كنّا قد أشرنا في الجزء الأول من هذا المقال لأسباب ودوافع انطلاق معركة "طوفان الأقصى" صباح السابع من تشرين الأول/أكتوبر من العام 2023، سواء من وجهة نظر حركة حماس التي أطلقت "الطوفان" قبل أن يلتحق بها معظم فصائل المقاومة الفلسطينية، وجبهات أخرى في الإقليم، أو من وجهة نظر شرائح واسعة من أبناء الشعب الفلسطيني.
وسواء كنّا من مؤيّدي هذه المعركة المجيدة أم لا، فإنه لا يمكن الاختلاف إطلاقاً على كونها شكّلت حدثاً استثنائياً فريداً من نوعه، ساهم في إحداث تغيير نوعي على كثير من الصعد، وفي كثير من المجالات، ووصلت تداعياته وآثاره إلى ساحات أخرى قريبة وبعيدة عن موطن انطلاق هذا "الطوفان".
في هذا الجزء من المقال سنحاول التركيز على جملة من التداعيات والنتائج التي ألقت بظلالها على كلّ المنطقة، إضافة إلى الإجابة عن بعض التساؤلات التي ما زالت تُطرح حول هذه المعركة التي غيّرت وجه المنطقة، ويمكن لها عندما تنضج نتائجها الاستراتيجية التي ما زالت في طور التبلور والتشكّل، أن تُحدث تغييراً على مستوى العالم، لم لا وهي التي فتحت الباب على مصراعيه لحدوث تحوّلات في منطقة غرب آسيا على سبيل المثال، وربما تصل في مرحلة ما، وفي حال نضجت بعض الظروف إلى أماكن أخرى أكثر أهمية وأكبر قيمة.
ولكن قبل الدخول في التفاصيل التي نراها بالغة الأهمية، دعونا نحاول الإجابة عن سؤال لطالما كان محلّ خلاف، وتباينت حوله الآراء حتى من الفلسطينيين أنفسهم، وهو يتعلّق بالخديعة التي سبقت انطلاق معركة "طوفان الأقصى"، إذ يتمّ الترويج لسرديّتين مختلفتين؛ الأولى تقول إنّ حركة حماس نفّذت خداعاً استراتيجياً تمكّنت عبره من التمويه على عمليتها المفاجئة ،التي لم يدر بحسبان العدو ولا الصديق أنها كانت تخطّط لها منذ عدّة سنوات، حيث ساهم هذا الخداع في معاناة أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية ذات الإمكانيات الهائلة من سوء تقدير غير مسبوق، أدّى في بعض نتائجه إلى تقديم توصيات خاطئة للمستوى السياسي خصوصاً فيما يتعلّق بإمكانية حدوث هجوم مفاجئ وكبير من داخل قطاع غزة.
السردية الثانية تتباين عن نظيرتها الأولى شكلاً وموضوعاً، إذ يعتقد أصحابها بأنّ العكس هو الذي جرى، وأنّ "إسرائيل" هي التي خدعت حماس، وأوقعتها في فخّ استراتيجي عبرت من خلاله لتحقيق أهداف كثيرة كانت تسعى إليها منذ مدّة طويلة، وأنها كانت تحتاج فقط للشرعية الدولية للقيام بذلك، وهو الذي منحته لها حماس بعد هجوم السابع من أكتوبر.
من خدع من.."إسرائيل" أم حماس؟
بما أنّ هذا السؤال ما زال يُسمع صداه حتى وقتنا الحالي، ويتردّد في الكثير من النقاشات، وتُثار حوله الكثير من علامات الاستفهام، فإنّ الإجابة عنه تحتاج إلى قراءة المشهد قبيل انطلاق "الطوفان"، ومن زوايا مختلفة، مع الانتباه إلى ضرورة التجرّد من الاصطفافات والانتماءات الضيّقة حتى لا نقع ضحية العاطفة، أو الميول السياسية والحزبية.
بالرجوع إلى معظم التقديرات الاستخبارية الإسرائيلية ما قبل انطلاق معركة "طوفان الأقصى"، والتي كان يُنشر الكثير منها في وسائل الإعلام الصهيونية، يمكن ملاحظة أمر في غاية الأهمية، وهو يجيب عن جزء مهم من السؤال المطروح أعلاه.
