لم يكن شادي البراوي، البالغ من العمر 35 عاماً، يتخيل أن يتحول صالون الحلاقة الذي كان مصدر رزقه في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة إلى مجرد ذكرى، وأن يفقد خلال الحرب ساقه اليمنى التي اعتمد عليها في عمله وحياته اليومية.
اليوم، يقيم شادي نازحاً في مخيم المقوسي، حيث يحاول داخل خيمة صغيرة يعيش فيها مع أسرته أن يبدأ من جديد. وبينما لم يبقَ من صالونه القديم شيء بعد أن دمرته الحرب، أعاد ترتيب ما تبقى من أدوات الحلاقة، وخصص جزءاً من خيمته ليكون صالوناً متواضعاً، يستعيد فيه مهنته ومصدر رزقه.
يستعيد شادي بصعوبة تفاصيل يوم إصابته، حين كان في منزله فوق السطح، قبل أن تصيبه شظية وينقل إلى المستشفى في 13 أغسطس/آب 2025. خضع للعلاج فترة طويلة، لكن إصابته كانت بالغة، وانتهت بقرار الأطباء بتر ساقه اليمنى.
يقول شادي: «كنت أعمل في صالوني في الشيخ رضوان بشكل طبيعي، وكانت هذه مهنتي ومصدر دخلي. لكن الحرب دمرت كل شيء، ولم يبقَ من الصالون القديم شيء، حتى الكراسي والأدوات التي كنت أعمل بها دمرت، ولم أتمكن من إنقاذ سوى جزء بسيط من أدوات الحلاقة».
بعد الإصابة والبتر، وجد شادي نفسه أمام واقع مختلف تماماً؛ فقدان ساقه، والنزوح، وصعوبة العلاج، والعيش داخل خيمة، إلى جانب فقدان والده في بداية الحرب، كلها عوامل جعلت العودة إلى حياته السابقة أكثر صعوبة.
ويضيف: «بعد الإصابة والبتر تغيرت حياتي بالكامل. فقدان ساقي أثر على عملي وحركتي وحياتي اليومية. كنت قبل الحرب أعمل وأتحرك وأدير صالوني بنفسي، وفجأة أصبحت غير قادر على ممارسة حياتي بالطريقة التي اعتدت عليها».
كانت فترة العلاج، كما يروي، قاسية في ظل ظروف النزوح وانقطاع الكهرباء وصعوبة توفير احتياجات الحياة الأساسية، إذ كان يقضي ساعات طويلة على فرشة داخل الخيمة، من دون سرير أو ظروف مناسبة للتعافي.
ويقول: «في تلك الفترة شعرت باليأس كثيراً، ومررت بمرحلة نفسية صعبة، لكن بعد أن بدأت أتعافى قلت لنفسي إنني يجب أن أقوي إرادتي وأعتمد على نفسي. صحيح أن الظروف المادية صعبة والحركة أصبحت أصعب بعد البتر، لكنني لا أريد أن أستسلم».
ومن هنا جاءت فكرة إعادة فتح صالونه، لكن هذه المرة داخل خيمته. أخذ شادي ما نجا من أدواته، وخصص جزءاً من مكان معيشته للعمل، بعدما وجد أن الذهاب إلى مكان آخر سيكون مرهقاً في ظل إصابته وصعوبة الحركة.
ويقول: «فكرت كيف أستطيع العودة إلى مهنتي، فأخذت جزءاً من أدوات الحلاقة التي نجوت بها، وبدأت أعمل من داخل خيمتي. لم يكن لدي مكان آخر أستطيع أن أفتح فيه صالوناً، لذلك قررت أن أجعل جزءاً من خيمتي صالوناً صغيراً».
ولا يخفي شادي أن المشروع محدود الإمكانيات، لكنه بالنسبة إليه يمثل أكثر من مجرد مكان للعمل، فهو محاولة لاستعادة جزء من حياته التي فقدها خلال الحرب.
ويقول: «أنا أعيل أسرة كبيرة، ووالدي استشهد في بداية الحرب، وأنا الابن الوحيد بين خمس بنات، لذلك المسؤولية كبيرة عليّ. أنا فقدت ساقي وفقدت صالوني، لكنني لم أفقد إرادتي».
ويواجه شادي، إلى جانب إصابته، نقصاً في أدوات الحلاقة والإمكانات اللازمة لتطوير عمله. ويقول إن بعض الزبائن يطلبون خدمات لا يستطيع توفيرها بسبب محدودية ما يملكه من معدات، لكنه يرى في مشروعه بداية يمكن البناء عليها.
ويضيف: «أعلم أن هذا المشروع بسيط جداً، لكنه بالنسبة لي يعني الكثير. هو محاولة لأبدأ من جديد بعد أن خسرت عملي وساقي وأشياء كثيرة في هذه الحرب. أتمنى أن يكبر هذا المشروع ويصبح مصدر رزق حقيقياً يساعدني ويساعد أسرتي».
داخل خيمة النزوح، وبين مقص وماكينة حلاقة وأدوات قليلة، بدأ شادي فصلاً جديداً من حياته. فقد دمرت الحرب صالونه وبترت ساقه، لكنها لم تدفعه إلى التخلي عن مهنته، فاختار أن يحوّل مكان معيشته إلى مساحة للعمل، وأن يستعيد من بين ما تبقى له شيئاً من حياته السابقة.
وبينما كانت الحرب قد أخذت منه ساقه ومصدر رزقه ووالده، يتمسك شادي بما تبقى لديه: مهنته وإرادته. ومن داخل خيمته في مخيم المقوسي، يحاول أن يجعل من بداية صغيرة طريقاً نحو حياة أكثر استقراراً وكرامة.