يصادف اليوم، السادس من تشرين الأول/أكتوبر، ذكرى معركة الشجاعية التي خاضها أربعة من مقاومي حركة الجهاد الإسلامي في قطاع غزة عام 1987، في مواجهة قوات الاحتلال الإسرائيلي، في واحدة من أبرز المحطات التي سبقت اندلاع انتفاضة الحجارة، وأسهمت في إشعال حالة الغضب الشعبي التي امتدت في قطاع غزة والضفة الغربية.
ولم تكن معركة الشجاعية مجرد اشتباك عسكري عابر، بل جاءت تتويجا لمسار متصاعد من العمل المقاوم الذي كانت حركة الجهاد الإسلامي قد بدأت في تأسيسه داخل قطاع غزة في بداية ثمانينيات القرن الماضي، في ظل واقع فلسطيني اتسم آنذاك بتصاعد الاحتلال وتراجع الرهان على الحلول السياسية والمواقف العربية الرسمية.
ومع مرور السنوات، تحولت المعركة إلى محطة مفصلية في تاريخ العمل العسكري الفلسطيني، بعدما قدم أربعة من مقاتلي الجهاد الإسلامي حياتهم في مواجهة مباشرة مع قوات الاحتلال، لتتحول جنازاتهم ومراسم تشييعهم إلى شرارة غضب شعبي ساهمت في الدفع نحو انتفاضة الحجارة التي اندلعت في كانون الأول/ديسمبر 1987 واستمرت لسنوات.
النشأة.. من الفكرة إلى العمل المقاوم
ظهرت حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، في سياق فلسطيني وعربي شهد تحولات عميقة بعد سنوات من الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وتراجع العمل الفدائي التقليدي، واتساع مساحة الجدل حول طبيعة المشروع الوطني الفلسطيني ووسائل مواجهة الاحتلال.
وسعى مؤسس حركة الجهاد الإسلامي الشهيد الدكتور المفكر فتحي الشقاقي إلى الجمع بين البعد الإسلامي والقضية الفلسطينية، مع التركيز على مقاومة الاحتلال باعتبارها جوهر المشروع، والانتقال من حالة الرفض الفكري والسياسي إلى بناء تنظيم قادر على ممارسة العمل المقاوم على الأرض.
وفي قطاع غزة، بدأت الحركة تدريجيا في بناء خلاياها وتنظيم كوادرها، في وقت كانت فيه أجهزة الاحتلال تفرض رقابة أمنية مشددة على النشاط الفلسطيني، الأمر الذي دفع العمل العسكري إلى الاعتماد على مجموعات صغيرة تتحرك بسرية وتنفذ عمليات محددة ضد أهداف إسرائيلية.
ومع منتصف الثمانينيات، بدأ اسم الجهاد الإسلامي يظهر بصورة أوضح في المشهد المقاوم، بالتزامن مع تصاعد العمليات العسكرية ضد قوات الاحتلال وعملائه، وتنامي قناعة داخل الحركة بأن المواجهة المسلحة يجب أن تكون جزءا أساسيا من مسار الصراع.
الهروب الكبير.. كسر هيبة السجون
وفي أيار/مايو 1987، سجلت الحركة واحدة من أبرز محطاتها النضالية من خلال عملية الهروب الكبير من سجن غزة المركزي، والتي قادها الشهيد مصباح الصوري، وتمكن خلالها عدد من الأسرى من كسر منظومة السجن والإفلات من قبضة الاحتلال.
وكان من بين منفذي عملية الهروب الكبير الشهيدان سامي الشيخ خليل ومحمد الجمل، اللذان سيصبحان بعد أشهر أحد أبرز رموز معركة الشجاعية.
ولم تكن عملية الهروب مجرد حدث أمني بالنسبة للاحتلال، بل مثلت ضربة لمنظومته الأمنية في القطاع، ورسالة بأن الاعتقال والملاحقة لم ينجحا في إنهاء النشاط المقاوم.
سلسلة عمليات أربكت الاحتلال
بعد عملية الهروب، واصلت الخلايا العسكرية نشاطها، ونفذت عددا من العمليات النوعية التي وضعت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أمام تحد متصاعد.
ومن بين العمليات التي نسبت إلى عناصر مرتبطة بالخلية إطلاق النار على مركبة إسرائيلية في جباليا، حيث أطلقت 17 رصاصة وأصيب اثنان من ركابها، أحدهما جندي بجروح خطيرة.
كما شهدت تلك الفترة اغتيال ضابط المخابرات الإسرائيلي جليل غروسي في أيار/مايو 1987 شرقي حي الشجاعية.
وفي آب/أغسطس من العام نفسه، نفذ الشهيد مصباح الصوري عملية إطلاق نار استهدفت العقيد رون طال، قائد الشرطة العسكرية الإسرائيلية في غزة والمسؤول عن معتقل أنصار 2، في قلب مدينة غزة.
هذه العمليات المتلاحقة عكست انتقال العمل المقاوم إلى مرحلة أكثر تنظيما، وأظهرت قدرة الخلايا الصغيرة على الوصول إلى أهداف أمنية وعسكرية حساسة للاحتلال.
6 تشرين الأول 1987.. يوم معركة الشجاعية
في مساء السادس من تشرين الأول/أكتوبر 1987، تحركت سيارة من نوع "بيجو 504" كانت تقل أربعة من عناصر الخلية العسكرية التابعة للجهاد الإسلامي باتجاه شمال قطاع غزة.
وبحسب ما أوردته صحيفة "معاريف" العبرية آنذاك، أثارت المركبة شكوك قوات الاحتلال بعد الاشتباه بوجود سلاح بحوزة أحد ركابها.
