أُوقف المدير السابق لجهاز الاستخبارات الخارجية الألمانية (بي إن دي)، أوغست هانينغ، بشبهة التجسس، بحسب ما أعلنت النيابة العامة الفدرالية، اليوم الثلاثاء، في قضية وصفتها تقارير ألمانية بأنها "أكبر فضيحة تجسس تشهدها ألمانيا في هذا القرن".
وأفادت النيابة العامة في بيان "يُشتبه بقوة في أن هانينغ ارتكب أعمال تجسس تُشكّل خيانة للدولة... وجمع معلومات تندرج ضمن أسرار الدولة".
وبحسب النيابة العام، فإنه يُشتبه به كذلك في "محاولة ارتكاب خيانة عظمى... والعمل كعميل لصالح جهاز استخبارات".
وقاد هانينغ جهاز الاستخبارات الخارجية من كانون الأول/ ديسمبر 1998 إلى تشرين الثاني/ نوفمبر 2005.
والتهم الموجهة إلى هانينغ: التجسس على أسرار الدولة، والخيانة العظمى، والتجسس لصالح دولة أجنبية.
وأفادت صحيفة "بيلد" الألمانية بأن هانيغ يُشتبه في أنه اشترى معلومات سرية مقابل مبالغ مالية من موظف سابق في هيئة قيادة المخابرات الاتحادية؛ بهدف "إعادة بيعها في إطار نشاطه الاستشاري". وتتولى النيابة العامة الاتحادية التحقيق معه.
ووفقًا لتقرير "بيلد"، فقد اعتقل محققون من المحققين التابعين للمكتب الاتحادي للشرطة الجنائية (BKA) هانيغ في ساعة مبكرة من الصباح داخل منزله في بلدة "نوردفالده" بالقرب من مدينة مونسستر.
وفي الوقت نفسه، ألقت الشرطة في ولاية بافاريا القبض على مسؤول سابق آخر رفيع المستوى في الجهاز؛ وهو مانفريد د.، الذي عمل سابقًا مديرًا لمكتب هانيغ، واستمر في عمله لدى المخابرات الاتحادية حتى ربيع عام 2026.
وبناءً عليه، من المقرر أن يُعرض الموظف "د."، اليوم، أمام محكمة العدل الاتحادية الألمانية في كارلسروه، على أن يُعرض رئيس المخابرات الأسبق هانيغ يوم الأربعاء.
وجاء التوصل إلى المتهمَيْن أثناء التحقيقات المتعلقة بمحاكمة سيدة الأعمال بسلسلة مطاعم في هامبورغ، كريستينا بلوك (53 عامًا)، ومتهمين آخرين بتهمة التورط في الخطف القسري لولديْها.
وفي هذا السياق، برزت أدلة تشير إلى تسريب واضح للمعلومات من داخل جهاز المخابرات الاتحادية، وكانت تلك المعلومات مخصصة لتقرير "الوضع الاستخباري" في المستشارية الاتحادية.
ولا تزال التحقيقات جارية لمعرفة ما إذا كان هانيغ قد نقل تلك المعلومات مباشرة إلى دولة أجنبية أم لا. إلا أن المؤكد هو أن هانيغ كان يعمل مستشارًا في القطاعات الأمنية والتجارية على مستوى العالم، وكانت له علاقات مع روسيا والصين، شملت جهات حكومية هناك، وتواصلا مباشرًا مع الكرملين.
وكان من المعروف أن هانيغ يعاني ضائقة مالية حادة، حيث رُهن راتبه التقاعدي منذ سنوات؛ ويعود السبب في ذلك إلى عمله عضوًا في مجلس الإشراف على أحد البنوك في منطقة البلطيق، والذي يُعتقد أن أحد رجال الأعمال النافذين (الأوليغارشية) نهب أمواله وأدى به إلى الإفلاس.
