يرى المحلل العسكري خالد غرير، أن الاستنزاف الطويل الذي تعرضت له فصائل المقاومة الفلسطينية خلال الحرب أثَّر بشكل كبير على قدراتها الميدانية، ولا سيما سرايا القدس وكتائب القسام، إلا أن ذلك لا يعني انتهاء قدرتها على مواصلة القتال، بالنظر إلى طبيعة عملها التي تختلف عن نمط الجيوش النظامية.
وأوضح المحلل غرير لـ"شمس نيوز"، أن الواقع الصعب الذي عاشته فصائل المقاومة أثر بشكل كبير على قدرتها عموماً، والسرايا والقسام على وجه الخصوص، بسبب الاستنزاف الطويل، لكنه أشار إلى أن المقاومة لا تنتهج نهج الجيوش الكلاسيكية، ما يجعل قدرتها على الاستمرار في القتال قائمة حتى في ظل تراجع بعض إمكاناتها.
وبيَّن أن مخزون المقاومة من الصواريخ تراجع، كما انخفض عدد العبوات وورشات التصنيع، مقابل زيادة أعداد المقاتلين وبقاء الأنفاق والبنى التحتية، إلى جانب استمرار بعض الوحدات الميدانية التي لا تتأثر بالاستنزاف بالدرجة ذاتها، مثل وحدات القنص.
وأكد المحلل غرير أن أي رهان صهيوني على أن المقاومة انتهت هو رهان خاسر، مع إقراره بأن وضع المقاومة صعب ميدانياً، لكنه أكد أن استمرار القتال وتكبيد الاحتلال مزيداً من الخسائر يبقى خياراً وارداً على المستوى الميداني.
وفيما يتعلق بقدرة المقاومة على مواجهة التفوق التكنولوجي الإسرائيلي، أوضح أن طبيعة المعركة والتكتيكات التي اتبعها الاحتلال دفعت فصائل المقاومة إلى تطوير أساليب للتكيف مع الميدان والتغلب على بعض العقبات التكنولوجية.
وضرب مثالاً بمحاولات الاحتلال استخدام الذكاء الاصطناعي لتشخيص المقاتلين وتحييدهم، مشيراً إلى أن مقاتلي سرايا القدس لجؤوا إلى أساليب ميدانية لتضليل خوارزميات الرصد، من بينها التنقل وهم يرتدون البطانيات رغم الحر وثقل العتاد، موضحاً أن ذلك كان يهدف إلى إرباك أنظمة الرصد المعتمدة على تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وأضاف أن الأنفاق وفرت للمقاومة طرق اقتراب وانسحاب ونقاط تجمع مخفية عن وسائل الرصد المتطورة، لافتاً إلى أن المعارك في خانيونس ومناطق أخرى أظهرت قدرة المقاومة على استهداف الدبابات الإسرائيلية خلال القتال داخل المدن.
وعن العامل البشري والعقيدة القتالية، قال المحلل غرير إن المقاومة فكرة، والفكرة وليدة عقيدة مجتمعية، معتبراً أن المقاتل الفلسطيني هو ابن بيئته ويرفض ما يراه من ظلم يقع على أهله ومجتمعه.
وأوضح أن العقيدة القتالية تمثل عاملاً مؤثراً في أداء المقاتلين، مشيراً إلى أن المقاتل الفلسطيني، وخصوصاً أصحاب الفكر الإسلامي في سرايا القدس وغيرها، لا يقاتلون بالضرورة للنصر، وإنما يقاتلون لتكبيد العدو خسائر كخطوة تقربهم من النصر.
وأضاف أن هذه العقيدة تجعل المقاتل، في كثير من الأحيان، مستعداً للقتال وهو يدرك احتمال مقتله، معتبراً أن عدم الخوف من الموت والدمار يربك المستوى العسكري الصهيوني ويفقده أوراق ضغط لطالما ظن أنها رادعة بما يكفي.
وأشار إلى أن عودة النازحين الفلسطينيين إلى شمال قطاع غزة عقب وقف إطلاق النار، رغم ما تعرض له من حصار ودمار، شكَّلت أحد أشكال المقاومة الشعبية وتحدياً للاحتلال.
وحول أداء سرايا القدس خلال الحرب، قال المحلل غرير إن السرايا تمثل القوة رقم 2 في قطاع غزة، مشيراً إلى أنها انتقلت من خلايا غير منظمة إلى تشكيل شبه عسكري متجانس ومتعدد الوحدات، تمكن من مواكبة الحرب والتصعيد.
وأضاف أن السرايا كانت، الفصيل الذي لم يغب عن مواجهة ضد الاحتلال، ما وضعها في صدارة الفصائل التي شاركت في القتال.
ورغم إشارته إلى أن إمكانات كتائب القسام كانت أعلى لوجستياً، قال إن سرايا القدس تمكنت من تصنيع وإطلاق صواريخ ثقيلة وبعيدة المدى، واستخدام الطائرات المسيرة بشكل محدود، إلى جانب العبوات الناسفة وتشكيلة واسعة من الصواريخ المحلية وقذائف الهاون.
وخلص "غرير" إلى أن هذا الأداء لا يمكن أن يُقيّم عسكرياً إلا بشكل إيجابي، معتبراً أنه يمثل نتاج سنوات من الإعداد والتجهيز وحسن الاستفادة من الموارد المحدودة في ظل الحصار.