منذ أن وطئت قدما زعيم المعارضة الإسرائيلية آنذاك ورئيس الوزراء لاحقا أرييل شارون باحات المسجد الأقصى في 28 سبتمبر/أيلول 2000، دخل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مرحلة جديدة، بعدما أشعلت زيارته، التي تمت وسط حماية مشددة من قوات الاحتلال، مواجهات واسعة امتدت من القدس إلى مختلف أنحاء الضفة الغربية وقطاع غزة.
في اليوم التالي لاقتحام شارون، اندلعت مواجهات داخل المسجد الأقصى ومحيطه، أسفرت عن استشهاد 7 فلسطينيين وإصابة نحو 250 آخرين، إضافة إلى إصابة 13 جنديا إسرائيليا، لتتحول الأحداث سريعا إلى انتفاضة شعبية عرفت باسم "انتفاضة الأقصى".
ورغم التأريخ لنهاية الانتفاضة عام 2004، فإن المواجهات لم تتوقف، وظل الفلسطينيون أمام سلسلة متعاقبة من الهبات والانتفاضات والحروب الإسرائيلية على قطاع غزة، خلفت آلاف الشهداء وعشرات آلاف الجرحى، وامتدت آثارها إلى مختلف الأراضي الفلسطينية.
وفيما يلي أبرز المحطات منذ عام 2000
الهبات والانتفاضات الشعبية
انتفاضة الأقصى.. الشرارة الكبرى (2000-2004)
اندلعت انتفاضة الأقصى في أعقاب اقتحام شارون المسجد الأقصى، وسرعان ما تحولت إلى مواجهة واسعة امتدت لسنوات وشملت الضفة الغربية وقطاع غزة والداخل الفلسطيني.
ووفقا لإحصاءات فلسطينية وإسرائيلية، أسفرت الانتفاضة عن استشهاد نحو 4412 فلسطينيا وإصابة قرابة 48 ألفا و300 آخرين، فيما اعتقلت إسرائيل نحو 12 ألف فلسطيني.
وخلال سنوات الانتفاضة، اجتاحت قوات الاحتلال الضفة الغربية، وحاصرت مقر الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في رام الله، كما اغتالت عددا من القيادات الفلسطينية البارزة، بينهم الشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي وأبو علي مصطفى وغيرهم.
هبة السكاكين (2015)
في النصف الثاني من عام 2015، تصاعد التوتر في القدس مع تكرار اقتحامات المستوطنين والقوات الإسرائيلية للمسجد الأقصى، والاعتداء على المرابطين والمعتكفين، بالتزامن مع تصاعد الاعتداءات في الضفة الغربية، ومن أبرزها إحراق عائلة دوابشة في قرية دوما.
ومع تزايد الاقتحامات خلال سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول، انفجرت موجة من المواجهات عرفت باسم "هبة السكاكين"، وارتبطت بدايتها بعملية نفذها الشاب مهند حلبي في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2015 في البلدة القديمة بالقدس، وأسفرت عن مقتل مستوطنين وإصابة آخرين.
وفي ذلك العام، استشهد 150 فلسطينيا في الضفة الغربية، معظمهم خلال الربع الأخير منه.
هبة الأسرى (2017)
في 28 أبريل/نيسان 2017، انطلقت "هبة الأسرى" تضامنا مع نحو 1500 أسير فلسطيني خاضوا إضرابا مفتوحا عن الطعام احتجاجا على ظروف اعتقالهم وممارسات إدارة السجون الإسرائيلية.
وشهدت مدن وبلدات فلسطينية عدة فعاليات احتجاجية وإضرابات ومواجهات استمرت لعدة أيام، تضامنا مع الأسرى المضربين.
هبة الأقصى (2017)
في 16 يوليو/تموز 2017، اندلعت "هبة الأقصى" احتجاجا على الإجراءات الإسرائيلية الجديدة عند مداخل المسجد الأقصى، وفي مقدمتها تركيب بوابات إلكترونية لتفتيش المصلين.
واعتصم الفلسطينيون عند بوابات المسجد، واستمرت الاحتجاجات حتى 25 يوليو/تموز، عندما تراجعت سلطات الاحتلال عن قرارها إزالة البوابات الإلكترونية.
واستشهد خلال الهبة 15 فلسطينيا، فيما أصيب المئات بجروح.
الحروب على قطاع غزة
الرصاص المصبوب/معركة الفرقان (2008-2009)
في 27 ديسمبر/كانون الأول 2008، بدأت إسرائيل حربا واسعة على قطاع غزة أطلقت عليها اسم "عملية الرصاص المصبوب"، وردت عليها الفصائل الفلسطينية باسم "معركة الفرقان".
واستمر العدوان 23 يوما، وأسفر عن استشهاد أكثر من 1430 فلسطينيا، بينهم أكثر من 400 طفل و240 امرأة و134 شرطيا، وإصابة أكثر من 5400 آخرين.
كما أدى القصف إلى تدمير أكثر من 10 آلاف منزل بصورة كلية أو جزئية.
السماء الزرقاء/ حجارة السجيل/عامود السحاب (2012)
في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2012، بدأت جولة جديدة من التصعيد الإسرائيلي على قطاع غزة، أطلقت عليها إسرائيل اسم "عامود السحاب"، فيما سمتها الجهاد الإسلامي "معركة السماء الزرقاء" في حين أطلقت عليها حماس اسم "معركة حجارة السجيل".
