من صورة السياسي الذي يسعى إلى الإيحاء بأنه مسيطر على زمام الأمور إلى المسؤول الذي يخضع للاستجواب في ملفات فساد، يعرض فيلم “ملفات بيبي” وجها مختلفا لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في محاولة لإعادة قضيته القانونية إلى واجهة النقاش السياسي في أوروبا.
وقالت مخرجة الفيلم الوثائقي “ملفات بيبي ” (The Bibi Files) أليكسيس بلوم، إن عرض فيلمها في البرلمان الأوروبي يهدف إلى تعريف السياسيين الأوروبيين بجانب مختلف من شخصية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وإعادة قضية الفساد التي يواجهها إلى دائرة الاهتمام.
وتحدثت بلوم والصحفية جوليا إينوتشينتسي، ناشرة الفيلم في إيطاليا، إلى الأناضول، عن عرض “ملفات بيبي” بالتزامن في البرلمانين الأوروبي والإيطالي، في 29 سبتمبر/ أيلول الماضي، ويعرض حاليا في دور سينما إيطالية.
ومثل نتنياهو أمام المحكمة المركزية في تل أبيب أكثر من 90 مرة للرد على التهم الموجهة إليه، في 3 ملفات، هي: 2000 و1000 و4000.
ويتعلق “الملف 1000” بحصول نتنياهو وأفراد من عائلته على هدايا ثمينة من رجال أعمال أثرياء، مقابل تقديم تسهيلات ومساعدات، كما يُتهم في “الملف 2000” بالتفاوض مع أرنون موزيس، ناشر صحيفة “يديعوت أحرونوت” الخاصة، للحصول على تغطية إعلامية إيجابية.
فيما تتعلق الاتهامات في “الملف 4000” بتقديم تسهيلات للمالك السابق لموقع “واللا” الإخباري الإسرائيلي شاؤول إلوفيتش، مقابل تغطية إعلامية إيجابية.
ومع استمرار محاكمته في هذه القضايا منذ العام 2020، يواصل نتنياهو إنكار التهم الموجهة إليه مدعيا أنها “حملة سياسية تهدف إلى الإطاحة به”.
وإضافة إلى محاكمته بقضايا الفساد، فإن نتنياهو مطلوب منذ عام 2024 للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة.
وبدعم أمريكي بدأت إسرائيل في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 حرب إبادة جماعية بغزة، ما خلف أكثر من 74 ألف شهيد وما يزيد على 175 ألف جريح فلسطيني، معظمهم أطفال ونساء، ودمارا طال 90 بالمئة من البنى التحتية، مع تكلفة إعادة إعمار قدرتها الأمم المتحدة بنحو 70 مليار دولار.
البداية
وحول كيفية ولادة فكرة الفيلم، أوضحت بلوم أن تسريب جزء صغير من تسجيلات استجوابات السلطات الإسرائيلية لنتنياهو كان الشرارة التي دفعت إلى بدء المشروع.
وقالت بلوم إنها حصلت على التسجيلات قبيل 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، مضيفة: “كنت أعلم أن الأمور سيئة في إسرائيل، لكنني كلما تعمقت في العمل، اكتشفت أن الوضع أسوأ مما كنت أتصور”.
وأشارت المخرجة إلى أن الاتهامات الموجهة إلى نتنياهو بالغة الخطورة، لكنها لفتت إلى أن القضية تراجعت عن دائرة اهتمام الرأي العام الدولي في ظل التطورات التي تشهدها إسرائيل والمنطقة.
الهدف
وقالت المخرجة الجنوب إفريقية إن أحد أهدافها من إعداد الفيلم كان الحيلولة دون نسيان الوضع القانوني الذي يواجهه نتنياهو.
وأكدت إيمانها بأهمية قول الحقيقة في مواجهة السلطة، مشيرة إلى ضرورة أخذ القضية التي يواجهها نتنياهو في الاعتبار عند تقييم قراراته السياسية.
وقالت بلوم إن الحرب الإسرائيلية على غزة أثرت على الاهتمام بالقضية المرفوعة ضد نتنياهو.
وأضافت: “الحرب حولت انتباه المجتمع إلى اتجاه آخر. وطالما استمرت الحرب، يستطيع نتنياهو القول إن هناك وضعًا أمنيًا خطيرًا وإن قضيته ليست مهمة”.
وشددت المخرجة على أن هدف الفيلم هو إتاحة المجال أمام المشاهدين لتكوين تقييم خاص للعلاقة بين الوضع القانوني لنتنياهو وأفعاله في الشرق الأوسط.
مواقف أوروبية
وقالت بلوم إن أحد أسباب إنتاجها للفيلم، محاولة تغيير مواقف السياسيين الذين يشاهدون الفيلم تجاه نتنياهو.
