غزة

28°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

إعادة الاعتبار لعملية السابع من أكتوبر

تحميل كتاب روايتنا طوفان الأقصى PDF.jpg
بقلم الكاتب: سعيد الحاج

في الذكرى السنوية الثالثة لعملية "طوفان الأقصى" ليس هناك ما هو أهم من مراجعة الوضع الفلسطيني عموماً وفي غزة على وجه الخصوص وفي القلب منها المقاومة وعملية الطوفان، وإعادة الاعتبار لهذه الأخيرة.

وأقول إعادة الاعتبار وتثبيت أهمية الحدث لأن دولة الاحتلال تعمل منذ تلك اللحظة وبشكل ممنهج على التغطية عليه وتنسيته (فرض نسيانه) بفرط الوحشية والدموية. فإذا ما كان الانتقام دافعاً أساسياً للإبادة المستمرة حتى اليوم، فإن كي الوعي المتعلق بمقاومة "إسرائيل" هدف رئيس كذلك، إلى جانب محاولة فرض أمر واقع جديد في فلسطين والمنطقة، بعدِّها حرباً وجودية عليها.

التقليل من أهمية الطوفان، بل وعدِّه خطيئة كبرى وسبب الدمار الذي حل بغزة، ليس مقصوراً على دولة الاحتلال، ولكنه وللأسف وصل لبعض الأطراف الفلسطينية والعربية، التي في سبيل مناكفتها لحماس وفصائل المقاومة تتساوق مع الرواية "الإسرائيلية" التي تجرّم ردة الفعل المقاومة بدل الإجرام المباشر للمحتل. وهنا، ينبغي التفريق بين صرخات المكلومين وغضبهم المتفهم وحقهم في المساءلة، وبين المشاريع السياسية التي تستغل المذبحة لأهدافها الخاصة.

في المقام الأول، تدّعي السردية "الإسرائيلية" بأن التاريخ بدأ يوم السابع من أكتوبر بـ"اعتداء فلسطيني إرهابي" عليها (كما فعل فيلم "ميونيخ" الذي يتحدث عن العملية الشهيرة في الألعاب الأولمبية)، ويتناغم معها بعض أبناء جلدتنا -من حيث يدركون أم لا- بتصوير أن غزة كانت جنة الله على الأرض وأن العملية كانت قفزة في الهواء دون سبب وجيه.

لكن الوقائع تقول إن العملية أتت اضطراراً لا اختياراً، بعد استنفاد الكثير من الخيارات السياسية والعسكرية وحتى الشعبية (من قبيل مسيرات العودة). الأهم أن السياق الإقليمي كان يقود لتطبيع علاقات دولة الاحتلال مع المنظومة العربية والإسلامية الرسمية، بما يعني تصفية القضية الفلسطينية وطي صفحتها مرة واحدة وإلى الأبد. بهذا المعنى، كانت العملية محاولة أخيرة لوضع عصا غليظة في عجلة عربة التطبيع وتسييد "إسرائيل" على المنطقة على حساب الدم والحق الفلسطيني.

الأهم، أن خطط المذبحة بحق فصائل المقاومة في فلسطين ولبنان كانت جاهزة، وأن تنفيذها كان مسألة وقت، بذريعة الطوفان أو بدونها، وهذا ما أثبتته الوقائع لاحقاً إن كان بخصوص حزب الله في عملية البيجر وأجهزة الاتصالات، أو بخصوص حماس كما أكد نائب رئيس مكتبها السياسي صالح العاروري في بداية الحرب ورئيس أركان كتائب القسام لاحقاً عز الدين الحداد.

أكثر من ذلك، وأهم منه، أن الإبادة ليست ردة فعل طبيعية ولا متوقعة ولا مقبولة على أي عملية مقاومة مهما كانت، ولا ينبغي لنا أن نستسلم لهذا المنطق "الإسرائيلي".
من جهة أخرى، ثمة خلط متعمد من دوائر معروفة بين الخسائر الفادحة للحرب وبين نتائجها. ما تكبده أهلنا في غزة من خسائر وتضحيات وتكاليف يفوق أي وصف ويعلو على كل اللغات، والمأساة الإنسانية هناك غير مسبوقة، وثمة تقبل وتطبيع مع استمرار المذبحة بوتيرة أقل في المجال السياسي والإعلامي العربي.

لكن هل هذه هي "نتائج" العملية والحرب بعدها؟

هذا ما يراد لنا أن نقبله ونزرعه في وعينا؛ أن عملية "طوفان الأقصى" كانت السبب المباشر لكل هذه التضحيات والخسائر من شهداء وجرحى ودمار وحصار وتجويع ومخاطر التهجير الكامل وتحويل غزة إلى مكان لا يصلح للعيش الآدمي؛ بينما الحقيقة أن هذه هي الخسائر المتعمدة من قبل الاحتلال، وليست النتائج التي ما زالت تتفاعل حتى يومنا هذا، وهي في مجملها ذات آثار عميقة على المشروع الصهيوني.