إذ أشارت معظم تلك التقديرات إلى رغبة حركة حماس في المحافظة على حكمها لقطاع غزة، والذي وصلت إليه بعد إزاحة السلطة الفلسطينية من المشهد السياسي والأمني في القطاع منتصف العام 2007، حيث كانت رغبة حماس من وجهة نظر الاستخبارات الإسرائيلية واضحة وجلية في عدم نيّتها الذهاب باتجاه أيّ مواجهة مع "دولة" الاحتلال، وأنّ تلك الرغبة تتقدّم على الكثير من التحدّيات التي قائمة أمام الحركة في تلك الفترة، ولا سيّما فيما يتعلّق بالحصار الاقتصادي الذي كان يتعرّض له القطاع، وأزمة رواتب الموظفين التابعين لها، إضافة إلى الاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة التي كانت تحدث بين الفينة والأخرى، والتي كان يتخلّلها عمليات اغتيال نوعية ضدّ قادة كبار في المقاومة.
في تلك الفترة أُثير لغط كبير حول موقف حماس من التصدّى للعدوان الإسرائيلي، وعدم مشاركتها في جولات التصعيد التي كانت تحدث آنذاك، والتي ركّزت من خلالها "إسرائيل" على استهداف حركة الجهاد الإسلامي دون غيرها، مستثنية مهاجمة حماس أو قياداتها أو حتى مواقعها العسكرية التي كانت تنتشر في طول وعرض قطاع غزة.
موقف حماس هذا، إلى جانب تعزيز علاقاتها مع دول إقليمية تتمتّع بعلاقات جيّدة مع الاحتلال مثل قطر وتركيا وغيرهما، إضافة إلى إرسالها في غير مرّة رسائل طمأنة إلى الاحتلال عبر الوسطاء بعدم رغبتها في تفجير الأوضاع في القطاع، وأنها مهتمة أكثر باستتباب الأوضاع فيه، وتثبيت دعائم حكمها بعيداً عن السلطة في رام الله، إلى جانب تفضيلها الوسائل الشعبية للمقاومة مثل مسيرات العودة على سبيل المثال بدلاً عن المواجهة العسكرية، كلّ ذلك دفع أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، ومن خلفها أجهزة استخبارات عربية ودولية وحتى حلفاء حماس في الداخل وفي الإقليم للاعتقاد بأنّ حماس في طريقها لسلوك الطريق نفسه الذي سلكته حركة فتح من قبلها، وأنها بصدد الدخول إلى المعترك السياسي الفلسطيني من أوسع أبوابه، وصولاً إلى رغبتها في المشاركة في الانتخابات الرئاسية للسلطة الفلسطينية.
يقول أصحاب سردية أنّ حماس خدعت "إسرائيل"، ودفعتها للاسترخاء الأمني لأقصى درجة ممكنة، إنّ كلّ تحرّكات ومواقف حماس هذه كانت عبارة عن عملية خداع استراتيجي، ولم يكن هناك تغيير في موقفها من الاحتلال، أو مهادنة له، وإنّ الهجوم خُطّط له منذ فترة طويلة ولم يكن ردّ فعل آنياً أو وقتياً على تصرّفات العدو واعتداءاته المتكرّرة.
على المقلب الآخر ينظر أصحاب سردية أنّ "إسرائيل" هي التي خدعت حماس وجرّتها إلى مربّع الحرب لتحقيق أجندتها التي وضعتها منذ سنين طويلة، أنّ كلّ ما سبق لا يمتّ للحقيقة بصلة، وأنّ حماس وقعت فريسة لمخطّطات إسرائيلية كانت معدّة منذ زمن بعيد، وأنّ كلّ ما جرى يشير إلى أنّ الخطط الإسرائيلية الواسعة التي تمّ تطبيقها سواء في قطاع غزة، أو في الضفة المحتلة والقدس، وصولاً إلى ساحات أخرى في الإقليم لم تكن وليدة اللحظة، ولم تكن مجرّد ردّة فعل على "الطوفان"، إذ إنّ الظروف التي أحاطت بالمعركة والتداعيات المباشرة التي نتجت عنها لم تكن لتمنح العدو الوقت المناسب لوضع مثل هذه الخطط بعد بداية المعركة، حتى لو كان مدعوماً من كلّ قوى الشرّ في العالم.
