يرى الكاتب والمحلل السياسي اليمني خالد رويحه، أن حفاظ حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين على المبادئ والفكرة التي تأسست عليها قبل 39 عاما على يد المؤسس الدكتور الشهيد فتحي الشقاقي ورفاقه، تجسد قوة الحركة في مواجهة التحولات السياسية والميدانية والإقليمية المتلاحقة لا سيما ما تشهده فلسطين منذ معركة "طوفان الأقصى".
وأوضح الكاتب رويحه في حوار خاص لـ"شمس نيوز" اليوم الثلاثاء في الذكرى الـ39 للانطلاقة الجهادية لحركة الجهاد الإسلامي، أن حركة الجهاد واجهت مسار طويل من الاختبارات السياسية والفكرية؛ إلا أنها لم تحيد ولم تنحرف عن بوصلتها الأساسية وتمسكها بخيار المقاومة لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي وتحرير كامل الأراضي الفلسطينية.
وأكد أن المشهد الفلسطيني خلال عقود الانطلاقة الجهادية لحركة الجهاد الإسلامي شهد تغيرات وتحولات عميقة إلا أن الحركة لم تتخلَ مطلقًا عن الثوابت الفلسطينية والإسلامية، ما يدلل على سلامة فكرها ووعي قادتها في مواجهة كل التحديات التي تشهدها فلسطين.
أي بوصلة لا تشير إلى القدس فهي مشبوهة
وأشار إلى أن حفاظ الجهاد الإسلامي على الثوابت والمبادئ التي تأسست عليها جعلها من أبرز الفصائل الفلسطينية حضورا سياسيا وشعبيا، لافتا إلى أن حضور الجماهير لمهرجان ذكرى انطلاقتها السابقة يحمل دلالات ورسائل قوية للاحتلال الإسرائيلي واعوانه.
وقال: "إن التفاف الجماهير الفلسطينية حول خيار المقاومة التي تمثله حركة الجهاد الإسلامي يثبت قوة نهجها وسلامة فكرها في مواجهة الاحتلال".
وشدد على أن القضية الفلسطينية بالنسبة لحركة الجهاد الإسلامي ليست مجرد مرحلة سياسية مؤقتة إنما قضية ممتدة تتطلب الصبر والاستمرارية والقدرة على التعامل مع التحولات والحفاظ على المواقف والثوابت التي أسسها الشقاقي حينما قال: " أي بوصلة لا تشير إلى القدس فهي مشبوهة"
ولفت إلى أن المقاومة المسلحة التي تتمسك بها حركة الجهاد الإسلامي في مواجهة الاحتلال والتي تحمي البوصلة الحقيقية صوب القدس ليست تفصيلا هامشيا في المشروع الفلسطيني، بل إحدى أدوات الدفاع عن الحقوق الوطنية ومواجهة واقع الاحتلال.
وبين أن المنطقة على جميع المستويات "الفلسطيني والإقليمي والدولي" شهدت على مدار الـ39 عاما تغيرات وتحولات متلاحقة، وقد تبدلت التحالفات وانقسم المشهد في فلسطين وتعمقت الخلافات العربية، إلا أن حركة الجهاد الإسلامي حافظت على خصوصية موقعها داخل الساحة الفلسطينية وجعلت الاحتلال قضية مركزية في خطابها وممارساتها، وألا تتحول إلى طرف في صراعات النفوذ الداخلية.
وأضاف: "الجهاد الإسلامي اختارت أن تكون سياستها مرتبطة أساسًا بالقضية الوطنية ومواجهة الاحتلال، وأن تضع البوصلة الوطنية فوق حسابات الصراع على النفوذ والسلطة، وقد منحها ذلك مساحة مختلفة في المشهد الفلسطيني، لأن الجمهور الفلسطيني يستطيع أن يميز بين الفصيل الذي يجعل أولويته الصراع على السلطة، والفصيل الذي يحاول إبقاء بوصلته باتجاه الاحتلال والقضية الوطنية.
محطة مفصلية
وفيما يتعلق بمشاركة حركة الجهاد الإسلامي في معركة "طوفان الأقصى" التي انطلقت في السابع من أكتوبر عام 2023 أكد الكاتب اليمني أن مشاركتها في المعركة الكبرى تُمثل محطة مفصلية في تاريخ الحركة لأنها جاءت في لحظة انتقل فيها الصراع إلى مستوى غير مسبوق من حيث اتساعه وتأثيره وتداعياته.
وشدد على أن معركة الطوفان لم تكن حدثًا منفصلًا عن المسار السابق للحركة، بل جاءت امتدادًا لتجربة طويلة راكمتها الحركة سياسيًا وميدانيًا، وجاءت في سياق رؤيتها للصراع مع الاحتلال.
ويعتقد الكاتب اليمني أن معركة طوفان الأقصى أعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي، وأعادت طرح أسئلة ظن البعض أن الزمن تجاوزها، وفي مقدمتها الاحتلال والاستيطان والقدس واللاجئون وحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.
في حين أشار إلى أن المشاركة في الطوفان يؤكد أن الجهاد الإسلامي ما زالت ترى المقاومة جزءًا أساسيًا من معادلة الصراع، وأنها قادرة على العمل ضمن المشهد الفلسطيني الأوسع، رغم اختلاف الأدوار والتوجهات بين الفصائل.
