غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

تقرير ثلاث سنوات كبرت فيها غزة سريعًا.. أدوار فرضتها الحرب قبل أوانها

شمس نيوز - خاص

ثلاث سنوات فقط فصلت بين حياة كان يعرفها محمد وأم خالد وسامر، وأخرى وجدوا أنفسهم مضطرين إلى التكيف معها. لم تضف الحرب سنوات إلى أعمارهم فحسب، بل بدلت أدوارهم؛ طالب أصبح يحمل مسؤولية أسرته، وأم فقدت زوجها فباتت وحدها في مواجهة مسؤولية أطفالها، وصاحب مشروع كان يخطط للتوسع فيه قبل أن يجد نفسه يبدأ من الصفر.

من طالب إلى معيل

كان محمد في السابعة عشرة من عمره، طالبًا تشغله دراسته وما سيختاره لاحقًا في الجامعة. لم يكن مصروف المنزل أو تأمين احتياجات الأسرة جزءًا من حساباته اليومية.

يقول: «قبل الحرب كان كل تفكيري في الدراسة والجامعة. إذا صار معي مبلغ بسيط كنت أفكر كيف أصرفه على حالي، وما كنت أفكر كيف بدنا نوفر احتياجات البيت».

اليوم، وهو في العشرين، تغيرت أولوياته. يبحث عن أي فرصة عمل متاحة ليساعد أسرته، ويتذكر جيدًا المرة الأولى التي عاد فيها إلى المنزل بطعام اشتراه من المال الذي كسبه بنفسه.

وأكد محمد: «وقتها حسيت إن الموضوع تغير، وإنه صار عليّ مسؤولية. قبل كنت أقلق من امتحان أو علامة، اليوم بفكر شو بقدر أجيب معي للبيت».

ومع ذلك، يقول محمد إن حلم الجامعة لم ينتهِ، لكنه أصبح مؤجلًا أمام مسؤوليات لم تكن موجودة في حياته قبل ثلاث سنوات.

أم تحمل مسؤولية اثنين

أما أم خالد، فقد تغير دورها داخل أسرتها بعد فقد زوجها خلال الحرب، لتجد نفسها وحدها أمام مسؤولية أربعة أطفال.

تتذكر حياتها السابقة باعتبارها بسيطة، يتقاسم فيها الزوجان أعباء المنزل وتربية الأطفال. لكن موقفًا صغيرًا جعلها تدرك حجم التحول الذي طرأ على حياتها.

وتقول أم خالد: «بعد وفاة زوجي طلب مني واحد من الأولاد شغلة، وكنت بدي أحكيله تلقائيًا: لما ييجي أبوك احكيله. وقفت وتذكرت إنه مش راجع. وقتها حسيت فعلًا إني صرت لحالي».

منذ ذلك الحين، أصبحت أم خالد صاحبة القرار والمسؤولة عن تدبير احتياجات أطفالها، إلى جانب محاولة احتواء فقدهم لوالدهم.

وتقول: «قبل لما تصير مشكلة كنت أقول لما يرجع أبو خالد بنشوف شو نعمل. اليوم ما في حدا أستناه. أنا لازم أقرر وأنا لازم أدبر».

ثلاث سنوات مرت عليها، لكنها تقول إنها تشعر بأنها كانت أطول بكثير: «مرات بحس إني كبرت فيهم عشر سنين».

حلم عاد إلى نقطة البداية

سامر بدوره كان قد أمضى سنوات في بناء ورشة النجارة الخاصة به. بدأ عاملًا لدى الآخرين، وادخر تدريجيًا لشراء أدواته ومعداته، حتى أصبح صاحب مشروع يفكر، قبل الحرب، في توسيعه.

لكن سامر فقد ورشته ومعداته، ليجد نفسه أمام بداية جديدة لم يكن يتوقع العودة إليها.

ويقول سامر: «كنت أفكر كيف أكبر الورشة وأجيب معدات جديدة. ما كان يخطر ببالي إني بعد سنوات من الشغل أرجع أفكر كيف أبدأ من جديد».

عاد سامر إلى مهنته بإمكانات محدودة، مستعينًا بما يتوفر له من أدوات. ورغم شعوره بأنه خسر سنوات من البناء، فإنه يرفض اعتبار نفسه قد عاد بالكامل إلى الصفر.

ويؤكد سامر بقوله: «المكان والماكينات راحوا، لكن الخبرة موجودة. قبل الحرب كان حلمي أكبر الورشة، اليوم حلمي أفتح باب ورشة من جديد، حتى لو كانت صغيرة».

لو عاد 6 أكتوبر

حين يُطلب من الثلاثة العودة بذاكرتهم إلى 6 أكتوبر 2023، لا يعودون إلى حدث استثنائي، بل إلى يوم عادي لم يكونوا يعرفون وقتها كم سيصبح عزيزًا عليهم.

محمد يقول إنه لو التقى بنفسه في ذلك اليوم، سيطلب منها أن تستمتع بما كانت تعتبره تفاصيل عادية: «مدرستك، بيتك، قعدتك مع أصحابك، وحتى الطريق اللي بتمشي فيه كل يوم. ما كنت أعرف إنه ممكن ييجي يوم أتمنى ترجع هاي الأشياء».

أما أم خالد، فتعيدها الفكرة إلى بيت كان زوجها حاضرًا فيه. وتقول: «بحكي لنفسي اقعدي أكثر مع عيلتك، ولا تأجلي الأشياء الحلوة لبكرة. ما كنا نعرف إنه ممكن ييجي يوم نتمنى نرجع نقعد مع بعض ولو ساعة».

وسامر يعود إلى ورشته التي كان يغلق بابها كل مساء وهو يفكر في عمل اليوم التالي: «يمكن كنت أوقف فيها شوي وأطلع على كل شيء. وقتها كنت أشوف الماكينات والأدوات أشياء عادية، اليوم بعرف إنها كانت سنوات من عمري موجودة قدامي».

ثلاث سنوات أكبر من عمرها

بين 6 أكتوبر 2023 واليوم، لم تتغير الأماكن والظروف وحدها، بل تغيرت المواقع التي يشغلها هؤلاء داخل حياتهم.

محمد كان يفكر في الجامعة، وأصبح يفكر في احتياجات أسرته. أم خالد كانت تتقاسم مسؤوليات الحياة مع زوجها، وأصبحت تحملها وحدها. وسامر كان يخطط للخطوة التالية في مشروعه، قبل أن يعود للبحث عن الخطوة الأولى.

ثلاث سنوات مرت على التقويم، لكنها في حياة هؤلاء لا تقاس بعدد الأيام وحده، بل بما تبدل خلالها من أدوار ومسؤوليات وأحلام.

ففي غزة، لم يكبر الجميع ثلاث سنوات فقط؛بعضهم اضطر أن يكبر أكثر.