يستند أصحاب هذا الرأي إلى ما تمّت الإشارة إليه في الأسابيع الأخيرة وعبر وسائل إعلام مختلفة من معرفة إسرائيلية بمخطّطات حماس قبل حدوثها، ويستشهدون للتدليل على ذلك بثلاثة أحداث وقعت قبيل "الطوفان" وكُشف عنها مؤخراً ؛ أولها كان ما ذكرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية في تقرير لها، وهو يتحدّث عن أنّ رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة محمد بن زايد حذّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل هجوم السابع من أكتوبر بنحو عشرة أيام بأنّ الشهيد يحيى السنوار كان يخطّط لعملية عسكرية كبرى، حيث كانت الإمارات تتخوّف وفق الصحيفة من أن تؤدّي هذه العملية إلى إراقة دماء واسعة، وزعزعة استقرار المنطقة، والإضرار باتفاقيات أبراهام.
أما الحدث الثاني فهو ما كشفه تقرير مجلة "ذا أتلانتيك" من أنّ رئيس المخابرات المصرية آنذاك، اللواء عباس كامل، قد زار "إسرائيل" قبل 11 يوماً من الهجوم، وحذّر من استعداد حماس لهجوم كبير.
ثالث الأحداث التي يتمّ الاستشهاد بها هو ما كشفه القيادي الفلسطيني السابق سفيان أبو زايدة بأنّ الشهيد يحيى السنوار طلب منه منتصف أيلول/سبتمبر 2023 نقل رسالة تحذير للجانب الإسرائيلي يقول فيها: "حتى قبل نهاية شهر سبتمبر سنضع أوراقاً على الطاولة تحدث زلزالاً في موضوع التفاوض، وعليهم أن يجهّزوا أنفسهم لتبييض السجون".
بحسب الكثيرين فإنّ كلّ ما سبق يثير علامات استفهام حقيقية تشير في جزء منها إلى معرفة إسرائيلية مسبقة بما حدث صباح السبت الحاسم، وأنّ "إسرائيل" وإن لم تكن تعرف التفاصيل بالضبط، إلا أنه كان لديها تصوّر عامّ بأنّ حدثاً فريداً من نوعه سيقع في مدّة زمنية محدّدة، وبأنه كان بإمكانها توجيه ضربة استباقية واسعة لحماس لإفشال ذلك الحدث في حال أرادت ذلك.
على كلّ حال يمكن لنا وبعد هذا الوقت الطويل من انطلاق "طوفان الأقصى"، وبعد متابعتنا لهذه المعركة المجيدة عن قرب أن نعتقد بأنّ العدو الصهيوني قد تلقّى بالفعل بعض التحذيرات التي تمّت الإشارة إليها أعلاه ،إلا أنه لم يستطع الحصول على تأكيدات رسمية، أو معلومات موثّقة تمكّنه من استباق الأحداث، أو تدارك الموقف، وأنّ الشكّ في مصداقيّة المعلومات والتحذيرات التي تلقّاها كان أكبر من أن يدفعه لاتخاذ تدابير مضادة، وهو ما يرجّح فرضيّة وقوعه في شرك الخديعة التي نسجتها حماس ببراعة فائقة، وخلال سنوات سبقت انطلاق "الطوفان"، هذا الطوفان الذي غيّر وجه المنطقة، وأحدث زلزالاً هائلاً ما زالت نتائجه النهائية في طور التبلور، وما زالت تداعياته الواسعة تُلقي بظلال كثيفة على المنطقة والعالم.
النتائج والتداعيات
يمكن لنا وبعد أن تجاوزنا السنة الثالثة من معركة "طوفان الأقصى" أن نلمس مجموعة واسعة من النتائج والتداعيات، وهي نتائج وتداعيات غير نهائية حتى الآن، حيث إنّ المعركة لم تنتهِ بعد، وما زالت في إطار مرحلتها الثالثة كما نعتقد، وهي مرحلة شديدة الحساسية بسبب الضبابية التي تُحيط بها، وبسبب ندرة الخيارات سواء الدولية أو الفلسطينية التي يمكن أن تساهم في إنهاء الحرب بصورة كاملة.
