☰
✕

قائمة الموقع

فيلم نازا.. زلزال جديد يهز الكيان الصهيوني

2026-10-03T11:15:00+03:00
رابط مشاهدة فيلم نازا
بقلم: إبراهيم أبو ليل

ينتاب الحكومة الإسرائيلية غضب شديد إثر الزلزال الكبير الذي هز الأوساط الإسرائيلية بعد زلزال السابع من أكتوبر، والذي أحدثه عرض الفيلم الوثائقي "نازا" في الدورة الـ83 لمهرجان البندقية السينمائي العالمي، حيث قدم الفيلم شهادة بالغة الأهمية تكذّب الرواية الإسرائيلية؛ وتؤكد جرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. وقد توالت ردود الأفعال من الحكومة الإسرائيلية وقادة المؤسسة العسكرية، الذين سارعوا إلى تخوين منتجي الفيلم والتقليل من قيمته، خوفاً من العزلة الإقليمية والدولية المتزايدة التي تفرضها غالبية دول العالم.

يستند فيلم "نازا"، الذي أخرجه الصحفيان الإسرائيليان يوفال أبراهام (יובל אברהם) وراحيل شور (רחל שור)، إلى شهادات 24 من العاملين السابقين والحاليين في الجيش الإسرائيلي وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، ويسلّط الضوء على آليات المراقبة وأنظمتها التي تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحديد أهداف داخل قطاع غزة، والأضرار الجانبية المتوقعة التي تحدث أثناء الاستهداف مثل عدد الضحايا المدنيين والمنازل والأحياء التي سيتم تدميرها.

ومن هذه الأضرار جاء الاسم العبري للفيلم، الذي اختصر بكلمة "نازا"، وحصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة لمهرجان البندقية السينمائي، حيث لاقى ترحيباً حاراً وتصفيقاً غير مسبوق في تاريخ المهرجان.

وقد أحدث الفيلم صدمة للإسرائيليين، وحالة من الهستيريا أصابت القيادة الإسرائيلية جراء الفضيحة التي أكدت مجدداً، من داخل المؤسسة العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية، جرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، والتي حاولت الحكومة الإسرائيلية التستر عليها، من خلال تزييف الحقائق والتلاعب بالمعلومات، وإبقائها محصورة بالمصادر الإسرائيلية الخاصة، في حين منعت سلطات الاحتلال الصحافة المحايدة من نقل الحقيقة، كما منعت الصحفيين من الدخول إلى قطاع غزة، في الوقت الذي استهدف الجيش الإسرائيلي ما يزيد عن مئتين وخمسين صحفياً وفقاً لتقارير المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة.

على الرغم من أن الفيلم لم يأت بجديد، إذ أكد ما كرره الفلسطينيون مراراً، وتمكنت وسائل إعلام عديدة من كشف جرائم الإبادة التي اقترفتها الحكومة الإسرائيلية، إلا أنه يكتسب أهمية خاصة لاعتماده على شهود حقيقيين من الجيش الإسرائيلي شاركوا في العدوان على قطاع غزة، وربما كان هذا هو السبب وراء الهستيريا التي أصابت القيادة الإسرائيلية. وتشير هذه الهستيريا إلى شيء كان مخفياً وانفجر فجأة، كاشفاً الصورة القبيحة للكيان الصهيوني، بعد سنوات من القمع والإنكار والكذب وتزييف الواقع. كما أن الفيلم أعاد الإسرائيليين إلى الواقع الذي انفصلوا عنه أثناء الحرب على غزة، ولم يروا إلا ما كانت تقرره حكومة نتنياهو. فقد ظهرت هشاشة الجيش الإسرائيلي وضعفه أمام جمهوره الذي اعتاد على الحديث حول سلامة وأمن الرواية التي ينسجها له قادته، وادعاءاتهم حول "طهارة السلاح، والجيش الأكثر أخلاقية في العالم، وعدالة الحرب التي بنيت عليها الهوية الاسرائيلية منذ السابع من أكتوبر، وأن "إسرائيل قوية ولا شيء يضعضعها بعد اليوم". لكن هذه القوة تتآكل مع تهافت السردية الإسرائيلية وانهيارها أمام أول حقيقة يلامسها الجمهور الإسرائيلي الذي فقد ثقته بالجيش والمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، ليس لأنه ارتكب جرائم إبادة ضد الفلسطينيين، "التي تعتبر عند الإسرائيليين عمليات أخلاقية"، بل لأنه لم يتمكن من توفير الأمن للمستعمرات، ولم يحقق الأهداف التي خرج للحرب من أجلها.

