قبل ثلاث سنوات، كانت حياة سكان قطاع غزة، رغم الأزمات والحصار وتدهور الأوضاع الاقتصادية، تمضي في تفاصيل تبدو عادية؛ بيت تجتمع فيه الأسرة، عمل يؤمّن الدخل، مدرسة يذهب إليها الأطفال، وأرض يزرعها أصحابها، وأحلام صغيرة تُرسم للمستقبل.
لكن الحرب التي بدأت في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 غيّرت هذه التفاصيل بصورة جذرية. خلال ثلاث سنوات، فقد كثيرون منازلهم وأعمالهم وأفرادًا من عائلاتهم، وتحوّل النزوح من حالة مؤقتة إلى واقع متكرر، بينما أصبح الأمان الذي كان يبدو أمرًا بديهيًا مطلبًا يوميًا.
وخلف أرقام القتلى والجرحى والنازحين والدمار، تختبئ حكايات إنسانية لا يمكن اختصارها في الإحصاءات؛ عائلات تفرقت، أطفال فقدوا آباءهم، منازل تحولت إلى ركام، وأشخاص ما زالوا يحتفظون بمفاتيح أبواب لم تعد موجودة.
بعد ثلاث سنوات، لم يعد السؤال بالنسبة إلى كثيرين: ماذا حدث؟ بل أصبح أكثر قسوة: ماذا بقي لنا؟
أمل.. طفلة أخذتها الحرب
كتب المواطن همام الحطاب، من حي الشجاعية، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، عن الفقد الذي تركته الحرب في حياته، مستعيدًا أسماء أحبائه الذين رحلوا.
يقول إن الحرب أخذت طفلته أمل، التي وصفها بأنها كانت الدنيا التي يراها بعينيها، كما فقد شقيقه محمد، الذي كان بالنسبة إليه الأب والأخ والصديق والسند.
ولم يتوقف الفقد عندهما، إذ قُتلت زوجة شقيقه وأطفاله أيضًا في كلمات قليلة، تختصر شهادة الحطاب جانبًا من حرب لا تُقاس فقط بعدد المنازل التي دُمّرت، بل بعدد العائلات التي لم تعد كما كانت.
فحين يفقد الإنسان طفلًا أو أخًا أو أسرة كاملة، لا يمكن أن تعيد إعادة الإعمار ما فقده، ولا يستطيع بيت جديد أن يملأ مكان من رحلوا.
من بيت من خمسة طوابق إلى خيمة على برميل بلاستيكي صغير، تجلس أم أحمد وتتذكر منزلًا كان يومًا مركز حياة عائلتها.
كان البيت يتكون من خمسة طوابق، ومجهزًا باحتياجات الأسرة، فيما أُعدت بعض الشقق لأبنائها ليعيشوا فيها بعد الزواج.
لكن الحرب دمرت المنزل، واضطرت العائلة إلى النزوح مرات عدة، لتجد نفسها في خيمة بدل البيت الذي احتضن سنوات من حياتها.
بالنسبة إلى أم أحمد، لم يكن المنزل جدرانًا وسقفًا فقط، بل كان مكانًا خُطط فيه للمستقبل، واجتمعت فيه الأسرة، وحُفظت فيه الصور والملابس والأثاث والذكريات.
وعندما ينهار المنزل، لا يختفي الإسمنت وحده؛ تختفي معه تفاصيل صغيرة لا تظهر في صور الدمار: غرفة الطفل، صورة معلقة على الحائط، قطعة أثاث، وثيقة، أو شجرة اعتادت الأسرة النظر إليها من النافذة.
لهذا، فإن سؤال هل يمكن إعادة بناء المنزل؟ لا يعني دائمًا بالنسبة للنازحين مجرد إعادة تشييد الجدران، بل يعني أيضًا: هل يمكن استعادة الحياة التي كانت بداخله؟
أم تحمل طفلًا وجنينًا وسط النزوح كانت أم يزن عبد القادر، البالغة 34 عامًا، حاملًا في شهرها الرابع عندما اضطرت إلى مغادرة منزلها المستأجر في حي الصفطاوي شمال مدينة غزة.