وعندما رفضت المركبة التوقف، بدأت مطاردة في الشوارع الفرعية لحي الشجاعية، قبل أن تصل إلى الشارع الرئيسي المؤدي إلى حاجز ناحل عوز.
وقبل نحو 300 متر من الحاجز، اندلع اشتباك مباشر بين أفراد الخلية وقوة إسرائيلية ضمت عناصر من الجيش والشرطة وجهاز المخابرات "الشاباك".
وخاض المقاومون الاشتباك من مسافة قريبة، وتمكنوا من إصابة ضابط المخابرات الإسرائيلي فيكتور أرجوان إصابة قاتلة في صدره.
ولم تتوقف المواجهة عند هذا الحد، إذ استقدمت قوات الاحتلال تعزيزات عسكرية كبيرة إلى المكان، شملت وحدات إضافية وطائرات مقاتلة، قبل أن تنتهي المعركة باستشهاد أفراد الخلية الأربعة.
أربعة مقاتلين في مواجهة جيش الاحتلال
ضمت الخلية أربعة مقاومين من حركة الجهاد الإسلامي وهم: (سامي الشيخ خليل - محمد الجمل - زهدي قريقع - أحمد حلس).
وكان اثنان من أفرادها، سامي الشيخ خليل ومحمد الجمل، من الأسرى الذين تمكنوا من الفرار من سجن غزة المركزي في عملية الهروب الكبير قبل أشهر.
وبذلك لم تكن معركة الشجاعية مواجهة عسكرية منفصلة عن سياق الأحداث السابقة، وإنما جاءت في ذروة مرحلة من تصاعد العمل المقاوم، الذي بدأ يضغط على المنظومة الأمنية الإسرائيلية في قطاع غزة.
من المعركة إلى الشارع الفلسطيني
كان الاحتلال يراهن في تلك المرحلة على إبقاء قطاع غزة تحت السيطرة الأمنية، ومنع انتقال العمليات المسلحة إلى حالة شعبية واسعة.
لكن استشهاد أفراد الخلية الأربعة، وهم من أبناء قطاع غزة، أحدث حالة غضب واسعة، وتحولت مراسم تشييعهم إلى تجمعات شعبية ومواجهات مع قوات الاحتلال.
ومع تصاعد الاحتجاجات، بدأت شرارة الغضب تنتقل من حي إلى آخر، ومن قطاع غزة إلى الضفة الغربية، في مشهد سبق الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي اندلعت في كانون الأول/ديسمبر 1987.
ومن هنا ارتبط اسم معركة الشجاعية في الذاكرة الفلسطينية بمرحلة الانتقال من العمليات العسكرية المحدودة إلى المواجهة الشعبية الواسعة، بعدما أصبحت حالة الغضب التي أنتجتها المعركة جزءا من المناخ الذي سبق اندلاع انتفاضة الحجارة.
المواقف السياسية.. كسر الرهان على الهدوء
لم تقتصر تداعيات المعركة على الجانب الأمني والعسكري، إذ جاءت في مرحلة كانت فيها القضية الفلسطينية تعيش حالة من الجمود السياسي، بينما كان الاحتلال يحاول فرض واقع جديد يقوم على استمرار السيطرة الأمنية والاستيطانية واحتواء المقاومة.
وأظهرت معركة الشجاعية أن سياسة القمع والاعتقال لم تنجح في إنهاء العمل المقاوم، وأن النشاط العسكري الفلسطيني بدأ يتخذ شكلا أكثر تنظيما وقدرة على الوصول إلى أهداف الاحتلال.
كما كشفت المعركة عن اتساع الفجوة بين الواقع الذي كان يفرضه الاحتلال على الأرض وبين المزاج الشعبي الفلسطيني الذي كان يتجه نحو الانفجار.
وكانت الصحافة الإسرائيلية قد أبدت بعد المعركة مخاوف من اتساع دائرة المواجهة، في ظل تنامي الغضب الشعبي في قطاع غزة.
وبالفعل، لم تمض سوى أسابيع حتى اندلعت انتفاضة الحجارة في كانون الأول/ديسمبر 1987، لتدخل القضية الفلسطينية مرحلة جديدة من المواجهة الشعبية والسياسية استمرت نحو سبع سنوات.
الشجاعية.. محطة في تاريخ الجهاد الإسلامي
وبعد نحو أربعة عقود، بقيت معركة الشجاعية واحدة من أبرز المحطات التي تستحضرها حركة الجهاد الإسلامي عند الحديث عن بدايات تجربتها العسكرية، باعتبارها معركة جمعت بين العمل التنظيمي السري والمواجهة المباشرة مع الاحتلال، وأظهرت قدرة خلايا صغيرة على إرباك أجهزة الأمن والجيش الإسرائيلي.
كما بقيت أسماء سامي الشيخ خليل ومحمد الجمل وزهدي قريقع وأحمد حلس حاضرة في الذاكرة التنظيمية للحركة، بوصفهم من أوائل مقاتليها الذين خاضوا مواجهة مفتوحة مع قوات الاحتلال قبل أسابيع من اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى.
وهكذا، لم تنته معركة الشجاعية بانتهاء الاشتباك في شوارع الحي، بل امتدت آثارها إلى الشارع الفلسطيني، وأسهمت في خلق مناخ جديد من المواجهة، انتقل خلاله الصراع من عمليات عسكرية محدودة إلى انتفاضة شعبية واسعة، أعادت القضية الفلسطينية إلى واجهة المشهد الإقليمي والدولي.
وبين ذكرى المعركة اليوم، وما تلاها من أحداث، تبدو الشجاعية واحدة من المحطات التي يصعب فصلها عن التحولات التي شهدتها الساحة الفلسطينية في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، حين بدأت مرحلة جديدة من الصراع عنوانها المقاومة الشعبية والمواجهة المفتوحة مع الاحتلال.