بعد الطوفان ليس كما قبله
وفيما يتعلق بالمخاطر التي تواجه الجهاد الإسلامي بعد مشاركتها في معركة "طوفان الأقصى" أشار الكاتب اليمني خالد رويحه، أن الجهاد ستدخل مرحلة مختلفة عما سبق، لأن ما بعد الطوفان ليس كما قبله.
ولفت إلى أن القضية الفلسطينية كلها دخلت مرحلة إعادة تعريف واسعة، ليس فقط على المستوى العسكري، وإنما على مستوى السياسة والمجتمع الدولي ومستقبل غزة وشكل النظام السياسي الفلسطيني، مشيرًا إلى حركة الجهاد الإسلامي ستكون أمام تحدي كبير للحفاظ على حضورها الوطني والمقاوم.
ويعتقد الكاتب اليمني أن قوة الجهاد الإسلامي في المرحلة المقبلة لن تقاس فقط بحجم حضورها الميداني، وإنما أيضًا بقدرتها على تحويل تراكمها السياسي والميداني إلى حضور مؤثر في صياغة الموقف الفلسطيني.
ويرى أن المقاومة في أي مرحلة لا تحتاج فقط إلى القدرة على المواجهة، وإنما تحتاج أيضًا إلى القدرة على قراءة اللحظة السياسية، وإدارة العلاقات الفلسطينية، والحفاظ على القرار المستقل، مشددا على أن مستقبل الجهاد الإسلامي سيكون مرتبطًا بقدرتها على الجمع بين الثبات على المبادئ والمرونة في إدارة المتغيرات، وبين الحفاظ على هويتها السياسية والوطنية والاستجابة لمتطلبات مرحلة جديدة فرضتها التحولات المتسارعة.
تحديات محلية وإقليمية ودولية
وفيما يتعلق بالتحديات الكبيرة التي تواجه الحركة إقليميا ودوليا أشار خالد رويحه إلى أن المرحلة لم تعد مواجهة عسكرية مباشرة فقط، إنما هي حرب سياسية وإعلامية واقتصادية ودبلوماسية، وهناك محاولات لإعادة صياغة المشهد الفلسطيني بطريقة تفصل بين الشعب الفلسطيني وقضيته، أو تجعل القضية مجرد ملف إنساني وإغاثي بدل كونها قضية احتلال وحقوق وطنية.
ومن بين التحديات الأخرى التي تواجه حركة الجهاد الإسلامي هو تحدي الانقسام الفلسطيني، لأن استمرار الانقسام يمنح الاحتلال مساحة أكبر للمناورة، ويضعف القدرة الفلسطينية على بناء موقف وطني جامع.
في حين أن ما تتعرض له الحركة على المستوى الإقليمي، قال: "هناك تغيرات متسارعة في التحالفات والحسابات، ولذلك تحتاج الحركة إلى الحفاظ على استقلالية قرارها وعدم السماح بتحويل القضية الفلسطينية إلى مجرد ورقة في صراعات إقليمية".
ويعتقد الكاتب اليمني رويحه، الثبات الحقيقي هو أن تحافظ الجهاد الإسلامي على جوهر قضيتها، بينما تطور أدواتها السياسية والإعلامية والتنظيمية بما يتناسب مع طبيعة المرحلة، قائلًا: "الظروف تتغير، والأدوات تتطور، لكن جوهر القضية لا ينبغي أن يصبح رهينة لتغير موازين القوى، وهذه هي المعادلة الأصعب أمام أي حركة تحمل مشروعًا وطنيًا ممتدًا".
رسالة من اليمن لغزة
ووجه الكاتب والمحلل السياسي اليمني خالد رويحه في ختام الحوار رسالة إلى مقاتلي حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين قائلًا: "إن قيمة أي تجربة مقاومة لا تقاس فقط بعدد السنوات، وإنما بقدرتها على الحفاظ على معناها وسط أصعب الظروف، فأنتم أمام اختبار تاريخي جديد، عنوانه الحفاظ على القضية في زمن يحاول فيه البعض إعادة تعريفها وفق موازين القوة والمصالح السياسية".
وأضاف: "أهلنا في غزة، نقول لكم إن صمودكم لم يعد شأنًا فلسطينيًا داخليًا فقط، بل أصبح حدثًا أعاد تشكيل الوعي السياسي في المنطقة والعالم، وما قدمه الشعب الفلسطيني من صمود وتضحيات سيبقى حاضرًا في ذاكرة الأجيال، مهما حاول الاحتلال ومن يقف خلفه طمس هذه الحقيقة.
وتابع قوله: "من اليمن، نرسل لكم رسالة واضحة: إن المسافة بين صنعاء وغزة لا تقاس بالكيلومترات عندما تكون القضية واحدة، ففلسطين حاضرة في وجدان اليمن، وغزة حاضرة في ذاكرته، والقدس تبقى عنوانًا جامعًا لكل من يرى أن الاحتلال لا يمكن أن يتحول إلى حقيقة دائمة لمجرد أن الزمن طال".
وشدد على أن ما يجمع اليمن وفلسطين ليس موقفًا عابرًا فرضته ظروف سياسية مؤقتة، وإنما شعور عميق بأن قضايا الحرية والكرامة لا تعرف حدودًا جغرافية، وأن الشعوب قد تختلف في مواقعها، لكنها تستطيع أن تلتقي حول قضية عادلة.