تنقلت مع أسرتها من غزة الشاطئ إلى منطقة الميناء، قبل أن تستقر في مأوى مؤقت أقامته العائلة من مواد جمعتها من الشوارع.
وخلال الحرب، فقدت أم يزن عددًا من أقاربها، بينهم شقيقها التي لم تودعه وزوج شقيقتها وأبناء عمتها، فيما لا يزال بعضهم تحت الركام.
تصف تلك الفترة بأنها أشبه بكابوس طويل، أصبح فيه كل يوم معركة جديدة من أجل البقاء.
كانت تحمل طفلًا، وتمسك بيد آخر، بينما تحمل جنينًا لم يولد بعد، وتبحث في الوقت نفسه عن الماء والطعام ومكان للنوم والعلاج.
هكذا تحوّل النزوح بالنسبة لكثير من الأمهات إلى اختبار يومي، لا يتعلق فقط بمغادرة المنزل، بل بمحاولة حماية الأطفال والحفاظ على ما تبقى من الأسرة وسط ظروف قاسية ومتغيرة.
أبو مسعود.. من بيت إلى مكان مؤقت أما أبو مسعود، وهو رجل مسن من مخيم جباليا، فقد فقد أبناءه وممتلكاته خلال الحرب، واضطر إلى النزوح مرات عدة قبل أن يصل إلى رفح.
لم تكن رحلته نزوحًا واحدًا، بل سلسلة متواصلة من الانتقال؛ من المنزل إلى مكان مؤقت، ومنه إلى مكان آخر، ثم إلى منطقة اعتقد أنها أكثر أمانًا، قبل أن يضطر إلى الرحيل مجددًا.
ومع كل انتقال، كان السؤال نفسه يعود: إلى أين نذهب الآن؟ بالنسبة إلى كبار السن، لا يعني النزوح فقدان المكان فقط، بل فقدان الإحساس بالاستقرار، وتحول السنوات التي عاشوها في حي واحد إلى ذاكرة متنقلة بين الخيام ومراكز الإيواء.
أب يعيش بعيدًا عن ابنته يختصر الصحفي هادي إبراهيم جانبًا آخر من آثار الحرب.
كان يعيش في رفح مع زوجته وأطفاله الخمسة، ويمتلك منزلًا وأرضًا وسيارة، ويعمل في مجال الإعلام منذ نحو عقدين.
لكن الحرب دمرت منزله وأرضه وسيارته، فيما غادرت زوجته وأطفاله قطاع غزة في يناير/كانون الثاني 2024، ومنذ ذلك الوقت يعيشون خارجه.
خلال سنوات الغياب، وُلدت له طفلة كبرت بعيدًا عنه حتى بلغت عامها الثاني، من دون أن يتمكن من احتضانها أو مشاركة عائلته تفاصيل سنواتها الأولى.
وهنا يتجاوز الفقد قيمة المنزل والأرض والسيارة؛ فالحرب فصلت أسرة عن بعضها، وحولت الأبوة نفسها إلى انتظار طويل لصورة أو اتصال أو لقاء مؤجل.
فقدت أخي وبيتي بالنسبة إلى الممرضة هديل أحمد، النازحة من مدينة غزة إلى وسط القطاع، ارتبطت الحرب بفقد شقيقها وتدمير منزل الأسرة.
تقول إن أكثر ما تفتقده هو شقيقها، ثم البيت الذي عاشت فيه العائلة سنوات طويلة وفي الوقت نفسه، تغير عملها في القطاع الصحي بصورة كبيرة؛ نقص الأدوية والمستلزمات، تدفق المرضى والمصابين، وضغط العمل في ظروف لا توفر الحد الأدنى من الأمان.
لكن العاملين في القطاع الصحي لم يكونوا بعيدين عن الحرب؛ فهم أنفسهم عاشوا النزوح والفقد والخوف، ثم عادوا إلى أماكن عملهم لمواصلة رعاية الآخرين.
البيت أكثر من جدران تكشف هذه الشهادات أن معنى المنزل في غزة تجاوز مفهوم الملكية العقارية البيت هو المكان الذي وُلد فيه الأبناء، وتزوج فيه الأب والأم، وعلقت على جدرانه صور الأسرة، وعرفت فيه الأم مكان كل شيء.
لذلك، عندما يقول شخص بيتي دُمّر، فهو لا يتحدث فقط عن خسارة مادية، بل عن فقدان جزء من ذاكرته وهويته.
ولهذا تتكرر أسئلة النازحين: هل بقيت صورنا؟ هل بقيت ملابس الأطفال؟ هل يمكن إصلاح المنزل؟ هل سنعود؟ وهل سنجد الجيران الذين عرفناهم؟
بعد ثلاث سنوات، أصبحت إعادة الحياة الطبيعية أكبر من إزالة الركام وبناء المنازل. فالناس يحتاجون إلى العمل، والمدارس، والخدمات الصحية، والأمان، ولمّ شمل العائلات، والأهم إلى القدرة على التخطيط للغد.
ثلاث سنوات من السؤال نفسه ، تختلف قصص سكان غزة، لكن سؤالًا واحدًا يتكرر بينها: متى تنتهي هذه الحياة المؤقتة؟ بالنسبة إلى من يعيش في خيمة، قد تعني الإجابة العودة إلى منزل أو بناء منزل جديد.
أما من فقد أسرته، فلا توجد عملية إعمار تعيد الأشخاص الذين رحلوا ومن فقد والديه، لا يمكن أن تعيد المدرسة أو البيت ما فقده من عائلة.
ومن ينتظر جثمان قريب أو خبرًا عن مفقود، قد تستمر الحرب بالنسبة إليه حتى بعد توقف القصف.
لهذا، فإن إعادة إعمار غزة لا يمكن أن تكون مشروعًا لإعادة بناء المباني فقط، بل مسارًا طويلًا لاستعادة الحياة نفسها؛ من التعليم والعمل والصحة، إلى الأمان ولمّ شمل الأسر وترميم آثار الفقد.
ماذا بقي؟
ربما يكون السؤال الأهم بعد ثلاث سنوات: ماذا بقي لكل واحد من هؤلاء؟
قد يقول أحدهم: بقي لي ابني.
وقد تقول أم: بقيت لي خيمة.
وقد يحتفظ شخص بمفتاح بيت لم يعد قائمًا.
وقد تبقى صورة لعائلة لم يعد معظم أفرادها موجودين.
وقد يحتفظ آخر بأسماء أحبائه، يخشى أن تضيع تفاصيلهم مع مرور الوقت.
هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تجعل الحرب قصة إنسانية؛ فالأرقام تخبرنا بحجم الكارثة، لكنها لا تخبرنا كيف يشعر الأب عندما يدخل غرفة ابنه ولا يجده، ولا كيف تبحث أم عن مكان آمن لأطفالها للمرة الخامسة، ولا ماذا يعني أن يعود إنسان إلى حيه بعد سنوات فلا يجد المنزل الذي عاش فيه طوال حياته.
بعد ثلاث سنوات من الحرب، تبقى غزة أمام مهمة أكبر من إعادة بناء الجدران.
هناك بيوت يمكن إعادة تشييدها، ومدارس يمكن ترميمها، وأسواق يمكن أن تعود للعمل.
لكن هناك أشياء أخرى لا يمكن إعادة بنائها بالطريقة نفسها: عائلة تفرقت، طفل فقد والديه، أم فقدت أبناءها، وأب لم ير طفلته التي ولدت بعيدًا عنه.
وبينما تُكتب أخبار الحرب بالأرقام، تبقى خلف كل رقم قصة إنسان.
أم تتذكر بيتها، وطفل يبحث عن والديه، وأب ينتظر عائلته، ونازح يحتفظ بمفتاح منزل لم يعد موجودًا.
وربما لهذا السبب، فإن فهم أثر الحرب لا يبدأ فقط بالسؤال: كم بيتًا دُمّر وكم شخصًا نزح؟
بل بالسؤال الأكثر إنسانية:
من كان يعيش في تلك البيوت؟ ومن كان ينتظر العودة إليها؟ وماذا بقي لمن نجا؟