جاء هذا المقال بعد ظهور عدد من الرويبضات وأصحاب الفكر الهابط وأبواق تنفث سموم التشكيك في القرآن الكريم. طرحهم التشكيكي ليس بريئاً، والمؤشر الخطير فيه أنه يخدم اليهودية الصهيونية (التوراتية) العنصرية البغيضة ويعمل على تبرئتها من جرائمها.
وما هي تلك الجرائم التي يريدون تبرئتها؟ هي جرائم موثقة في كتاب الله وفي تاريخنا المعاصر: السعي في الأرض فساداً، ونقض المواثيق والعهود، وقتل الأنبياء بغير حق، والإفساد في الأرض، والعلو الكبير، وسفك دماء الأبرياء واغتصاب الأرض وتهجير أهلها. وهي الجرائم نفسها التي ترتكبها الآن اليهودية الصهيونية في غزة والضفة وكل فلسطين، ومعها لبنان وسوريا وفي أكثر من مكان، من قتل للأطفال والنساء، وتدمير للبيوت والمستشفيات والمساجد ، وحصار وتجويع وإبادة جماعية على مرأى من العالم. وكل هذه الجرائم فضحها القرآن الكريم بالآيات المحكمة، لذلك كان لا بد لهم من التشكيك في مصدر تلك الإدانة وهو القرآن نفسه.
أشم في هذا الطرح رائحة الافتراء المتعمد، وهو طرح قديم أعاد المستشرقون تدويره. يقولون: "نحن لا نملك قرآن محمد، بل نملك قرآن عثمان". وهذه هي المغالطة الأم.
أولاً: عثمان لم يؤلف، بل نسخ.
القرآن كان محفوظاً في الصدور قبل السطور. آلاف الصحابة يحفظونه عن ظهر قلب في حياة النبي. وما فعله أبو بكر هو جمع المكتوب عند كتبة الوحي في مصحف واحد حُفظ عند حفصة. وما فعله عثمان بعد 15 سنة فقط هو نسخ ست نسخ من مصحف أبي بكر وإرسالها للأمصار لتوحيد الرسم عند اختلاف الألسن. فمصحف عثمان هو مصحف أبي بكر هو ما كُتب بين يدي محمد.
ولو كانت مؤامرة سياسية لخدمة السلطة كما يزعمون، فهل كان علي بن أبي طالب، وهو رأس المعارضة السياسية، سيكون رئيس لجنة النسخ ويقول: "لو لم يفعلها عثمان لفعلتها أنا"؟ وهذا ينسف فريتهم من أساسها. وهم يروجون لفكرة "قرآن السلطة" لهدف واحد: إسقاط حجية القرآن كوحي إلهي، وبالتالي إسقاط كل الآيات التي فضحت وجرّمت اليهودية الصهيونية، لتبرئتها من جرائمها.
ثانياً: لماذا الحرق؟ ليس لإخفاء القرآن، بل لحفظه.
الدولة تمددت من العراق للشام، وبدأ أهل الشام وأهل العراق يكفر بعضهم بعضاً بسبب اختلاف القراءات. فأجمع الصحابة - بمن فيهم ابن مسعود لاحقاً - على إحراق الصحف الفردية التي كانت تحوي تفسيرات شخصية أو ترتيباً مختلفاً للسور أو أحرفاً منسوخة، حتى لا تكون ذريعة للفتنة. الحرق كان لقفل باب الفتنة، لا لفتح باب التحريف الذي يريده المشككون.
ثالثاً: مصحف ابن مسعود وأبي بن كعب ليس دليلاً ضدنا بل لنا.
ابن مسعود رضي الله عنه لم يرفض لأن عنده آيات ناقصة. رفض أولاً بدافع أنفته كأحد أقدم حفظة القرآن: "أأترك ما أخذته من في رسول الله؟". ومصحفه لم يختلف في نص الآيات، بل في ترتيب السور حسب النزول. أما ما يسمى سورتي "الحفد والخلع" عند أبي بن كعب، فهي ليست سوراً، هي دعاء القنوت الذي كان النبي يقنت به في الوتر، وكان أبي يكتبه في هامش مصحفه كما نكتب نحن اليوم دعاءً على هامش المصحف.
رابعاً: كذبة 200 سنة والبخاري.
وهذه أكبر تدليس. السنة كُتبت في عهد النبي نفسه، وصحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص "الصادقة" مشهورة. والتدوين الرسمي بدأ بأمر من عمر بن عبد العزيز قبل البخاري بمئة عام. البخاري لم يأت بعد 200 سنة ليخترع ديناً، بل جاء ليُنقي ديناً. جمع 600 ألف رواية متداولة في أسواق السياسة الأموية والعباسية، فغربلها بعلم لم تعرفه البشرية - علم الإسناد والجرح والتعديل - ورفض 99% منها.
الخلاصة من منظورنا السياسي الإسلامي:
نعم، القرآن كتاب سياسي بامتياز. كتاب دولة وخلافة وحكم وشورى وعدل وجهاد، وليس كتاب أذكار للبركة فقط. وهنا مربط الفرس.
هم لا يريدون أن يقولوا لك إن القرآن محرف، بل يريدون أن يقولوا لك: بما أن القرآن رواية عثمانية سلطوية، وبما أن السنة 99% منها كذب، إذاً لا يوجد إسلام سياسي ملزم. إذاً اتركوا السياسة للعلمانية وخذوا الإسلام عبادة فردية في المسجد.
وهذه هي الخدعة الكبرى التي تخدم اليهودية الصهيونية العنصرية البغيضة: إسلام بلا مقاومة، بلا سياسة، بلا فلسطين.
وهذه الخدعة لن تمر. قرآننا هو قرآن محمد، محفوظ بالتواتر الجمعي الذي يستحيل تواطؤه على الكذب، من صدور الرجال إلى السطور، إلى يومنا هذا.
وسيبقى دستور الأمة وخارطة طريقها لنهضة أمة الإسلام ومقاومة الغزو الأجنبي الطامع والتغريب.
