☰
✕

قائمة الموقع

من طفلة تركض إلى كرسي متحرك.. ليان تحلم أن تمشي من جديد

2026-10-05T10:45:00+03:00
الطفلة ليان عسلية
شمس نيوز - نضال أبو شربي

لم تكن ليان عسلية، ذات السبعة أعوام، تعرف أن يوما عاديا في منزلها سيقسم حياتها إلى نصفين؛ حياة كانت تركض فيها وتلعب وتذهب إلى الروضة، وأخرى أصبحت فيها الحركة حلما، والكرسي المتحرك جزءا من تفاصيل يومها.

كانت الطفلة تستعد لبداية عام دراسي جديد، وتحلم بالعودة إلى المدرسة مثل بقية الأطفال، قبل أن تتحول لحظة الفرح إلى مأساة غيّرت حياتها بالكامل.

كانت ليان بجوار والدتها عندما استُهدف منزلهما بثلاثة صواريخ، في لحظات انهار كل شيء، وفقدت الأم والطفلة وعيهما، فيما استيقظت الأم لاحقا داخل المستشفى دون أن تعرف أين ابنتها أو ماذا حل بها.

تقول أم ليان، عسلية، وهي نازحة من مخيم جباليا: "كنت أنا وليان في المكان، وفجأة أطلقت الطائرة ثلاثة صواريخ علينا مباشرة، ارتميت على الأرض وكانت ليان تحتي، وبعدها فقدت الوعي، عندما استيقظت وجدت نفسي في المستشفى، ولم أكن أعرف شيئا عن ليان".

أصيبت الأم بشظايا في أنحاء جسدها، وخضعت لعملية جراحية في البطن، لكن ألمها لم يكن أكبر من قلقها على طفلتها، ظلت تبحث عن أي معلومة تطمئنها عليها، إلى أن علمت بعد نحو 15 يوما أن ليان نُقلت إلى مستشفى المعمداني.

هناك، اكتشفت الأسرة حجم الإصابة التي ستغير حياة الطفلة، فقد اخترقت شظية عمودها الفقري وألحقت أذى بالنخاع الشوكي، ما أدى إلى إصابتها بشلل نصفي وفقدانها القدرة على الحركة.

وتقول والدتها: "عندما عرفنا إصابة ليان كانت حالتها صعبة جدا، الأطباء أخبرونا أنها قد لا تستطيع المشي مرة أخرى، كان الأمر صدمة كبيرة، لأنها كانت طفلة طبيعية تتحرك وتلعب وتذهب إلى الروضة".

كانت تذهب إلى الروضة وتعود، تلعب مع إخوتها، وتتنقل بحرية بين أرجاء المنزل، وتساعد والدتها في بعض أعمال البيت، دون أن يخطر ببالها أن خطواتها الصغيرة ستصبح يوما حلما تتمنى استعادته.

وتقول أمها: "ليان كانت ريحانة الدار، كانت تذهب إلى الروضة وتعود، وتلعب مع إخوتها وتتحرك مثل أي طفلة، فجأة أصبحت لا تستطيع الحركة ولا الذهاب إلى أي مكان إلا بمساعدة أهلها".

ولم تتوقف معاناة الطفلة عند فقدان قدرتها على الحركة؛ فالبقاء لفترات طويلة على ظهرها تسبب في ظهور تقرحات وجروح احتاجت إلى وقت طويل للعلاج، فيما أصبحت بحاجة إلى جلسات علاج وتأهيل وتدليك ومراجعات متكررة للمراكز الصحية والمستشفيات.

وتضيف والدتها: "إصابة ليان لم تغير حياة طفلتنا وحدها، بل غيرت حياة الأسرة بأكملها، عندما كان الأطفال يلعبون، كنا نقول لهم: العبوا أنتم، ولا تجعلوا ليان تشعر بأنها ناقصة، كل شيء أصبح يحتاج إلى مساعدة، وحتى أبسط الأمور لم تعد سهلة".

وتتابع: "كنا نحاول دائما أن نشجعها وألا نشعرها بأنها مختلفة عن باقي الأطفال، لكن وضعها صعب، وهي تحتاج إلى من يساعدها في كل تفاصيل حياتها".

كرسي متحرك

وتحمل جدتها، أم زكي عسلية، في ذاكرتها صورة مختلفة لليان؛ طفلة تتحرك وتلعب وتملأ المكان بصوتها وحضورها، قبل أن تصبح حركتها مرتبطة بكرسي متحرك.

