لم تعد شجرة الزيتون في قطاع غزة تنتظر أيادي المزارعين لتقطف ثمارها في موسم كان يُعد واحداً من أبرز مواسم الخير في القطاع؛ فقد سبق إليها القصف والتجريف والاقتلاع، تاركاً وراءه حقولاً واسعة فقدت معظم أشجارها، ومزارعين يحاولون الوصول إلى ما تبقى منها تحت ظروف بالغة القسوة.
ومع انطلاق موسم قطف الزيتون في أكتوبر2026، للعام الثالث منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة في السابع من أكتوبر 2023م، يدخل المزارعون موسماً مختلفاً عن كل ما عرفوه سابقاً؛ وهو موسم تقلصت فيه الأرض، وتراجعت فيه الأشجار والمحاصيل، وارتفعت فيه كلفة الإنتاج، فيما بات الوصول إلى بعض الحقول بحد ذاته مخاطرة.
موسم تحت الأنقاض
في المنطقة الوسطى من قطاع غزة، يقف المزارع مروان النمس أمام موسم لا يشبه ما عرفه قبل الحرب.
يقول النمس إن محصوله من الزيتون تراجع بصورة حادة، بعدما كانت بعض مواسمه تنتج بين 5 و10 أطنان، بينما لا يتجاوز إنتاجه حالياً نحو طن إلى طنين.
ولا يرى النمس أن تراجع المحصول سببه عامل واحد؛ فالأراضي والأشجار تعرضت للتجريف، فيما أصبح توفير الأسمدة والأدوية الزراعية أكثر صعوبة، وارتفعت كذلك كلفة تشغيل المعاصر، لتصبح كل مرحلة من مراحل الموسم أكثر كلفة وأقل إنتاجاً.
وبالنسبة للمزارع، فإن الخسارة لا تبدأ عند انخفاض كمية الزيتون التي يجمعها؛ فالشجرة التي نجت من التجريف تحتاج إلى سماد وماء وعناية، ثم إلى قطاف ونقل وعصر، وهي سلسلة كاملة أصبحت مثقلة بالنقص وارتفاع التكاليف.
وفي الزوايدة وسط القطاع، يواجه المزارع مروان التعبان، المشكلة ذاتها، فهو يعتمد على الزيتون مصدراً أساسياً لدخل أسرته، ويقول إن ما تبقى من أشجار الزيتون في غزة أصبح محصوراً بدرجة كبيرة في المنطقة الوسطى، بين دير البلح ومحيط النصيرات، ومن شارع صلاح الدين باتجاه البحر، بعدما تعرضت مساحات واسعة في الشمال والجنوب للتجريف.
ويضيف التعبان أن نقص المياه بات عائقاً إضافياً أمام رعاية الأشجار؛ فحتى عندما تتوفر المياه، يحتاج المزارعون إلى مضخات ومحركات لإيصالها إلى الحقول، بينما تأثرت الأشجار أصلاً بنقص الأسمدة وتراجعت قدرتها على إنتاج الثمار.
وكان التعبان ينتج قبل الحرب نحو 5 أطنان من الزيتون، لكنه لا يعرف ما إذا كان سيتمكن هذا الموسم من إنتاج طن واحد.
90 بالمئة من المساحة اختفت
وبحسب أحدث معطيات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فقد القطاع نحو 90 بالمئة من مساحة أراضي الزيتون خلال سنوات الحرب، إذ تراجعت المساحة من نحو 50 ألف دونم قبل الحرب إلى قرابة 5 آلاف دونم فقط.
كما تراجع عدد أشجار الزيتون من قرابة مليوني شجرة إلى نحو 150 ألفاً، بينما انخفض إنتاج الثمار من نحو 40 ألف طن سنوياً إلى قرابة 5 آلاف طن فقط، وانعكس ذلك مباشرة على إنتاج زيت الزيتون، الذي انخفض من نحو 5 آلاف طن إلى 700 طن فقط.
لمتابعة آخر المستجدات الميدانية والسياسية للحرب على غزة اشترك بقناة شمس نيوز على منصة تيلجرام
المعصرة.. المحطة الأخيرة التي تضيق
حتى بعد نجاح المزارع في الوصول إلى أرضه وقطف محصوله، تبدأ مشكلة أخرى وهي عصر الزيتون، فعدد المعاصر القادرة على العمل في القطاع تراجع من نحو 40 إلى 7 فقط، بحسب بيانات المكتب الإعلامي الحكومي.
ويعني ذلك أن انهيار القطاع لم يصب الشجرة وحدها، بل أصاب سلسلة الإنتاج بأكملها، من الأرض، إلى المزارع، إلى العامل، إلى النقل، ثم المعصرة والزيت النهائي.
كما تقلص عدد المزارعين المرتبطين بالقطاع من نحو 20 ألف مزارع إلى ألف مزارع، فيما انخفض عدد العاملين من قرابة 3 آلاف إلى نحو 200 عامل.