لقد أثار الفيلم غضب القيادة الإسرائيلية التي هاجمته ووجهت له الاتهامات، واعتبرته محرضاً ضد الحكومة الإسرائيلية. فقد اتهم نتنياهو الفيلم بأنه «تحريض صادم» وأعلن بأنه وجه تعليماته للعمل على قانون لسحب الجنسية ممن يقوم على حد قوله "بالتشهير بجنود الجيش الإسرائيلي"، بينما وصفه جيش الاحتلال الإسرائيلي بأنه تشويه للواقع، وأصدر رئيس الأركان ايال زمير بياناً وصف الفيلم بأنه افتراء، وأمر ببحث خطوات قانونية ضد مخرجيه وفحص فيما إذا تم تسريب مواد سرية، ولم يكتف بالدفاع عن قواعد القتال في الجيش الإسرائيلي وإدانة صناع الفيلم، بل أمر أيضاً بفتح تحقيق لكشف هوية الـ 24 جندياً وضابطاً معظمهم من الاستخبارات، وأجريت معهم مقابلات للفيلم من دون الكشف عن هويتهم، واخفاء وجوههم. ووصف رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت الفيلم بأنه "فرية دم جبانة"، وكتب وزير الثقافة ميكي زوهار أنه سيعمل فوراً على سحب جنسية المخرجَين بتهمة الخيانة، ثم طلب من وزارة الداخلية بحث هذا الأمر. وعمّمت وزارة الخارجية الإسرائيلية على كل سفاراتها ورقة تقول إن الفيلم "يقلب الحقيقة رأسا على عقب، وإنه عمل خيالي يغطي دعاية حماس، وإن من يقول بوقوع إبادة في غزة كاذب أو لا يفهم معنى الكلمة". إضافة إلى ذلك، وقّع مئات من عناصر احتياط الوحدة 8200 عريضة تطالب قيادتها بالتحقق في ما إذا كان بين المتكلمين في الفيلم أحد من رجالها، وتظاهر العشرات من رجال حملة حزب "عظمة يهودية" بتوجيه من زعيم الحزب بن غفير أمام منزل أهل راحيل شور، إحدى منتجَي الفيلم، ووجهوا رسالة واضحة تقول: " نحتاج من كل شخص يراهم في الشارع أن يبلغنا مباشرة، لن يجلسوا في أي مطعم وفي أي مكان، من يراهم، عليه أن ينشر في كل المجموعات، لا مكان لأولئك الأنذال يفرّون إليه". وبحسب صحيفة هآرتس هتف قسم من المتظاهرين بتنفيذ "عقوبة الإعدام للخونة"، وقال أحدهم في مكبر الصوت: "عندما سيعودان إلى البلاد يجب أن يحاكما ويعلقا على المشنقة، وعلى العائلة أن تطرد ويصادر بيتها".

لقد جاءت ردود الأفعال والتصريحات المتهورة التي أصدرها الوزراء الإسرائيليون وأعضاء الكنيست حول معاقبة صانعي الفيلم، إلى درجة الدعوة إلى إعدامهما بشكل علني، لحرف الأنظار عن النتائج المقلقة للمغامرة التي أقدم عليها نتنياهو في العدوان على قطاع غزة، والثمن الباهظ الذي دفعه الجنود الذين شاركوا في جرائم الإبادة ضد الفلسطينيين في القطاع. ويسود في الأوساط السياسية الإسرائيلية شعور بالتهديد والخوف من الضرر المحتمل الذي يلحقه الفيلم بمكانة "إسرائيل"، في ظل عزلة إقليمية ودولية آخذة في التعاظم بشكل مستمر؛ تنزع عنها الشرعية وتحولها إلى ظاهرة منبوذة بين شعوب العالم، وصلت إلى حد إدانة القيادة الإسرائيلية من قبل محكمة الجنايات الدولية بارتكاب جرائم حرب، وبشكل خاص رئيس الحكومة نتنياهو الذي بات مطلوباً للعدالة. ولهذا تمنع الحكومة الإسرائيلية تداول هذا الفيلم وتدعو إلى محاربته وتكذيب مضمونه، والالتزام بالرواية الصادرة عنها حصراً، ما يثير فضول الجمهور الإسرائيلي، كما يثير الشك لديه بأن ثمة شيئاً منحرفاً كلياً، يجعل الفيلم مطلوباً أكثر فأكثر. وتشير هذه المواقف على الصعيد الرسمي إلى واقع إعلامي بائس يجافي الحقيقة، ويجعل "إسرائيل" ليست سيئة في نظر نفسها فحسب، بل وفي نظر العالم، وفي أماكن ما زالت تقدر فيها حرية التعبير والشجاعة ومعايير الصحافة.

قد تهدأ هذه الموجة ويخمد الزلزال، لكن ارتداداته لن تتوقف، وشدته قد تنذر بتداعيات خطيرة، وإن جرائم الإبادة في قطاع غزة ستظل كابوساً يلاحق مرتكبيها مهما حاولوا التهرب منها. ربما تكون هذه محاولة يائسة لإنكار الحقيقة، وخنقها وإبعادها، لكنها ستبقى تطارد الإسرائيليين إلى الأبد، لان المسؤولية عن جرائم الإبادة الجماعية لا مناص منها مهما طال الزمن.

اخبار ذات صلة