وتقول الجدة: "لم تعد ليان تلك الطفلة التي تركض أمامنا"، وتضيف أن أكثر ما يؤلمها هو رؤية حفيدتها وهي تنظر إلى الأطفال من حولها وتتمنى أن تفعل مثلهم، مشيرة إلى أن الأسرة تحاول باستمرار رفع معنوياتها ومساعدتها على التكيف مع واقعها الجديد.

لكن احتياجات ليان اليومية أصبحت أكبر من قدرة العائلة، خصوصا مع حاجتها المستمرة إلى التنقل بين الخيمة وأماكن العلاج والحمام.

وتوضح جدتها: "لا نستطيع حملها، فوزنها أصبح كبيرا، ولا يمكننا أن نحملها في كل مرة نريد فيها الذهاب إلى مكان ما، حياتها كلها مرتبطة بالكرسي".

كرسي متهالك يحمل يومها

بعد فترة من إصابتها، تمكنت الأسرة، بمساعدة أهل الخير، من الحصول على كرسي متحرك لليان، فأصبح وسيلتها الأساسية للحركة والوصول إلى احتياجاتها اليومية.

لكن بعد نحو عامين من الاستخدام والتنقل المتكرر بين المستشفيات ومراكز العلاج، بدأ الكرسي يتلف ويتكسر، وأصبح غير قادر على تلبية احتياجاتها.

وتقول أم زكي: "هذا الكرسي خدمها قرابة سنتين، لكنه تكسّر من كثرة استخدامه والتنقل به يوميا بين المراكز والمستشفيات، نحن بحاجة إلى كرسي جديد، لأنه أصبح ضرورة في حياتها".

فالكرسي بالنسبة إلى ليان ليس رفاهية ولا وسيلة إضافية، بل هو الطريق الذي تصل من خلاله إلى الحمام، والعلاج، والخيمة، وأي مكان آخر خارجها.

ومع تلف الكرسي، أصبحت حركة الطفلة أكثر صعوبة، فيما تجد الأسرة نفسها أمام احتياج أساسي لا تستطيع توفيره في ظل ظروف النزوح والحياة القاسية.

"نفسي أمشي مثل البنات"

وسط كل هذه التفاصيل، تختصر ليان حكايتها بكلمات قليلة، لكنها تحمل حلما كبيرا.

تقول الطفلة: "أنا نفسي أمشي مثل البنات. نفسي أروح المدرسة وأمشي مثلهم، مش أظل قاعدة على الكرسي. نفسي أطلع مع ماما، وألعب مع أخواتي، وما أظل محبوسة في البيت".

وتتذكر حياتها قبل الإصابة قائلة: "كنت أمشي وأعمل كل شيء لحالي. كنت أروح أجيب المي وأتحرك من مكان لمكان. الآن أنا محتاجة الكرسي في كل شيء".

وحين تتحدث عن كرسيها الحالي، الذي لم يعد صالحا للاستخدام، لا تطلب ليان شيئا كبيرا؛ تريد فقط وسيلة تساعدها على الحركة.

وتقول: "الكرسي خربان، وأنا بدي إياه يكون كويس. بدي أروح فيه على المدرسة، وأروح فيه على الحمام، وأتحرك فيه. أنا بدي الكرسي".

حلم أكبر من الكرسي

رغم إصابتها وما تركته في جسدها وحياتها، ما زالت ليان تتمسك بأحلام طفولتها البسيطة؛ العودة إلى المدرسة، والخروج مع والدتها، واللعب مع أخواتها، والتحرك دون أن تنتظر من يحملها.

وتناشد أسرة ليان أهل الخير والجهات الإنسانية والدولية مساعدتها في توفير كرسي متحرك مناسب للطفلة، يساعدها على الوصول إلى العلاج والمدرسة وقضاء احتياجاتها اليومية بقدر أكبر من الاستقلالية.

فبالنسبة إلى ليان، الكرسي ليس مجرد وسيلة للحركة، بل هو طريقها إلى المدرسة والعلاج والحمام والعالم خارج الخيمة.

هي لا تطلب الكثير؛ تريد كرسيا صالحا تستطيع الاعتماد عليه، وتريد أن تعود إلى المدرسة، وتخرج مع والدتها، وتلعب مع أخواتها، وأن تستعيد شيئا من طفولتها التي توقفت يوم أصابتها الشظية.

لكن حلم ليان لا يتوقف عند كرسي جديد.

فبين طفلة كانت تركض في أرجاء المنزل وكرسي متهالك لم يعد قادرا على حمل تفاصيل يومها، يبقى حلمها الأكبر معلقا: أن تترك الكرسي يوما، وتقف على قدميها، وتمشي من جديد مثل باقي البنات.

اخبار ذات صلة