وأضافت: “آمل ذلك. صنعت هذا الفيلم لتذكير الناس بالوضع الذي يواجهه نتنياهو، ولتمكينهم من رؤية أفعاله في الشرق الأوسط في ضوء الوضع القانوني الخطير الذي يواجهه”.
الوجه الآخر
وأوضحت بلوم أن المشاهد يرى في الفيلم صورة مختلفة لنتنياهو عن تلك التي اعتادها، مشيرة إلى الفارق بين صورته المحسوبة في المحافل الدولية وبين أسلوبه أثناء استجوابه.
وقالت: “عندما يجري مقابلة باللغة الإنجليزية أو يذهب إلى الأمم المتحدة، يبدو وكأنه مسيطر تمامًا على الموقف. لكن في الفيلم، نراه وهو يجيب عن أسئلة سلطات بلده. وأعتقد أن هذا يظهره من زاوية مختلفة تمامًا”.
وأشارت بلوم إلى أنها التقت نتنياهو شخصيًا في وقت سابق، وأنها أرادت إجراء مقابلة معه، لكنها لم تتلق ردًا إيجابيًا على طلبها.
وفيما يتعلق بالتأثير الذي يمكن أن يحدثه الفيلم في الرأي العام، أشارت بلوم أيضًا إلى دور الناخبين في إسرائيل، قائلة إن الرأي العام مهم، وإن المستقبل السياسي لنتنياهو سيتحدد في الانتخابات.
ومن المقرر أن تجري الانتخابات العامة في إسرائيل في 27 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري.
تحريك المؤسسات الأوروبية
من جانبها، قالت الصحفية جوليا إينوتشينتسي، ناشرة الفيلم في إيطاليا إنها ترى في “ملفات بيبي” أكثر من مجرد فيلم وثائقي، معتبرة أنه سجل مهم يساعد على فهم التحقيق في قضية الفساد المتهم فيها، منذ سنوات.
وأضافت أن نتنياهو تحالف مع أحزاب اليمين المتطرف للحفاظ على دعمه السياسي في ظل الاتهامات الموجهة له.
وأضافت أن السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين لا يمكن فصلها عن هذه التطورات، مؤكدة ضرورة ألا يتجاهل صناع القرار في أوروبا الصورة التي يعرضها الفيلم.
الإبادة
وعن الهدف من عرض الفيلم في البرلمان الأوروبي، قالت إينوتشينتسي: “الأمم المتحدة قالت إن ما يحدث في غزة إبادة جماعية، وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق نتنياهو، لكن لا شيء يحدث هنا، في البرلمان الأوروبي”.
وأضافت: “البرلمان الأوروبي والقادة الأوروبيون صامتون. لا يقولون شيئًا ضد نتنياهو، ويواصلون اتفاقياتنا التجارية. ولم تُفرض عقوبة واحدة على حكومة نتنياهو أو على ما تفعله”.
وأوضحت أن عرض هذا الفيلم الوثائقي في البرلمان الأوروبي له أهمية كبيرة، وقالت: “لم يعد بإمكان السياسيين تجاهل الأمر أو الاستمرار في صمتهم، وعليهم أن يرفعوا أصواتهم”.
وأكدت أن الرأي العام يطالب بالوقوف في وجه نتنياهو والدفاع عن الشعب الفلسطيني، “وهذا هو سبب عرضنا الفيلم”.
وتابعت: “نحن نهز المؤسسات الأوروبية ونطالبها بالتدخل ضد حكومة نتنياهو وانتهاكات نتنياهو لحقوق الإنسان”.
وتطرقت إينوتشينتسي كذلك إلى الهدايا المذكورة في ملفات الفساد المتعلقة بنتنياهو، وقالت في هذا الإطار إن الهدايا الباهظة التي تلقاها من مليارديرات والمصالح التي جرى تقديمها مقابل تلك الهدايا، تظهر أهمية التحقيق.
ولفتت إلى أن قادة إسرائيليين آخرين واجهوا اتهامات مماثلة ودخلوا السجن.
وأشارت إلى أن نتنياهو يريد البقاء في السلطة، معتبرة أن قضيته ينبغي النظر إليها في هذا الإطار.
وأعربت عن اعتقادها بأن جمهور الفيلم سيطرح مزيدًا من الأسئلة حول الحرب في غزة والتطورات السياسية في إسرائيل.
عرض الفيلم بإيطاليا
وأكدت إينوتشينتسي أن الفيلم وصل، بعد عرضه في البرلمان الأوروبي، إلى شريحة واسعة من الجمهور في إيطاليا، عبر 130 دار سينما في أنحاء البلاد.
ولفتت إلى نفاد تذاكر بعض العروض، وقالت: “الناس يريدون معرفة ما يحدث في إسرائيل وفلسطين”.
وأضافت إينوتشينتسي أنها تأمل أن تدفع العروض في إيطاليا موزعي الفيلم في دول أخرى إلى التحرك، وأن تسهم في وصوله إلى شريحة أوسع من الرأي العام.