وبناء عليه، حُمِّل أعضاء مجلس الإشراف، ومن بينهم هانيغ والأمين العام الأسبق لحلف شمال الأطلسي ورئيس الحكومة الدنماركي الأسبق أندرس فوغ راسموسن، المسؤولية القانونية والمالية. ولم يتضح بعد ما إذا كانت صفقات هانيغ المشبوهة بأسرار الدولة، لها علاقة بهذه الضائقة.
وكانت السلطات القضائية في هامبورغ قد فتشت في أيلول/ سبتمبر 2025 عقار هانيغ في منطقة "فيسترفالد"، بما في ذلك مكاتبه، حيث كانت القضية حينها تقتصر "فقط" على ملف كريستينا بلوك.
وكان الأمر غير الاعتيادي منذ ذلك الحين هو زرع عميل سري في إحدى الشركات المرتبطة بهانيغ، مما يدل على أن التحقيقات بشبهة الخيانة العظمى كانت جارية بالفعل منذ ذلك الوقت.
يُذكر أن هانيغ، الذي عمل سابقًا في البعثة الدائمة لجمهورية ألمانيا الاتحادية التي كانت بمثابة سفارة في برلين الشرقية، شغل منصب رئيس جهاز المخابرات الخارجية الألماني من عام 1998 حتى نوفمبر 2005. وأصبح لاحقًا المسؤول الأعلى رتبة في القطاع الأمني بوصفه رئيسا لجميع الأجهزة الأمنية تحت إمرة وزير الداخلية الاتحادي، فولفغانغ شويلبه، من "الحزب الديمقراطي المسيحي".
ووصفَت كبيرة المحررين السياسيين في قناة "دويتشه فيله" (DW)، ميكائيلا كوفنر، في تغطيتها من مؤتمر صحافي حكومي بشأن عملية الاعتقال، القضية، بأنها "أكبر فضيحة تجسس تشهدها ألمانيا في هذا القرن وتتكشف تفاصيلها حاليًا".
ماذا نعرف عن التحقيق وشريك هانيغ؟
ألقت الشرطة القبض على هانيغ داخل منزله؛ كما أُلقي القبض في ولاية بافاريا على شريك هانيغ المشتبه به، والذي تم التعريف عنه باسم "مانفريد د." فقط بموجب قوانين الخصوصية الألمانية، وفقا لمعلومات أوردتها شبكتا WDR وNDR وصحيفة "سودويتشه تسايتونغ".
وذكر النائب العام أن السلطات تنفذ عمليات تفتيش في عقارات المتهمَيْن كِلَيْهما، إضافة إلى مواقع في برلين.
وخلال فترة تولّي هانيغ رئاسة جهاز المخابرات، شغل "مانفريد د." منصب مدير مكتبه، ثم عمل لاحقًا تحت إمرته في وزارة الداخلية حتى عام 2009. ويواجه "مانفريد د." اتهامات بالمساعدة والتحريض على محاولة الخيانة العظمى والتجسس ضد الدولة.
وذكرت النيابة العامة أن الشخصين اتفقا على ترتيباتهما في عام 2010.
ومنذ عام 2012 حتى آذار/ مارس 2026، شغل "مانفريد د." أيضًا منصب مدير مكتب لعدة رؤساء متعاقبين لجهاز المخابرات الاتحادية، مما أتاح له الوصول إلى كم هائل من الوثائق السرية، بحسب بيان النيابة العامة.
وأضاف البيان أنه يُعتقد أن "مانفريد د." زود هانيغ بنحو 2000 وثيقة، تتضمن مواد سرية، حتى منتصف عام 2022 على الأقل.
وذكرت النيابة العامة أن "هانينغ استخدم في إحدى المرات معلومات استخباراتية سرية... لإعداد تحليل لصالح ضابط في جهاز استخبارات أجنبي"، رغم أنه ليس من الواضح ما إذا كانت "المادة قد وصلت إلى المتلقي المقصود".
كما يُتهم أوغست هانينغ بـ"التواصل الوثيق مع ممثل لجهاز استخبارات أجنبي آخر، حيث نقل إليه معلومات سياسية استندت جزئيا إلى مواد قدمها مانفريد د. على مدى سنوات".