من النتائج المباشرة لـ "طوفان الأقصى" سقوط عدد غير مسبوق من القتلى الصهاينة بلغ بحسب الكثير من الإحصاءات غير الرسمية نحو 6000 قتيل من الجنود والمستوطنين الصهاينة، سقطوا في الهجوم المباغت صباح السابع من أكتوبر، وفي المواجهات التي جرت بعده على طوال شهور الحرب، وجزء منهم سقط في المواجهة على جبهة الإسناد اللبنانية التي أطلقها حزب الله في اليوم الثاني لانطلاق المعركة، وجزء آخر نتيجة الردّ الإيراني على العدوان الصهيوأميركي، إضافة إلى نحو 30 ألف جريح ومصاب، أكثر من نصفهم أُصيب بأمراض نفسية.
إلى جانب هذا العدد الكبير من القتلى والجرحى الإسرائيليين فقد أدّت الحرب إلى تراجع كبير في ثقة الجمهور الإسرائيلي بالحكومة وأجهزة "الدولة"، بل وبكلّ الشعارات التي كانت تُرفع منذ قيام الكيان قبل ثمانية وسبعين عاماً تقريباً، وهو ما أدّى في بعض تداعياته إلى حدوث هجرة عكسية من "إسرائيل" للخارج، قدّرتها بعض مراكز الأبحاث بـ 800 ألف مهاجر.
اقتصادياً أدّت المعركة إلى خسائر اقتصادية إسرائيلية هائلة، إذ قُدّرت تكلفة الحرب على غزة خلال السنوات الثلاث الماضية بنحو 112 مليار دولار، إضافة إلى انهيار وإفلاس مئات الشركات، وهروب المئات من رؤوس الأموال الذين كانوا يساهمون بجزء كبير من تمويل خزينة "الدولة"، هذا إضافة إلى ارتفاع معدّلات البطالة بنسب كبيرة جداً، وهو ما يهدّد لاحقاً بدخول الاقتصاد الإسرائيلي في مرحلة انكماش وركود كارثية، على الرغم من الدعم الهائل الذي تتلقّاه "إسرائيل" من حلفائها في أرجاء العالم كافة.
فلسطينياً كانت النتائج المباشرة أيضاً كبيرة وفادحة، وهي بالرغم من حجم الإنجاز الذي تحقّق صبيحة يوم "الطوفان"، إلّا أنّ حجم الخسائر غير المسبوق شكّل ضربة موجعة لكلّ سكّان القطاع، والذين واجهوا حرباً ضروساً لم تُبق ولم تذر، وأكلت الأخضر واليابس كما لم يحدث في أيّ مناسبة سابقة.
على مستوى الخسائر البشرية فقد أدّى العدوان الإسرائيلي الذي بدأ مساء السابع من أكتوبر إلى سقوط نحو مئة ألف شهيد فلسطيني، وثّقت التقارير الرسمية لوزارة الصحة الفلسطينية نحو 74 ألف شهيد منهم، فيما بقي أكثر من 30 ألفاً آخرين في إطار المفقودين، حيث دُفنت جثامينهم تحت ركام المباني المُدمّرة، والبيوت المُهدّمة.
يُضاف إلى هذا العدد الهائل من الشهداء الفلسطينيين نحو مئة وسبعين ألفاً من الجرحى والمصابين، إذ أُصيب عدد كبير منهم بحالات بتر في الأطراف، وجروح وكسور بالغة الخطورة.
اقتصادياً عانى قطاع غزة من خسائر فادحة، بلغت مئات المليارات من الدولارات إضافة إلى دمار هائل في البنية الاقتصادية، حيث بلغت قيمة الخسائر نحو 71 مليار دولار، وهو ما يعادل قيمة إنتاج القطاع لمدة 20 سنة.
بحسب دراسات أممية فإنّ القطاع تحوّل بعد ثلاثة أعوام من الحرب لكومة من الركام في ظلّ حجم الدمار الكبير في الوحدات السكنية والمنشآت التجارية والصناعية والبنى التحتية، إذ تسبّبت الحرب في تدمير نحو 92% من البيوت والمنازل والمناطق العمرانية، وتدمير 725 بئر مياه، و700 كيلومتر من شبكات المياه، و5100 كيلومتر من شبكات الكهرباء، إضافة إلى تدمير محطة توليد الكهرباء الوحيدة في القطاع، إلى جانب تدمير 3 ملايين متر طولي من الطرقات والشوارع، وأكثر من 80% من أبراج الاتصالات.