واستمرت المواجهة 8 أيام، وأسفرت عن استشهاد نحو 180 فلسطينيا، بينهم 42 طفلا و11 امرأة، وإصابة نحو 1300 آخرين.
البنيان المرصوص/ العصف المأكول/الجرف الصامد (2014)
في 7 يوليو/تموز 2014، بدأت إسرائيل عملية عسكرية واسعة على قطاع غزة أطلقت عليها اسم "الجرف الصامد"، فيما أطلقت الجهاد الإسلامي عليها اسم "البنيان المرصوص" في حين أطلقت عليها حماس اسم "العصف المأكول".
واستمرت الحرب 51 يوما، شن خلالها الجيش الإسرائيلي أكثر من 60 ألف غارة على القطاع.
وأسفرت الحرب عن استشهاد نحو 2322 فلسطينيا وإصابة 11 ألفا، كما ارتكبت خلالها مجازر بحق 144 عائلة، استشهد من كل منها 3 أفراد على الأقل.
صيحة الفجر (2019)
في صباح 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، استهدفت طائرة إسرائيلية مسيرة شقة سكنية في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، كان يوجد فيها قائد المنطقة الشمالية في سرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، بهاء أبو العطا.
وأدى الاستهداف إلى استشهاد أبو العطا وزوجته، قبل أن تتوسع الغارات الإسرائيلية على مناطق مختلفة من القطاع.
وأسفرت الجولة عن استشهاد 34 فلسطينيا وإصابة أكثر من 100 آخرين، بينهم عناصر من سرايا القدس ومدنيون.
سيف القدس/حارس الأسوار (2021)
اندلعت مواجهة "سيف القدس"، التي سمتها إسرائيل "حارس الأسوار"، في مايو/أيار 2021، على خلفية التوتر في القدس، ولا سيما في حي الشيخ جراح، واقتحامات القوات الإسرائيلية للمسجد الأقصى.
وامتدت المواجهة إلى قطاع غزة، حيث شنت إسرائيل غارات مكثفة على مناطق مختلفة من القطاع، وقصفت عددا من الأبراج والمنشآت السكنية.
وأسفرت الحرب عن استشهاد نحو 250 فلسطينيا وإصابة أكثر من 5 آلاف آخرين، فيما أعلن الجيش الإسرائيلي تدمير نحو 100 كيلومتر من الأنفاق في غزة.
وحدة الساحات/الفجر الصادق (2022)
في 5 أغسطس/آب 2022، اغتالت إسرائيل قائد المنطقة الشمالية في سرايا القدس، تيسير الجعبري، باستهداف شقة سكنية في "برج فلسطين" بحي الرمال في مدينة غزة بواسطة طائرة مسيرة.
وتواصلت الغارات الإسرائيلية على القطاع، في جولة أطلقت عليها إسرائيل اسم "الفجر الصادق"، فيما سمتها سرايا القدس "وحدة الساحات".
وأعلنت وزارة الصحة في غزة استشهاد 24 فلسطينيا، بينهم 6 أطفال، وإصابة 203 آخرين خلال الجولة.
طوفان الأقصى/السيوف الحديدية (2023-2026)
في فجر 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، شنت الفصائل الفلسطينية هجوما واسعا على مستوطنات ومواقع إسرائيلية في محيط قطاع غزة، أطلقت عليه اسم "طوفان الأقصى".
وفي اليوم نفسه، بدأت إسرائيل حربا واسعة على قطاع غزة أطلقت عليها اسم "السيوف الحديدية"، وتحولت إلى أطول وأشد جولات القتال دموية منذ عام 2000.
وبحسب وزارة الصحة في قطاع غزة، بلغ عدد الشهداء الفلسطينيين 73 ألفا و914 شهيدا، فيما بلغ عدد المصابين 174 ألفا و952، حتى 21 سبتمبر/أيلول 2026. ومن بين الشهداء 1394 فلسطينيا منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 11 أكتوبر/تشرين الأول 2025، إضافة إلى 4839 مصابا.
وفي الضفة الغربية، استشهد 1206 فلسطينيين وأصيب نحو 13 ألفا و400، فيما اعتقل 24 ألفا و600 فلسطيني، وفقا للبيانات الواردة في المادة.
المحصلة.. 26 عاما من الدم
على امتداد أكثر من ربع قرن، لم تتوقف المواجهات بين الفلسطينيين وإسرائيل، بل انتقلت من انتفاضة إلى هبة، ومن هبة إلى حرب، بينما ظل الفلسطينيون يدفعون أثمانا بشرية متصاعدة.
وتشير بيانات "مرصد شيرين"، المختص بتوثيق الانتهاكات الإسرائيلية منذ عام 2000، إلى أن إجمالي عدد الشهداء الفلسطينيين المسجلين في قاعدة بياناته بلغ 85 ألفا و597 شهيدا، بينهم 3934 في الضفة الغربية و81 ألفا و574 في قطاع غزة.
وتظهر بيانات المرصد أن الأطفال يشكلون 24 ألفا و378 من إجمالي الشهداء، فيما بلغ عدد النساء 13 ألفا و905.
وهكذا، فإن الفترة الممتدة منذ اقتحام شارون للمسجد الأقصى في سبتمبر/أيلول 2000 وحتى عام 2026، تبدو كسلسلة متصلة من محطات الدم الفلسطيني؛ اختلفت أسماؤها وتفاصيلها وأسباب اندلاعها، لكن آثارها بقيت حاضرة في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة.