولوا يفرغوا عن طاقتهم السلبية ويلعبوا طائرة، فمن ولا إشي صنعوا إشي".

ويرى أن متابعة الأطفال للمباريات والبطولات الرياضية العالمية زادت من رغبتهم في ممارسة الرياضة، خصوصا كرة القدم والكرة الطائرة، بعدما وجدوا فيها متنفسا بعيدا عن واقع الحرب والدمار.

ويضيف: "بعد ما شافوا كرة القدم وكأس العالم، والآن رجعت أمور الكرة والدوري الإسباني والدوري الأوروبي، الأطفال اتشجعوا أكثر، وبدهم يفرغوا عن طاقتهم. بعد كل المعاناة اللي مر فيها قطاعنا، الأطفال بينزلوا من المخيمات ومن مخيم إيواء الإيطالي وبيجوا يلعبوا في هذا المكان".

ملعب صغير ورسالة كبيرة

لا يرى غبن في هذا الملعب مجرد مساحة للعب، بل يعتبره رسالة إلى الجهات والمؤسسات المعنية بضرورة توفير أماكن رياضية للأطفال في غزة، خصوصا بعد تدمير عدد كبير من الملاعب والمنشآت الرياضية.

ويقول: "إحنا حابين نوصل الرسالة، ونتمنى إنها توصل، إنه يوفروا إلنا ملاعب لأطفالنا. يحاولوا يدخلونا أبسط الأمور اللي يتعايشوا فيها الأطفال ويلعبوا، وأماكن تكون ممتازة".

ويشير إلى وجود مساحات يمكن استغلالها لإنشاء ملاعب، إذا توفرت المعدات والأدوات اللازمة، مضيفا: "عندنا مساحات، ونتمنى إنه يوصلوا لنا أدوات يلعب فيها الأطفال، وملاعب جيل صناعي، عشان الأطفال يلعبوا ويطلعوا طاقتهم".

لكن المشهد المحيط بالملعب يكشف حجم التحدي؛ فالأطفال يمارسون الرياضة بالقرب من مبان مدمرة، فيما لا تزال آثار الحرب حاضرة في تفاصيل المكان.

ويشير غبن إلى حجم الدمار قائلا: "بعد تدمير الملاعب، لجأ الأطفال يلعبوا بين الركام وبين الدمار، زي ما أنتوا شايفين. برج الإيطالي زي ما هو نازل، والمحكمة الشرعية كمان مدمرة، والبيوت كلها على مستوى شارع النصر مدمرة".

حين يصبح اللعب فعلا من أفعال الحياة

في غزة، لم تعد ممارسة الرياضة بالنسبة إلى الأطفال مجرد هواية أو نشاط عابر؛ بالنسبة إلى كثير منهم، أصبحت محاولة لاستعادة إيقاع طبيعي للحياة وسط واقع فرضته الحرب.

فوق أرض غير مستوية، وبين حجارة كانت في يوم من الأيام جزءا من منازل ومبان، ترتفع الكرة في الهواء، ويتحرك الأطفال خلفها، وكأنهم يقولون إن الحرب، مهما غيرت المكان من حولهم، لم تستطع إلغاء رغبتهم في اللعب.

ذلك الملعب الصغير الذي صنعه الأطفال بأنفسهم لا يملك مواصفات الملاعب الرياضية، لكنه يحمل ما هو أبعد من التجهيزات؛ إرادة أطفال يحاولون تحويل مساحة بين الركام إلى مكان للحياة.

وفي كل مرة ترتفع فيها الكرة فوق الشبكة، يبدو المشهد كأنه رسالة بسيطة وواضحة: هنا، بين الدمار، ما زال هناك أطفال يريدون أن يلعبوا.

اخبار ذات صلة