على صعيد التداعيات قصيرة وطويلة المدى فقد أدّت معركة "طوفان الأقصى" إلى ما يمكن تسميته بـ "هزيمة استراتيجية" وغير مسبوقة لـ "دولة" الاحتلال، حيث امتدّت تداعياتها لتشمل مختلف المستويات العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية والمكانة الدولية.
على المستوى العسكري والأمني يمكن ملاحظة تآكل نظرية الأمن القومي الإسرائيلية التي قامت على ردع "الأعداء"، وحسم المعارك معهم في أسرع فترة ممكنة، إضافة إلى القتال خارج حدود "الوطن".
إلى جانب ذلك فقد تلقّت الأجهزة الأمنية والاستخبارية في الكيان العبري "صدمة هائلة" بسبب فشلها الذريع في التنبّؤ بالهجوم أو التصدّي له في ساعاته الأولى، مما أدى إلى أزمة ثقة عميقة بين المجتمع والمؤسسة الأمنية والعسكرية.
من جانب آخر يمكن ملاحظة حدوث هزّة عنيفة على صعيد المناعة المجتمعية، إذ أدّى هجوم "الطوفان" إلى تصدّع كبير في تماسك المجتمع الإسرائيلي، وأثار نقاشات حادّة وغير مسبوقة حول مصير "الدولة" ومستقبل القيادة السياسية، وخاصة مستقبل حكومة مجرم الحرب بنيامين نتنياهو.
كذلك عطّلت عملية "طوفان الأقصى" قطار المشاريع الإقليمية التي كانت بصدد التحوّل من خطط ودراسات إلى وقائع على الأرض، زلا سيّما تلك المشاريع المتعلّقة بالتطبيع بين بعض الدول العربية والكيان الصهيوني، إلى جانب إحداث ضرر بالغ بالخطط الرامية لإعادة رسم خارطة الشرق الأوسط وفق الرؤية الإسرائيلية والأميركية، إضافة إلى كل ما سبق فقد كان للمكانة الدولية لـ "الدولة" العبرية نصيب من تداعيات "الطوفان" ،إذ تمّ رصد تراجع حاد في مؤشرات مكانة "إسرائيل" الدولية، وفقدانها جزءاً كبيراً وهاماً من سرديتها التقليدية، إلى جانب تصاعد الاحتجاجات العالمية ضدها، والمقاطعة الشعبية والرسمية لها.
الخلاصة
يمكن لنا أن نعتقد أنّ معركة "طوفان الأقصى" قد حقّقت جملة من الأهداف الاستراتيجية التي طال انتظارها، وأنها قد أعادت تنظيم سُلّم الأولويات لدى الكثير من دول المنطقة والعالم، وأنّ نتائجها النهائية المُتوقّعة لن تكون إلا في صالح الشعب الفلسطيني المظلوم، وقواه المناضلة والشريفة.
كما يمكن لنا الاعتقاد بأنّ هذه المعركة التاريخية الفريدة قد أدّت أو ستؤدّي إلى تحوّلات جيوسياسية مهمة، ليس فقط على صعيد قطاع غزة أو الأراضي الفلسطينية المحتلة فقط، وإنما في جغرافيا أخرى من المنطقة والعالم، وإن كان هذا الأمر بحاجة إلى مزيد من الوقت.
ختاماً نحن على ثقة بأنّ هذه المعركة المجيدة وإن كانت خسائرها على الفلسطينيين حتى الآن أكبر من إنجازها، فإنها خسائر يمكن تعويضها في مقبل المواعيد التي نراها أقرب مما يعتقد الكثيرون، في المقابل فإنّ ما يعتقد البعض بأنه "إنجاز" إسرائيلي تحقّق في كثير من الجبهات لا يمكنه بأيّ حال من الأحوال تعويض حجم الخسائر التي لحقت بهذا الكيان الطارئ، وأنّ هذه الإنجازات التكتيكية سرعان ما تتلاشى مع مرور الوقت، ولا سيّما بعد أن تبدأ النتائج الحقيقية لهذه المعركة الاستثنائية في الظهور، وهي نتائج من دون أدنى شكّ ستؤدّي إلى انهيار هذا الكيان المجرم، وإلى خروجه كما بات يعتقد الكثيرون من المنطقة إلى غير رجعة.