في الأثر المباشر للعملية، ثبت يقيناً أن "إسرائيل" يمكن أن تُحارَب بل وأن تُهزم بإمكانيات عادية، وهذا ليس معنى بسيطاً أو هامشياً، وإنما هو تدمير مباشر لنظرية الأمن "الإسرائيلية" التي قامت لعقود على نفي هذه الإمكانية وترسيخها في وعي أطراف عديدة في المنطقة.

كما أن العملية وما تلاها ضربت الأسس التي قامت عليها "دولة إسرائيل" وأمنت لها جاذبية الهجرة ليهود العالم (عامل التوازن الديمغرافي)، وفي مقدمتها الأمن والرفاهية.

ويمكن في هذا الإطار العودة للتقارير "الإسرائيلية" التي تتحدث عن تداعي النظرية الأمنية، والحرب الوجودية الحالية، والآثار الاقتصادية، والهجرة العكسية وخصوصاً للكفاءات.. الخ.

إضافة لذلك، تنزف "إسرائيل" يومياً من صورتها في الغرب وتخسر بشكل مضطرد في معركة الصورة والرواية، وهو ما أدى لتراجع تأييد الرأي العام الغربي لها، والذي انتقل لدوائر النخب وبعض السياسيين في العالم، وصولاً لدلالات انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي التي تشهد تراجعاً ملحوظاً في قدرة اللوبي الصهيوني على إنجاح مرشحيه.

وهذا كذلك عامل جوهري يرتبط بالدعم الخارجي الذي لا تقوم "إسرائيل" ولا تستمر بدونه، وهو مناط "حبل من الناس" وفق النص القرآني. صحيح أن هذه الدلالات ليست ذات تأثير مباشر اليوم على دولة الاحتلال، وصحيح كذلك -للأسف- أنها ليست نهائية ويمكن مواجهتها وعكسها إن لم تستثمر بالشكل الأمثل، لكن ذلك لا يقلل أبداً من تداعياتها العميقة على دولة الاحتلال.

أيضاً، من التأثيرات غير المباشرة للطوفان الجبهات العديدة المفتوحة اليوم على "إسرائيل"، أو بشكل أدق التي فتحتها الأخيرة على نفسها، دون أن تستطيع حسم أيٍّ منها لصالحها، في فلسطين ولبنان وسوريا وإيران واليمن وربما غيرها كذلك.

وأخيراً، ثمة وعي عميق يتشكل في العالم العربي والإسلامي، هذه المرة على المستوى الرسمي، بمدى خطورة "إسرائيل" على الجميع في المنطقة، وأن "إسرائيل الكبرى" التي تستهدف الكل وخصوصاً دول الطوق ثم الدول الكبيرة والمستقرة؛ لم تعد مجرد شعار انتخابي وإنما مشروع قائم.

على المستوى الفلسطيني، ورغم كل ما تعرضت له غزة مقاومة وشعباً، بما يجعل عملية المراجعات وإعادة التقييم واستخلاص الدروس أمراً ضرورياً وحيوياً، تبقى المقاومة قائمة ومستمرة فكرة ومشروعاً، لسبب منطقي بسيط هو استمرار الاحتلال وجرائمه من جهة، وعدم إتاحته فرصة لأي خيارات أو مسارات أخرى من جهة ثانية.

ذلك أن الإبادة ورفض فكرة الدولة الفلسطينية والعمل على التهجير وتصفية القضية ليست برنامج نتنياهو وحده ولا ائتلافه الحكومي فقط، وإنما هي توجهات عامة لمعظم الأحزاب "الإسرائيلية" والمجتمع بشكل عام.

في الخلاصة، ما زالت تداعيات السابع من أكتوبر تتفاعل وتتنامى، فلسطينياً وإقليمياً ودولياً، بما في ذلك ما كان مقصوداً وغير مقصود منها بالضرورة، ما يجعلها ضربة استراتيجية ذات أبعاد وتأثيرات طويلة المدى على المشروع الصهيوني، لم ولن تنتهي قريباً.

ولذلك، فالمراجعات مطلوبة نعم، لكن ليس على قاعدة التلاوم ولا المزايدات فضلاً عن الاستسلام، وإنما على قاعدة المزيد من العمل لتعظيم المكاسب وتقليل المخاطر ما أمكن.

في البعد الاستراتيجي، فإن "طوفان الأقصى" كانت مسماراً أول في المسار العملي لنعش "دولة إسرائيل" ومشروعها في المنطقة، وإن لم تتضح كامل معالمه اليوم. فالعملية عززت من التقديرات "الإسرائيلية" والأمريكية التي تحدثت وما زالت عن أزمة دولة الاحتلال وإمكانية زوالها في المستقبل القريب.

وعليه، فالدموية والوحشية المبالغ بهما في حرب الإبادة في غزة بمثابة قنابل دخان تحاول التعمية على المشهد الحقيقي، لكنها لا تمنع الوقائع ولا تستطيع إخفاء الحقيقة ولا سيما على المدى البعيد.

"جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز".