☰
✕

قائمة الموقع

أطفال غزة في عمان: حكايات الصمود فوق الأطراف الصناعية وأحلام العودة

2026-10-19T11:30:00+03:00
طفل يتلقى العلاج في الأردن بعد بتر قدمه
شمس نيوز - صحيفة القدس

في أحد مراكز الأطراف الصناعية بالعاصمة الأردنية عمان، تتجسد مأساة الحرب في قطاع غزة عبر أجساد أطفال وفتية فقدوا أطرافهم، لكنهم لم يفقدوا الأمل في استعادة حياتهم. هؤلاء الصغار الذين نقلوا من القطاع المحاصر يروون تفاصيل مؤلمة عن لحظات الإصابة ورحلة العلاج الشاقة التي بدأت من غرف العمليات المفتقرة لأدنى المقومات وصولاً إلى مراكز التأهيل المتطورة.

وتأتي هذه الجهود ضمن مبادرة 'الممر الطبي الأردني' التي أعلن عنها الملك عبد الله الثاني في فبراير 2025، والتي تعهدت المملكة بموجبها باستقبال ألفي طفل فلسطيني لتلقي العلاج اللازم. وقد نجحت المبادرة حتى الآن، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، في نقل أكثر من 900 طفل يعانون من إصابات بالغة وكسور معقدة وحالات بتر، بالإضافة إلى المصابين بمرض السرطان.

يتذكر محمود بمرارة كيف حاولت والدته إقناع الأطباء بعدم البتر خوفاً على مستقبله وحبه للرياضة، لكن خطر انتقال التسمم إلى الساق الأخرى كان داهماً. وبشجاعة تفوق عمره، وافق محمود على الجراحة بعدما رأى عشرات المصابين حوله في المستشفى يعانون من إصابات مماثلة، مدركاً أن البتر هو السبيل الوحيد للنجاة بحياته.

رغم فقدان ساقه ومنزله وكراته الخمس التي دمرها القصف، لم يتخل محمود عن حلمه الرياضي، بل قام بالتسجيل في نادي اتحاد دير البلح لفريق مبتوري الأطراف. ويطمح الفتى اليوم إلى تمثيل منتخب فلسطين في المحافل الدولية، مؤكداً أن الطرف الصناعي سيكون وسيلته للعودة إلى الملاعب التي طالما عشقها.

قصة أخرى يرويها زهدي أبو شنب (17 عاماً)، الذي فقد ساقه اليمنى في قصف استهدف منطقة خان يونس في سبتمبر 2025، وأسفر عن استشهاد تسعة مواطنين. كان زهدي في طريقه لشراء احتياجات لوالدته عندما وقع الانفجار، ليستيقظ في المستشفى ويجد نفسه مصاباً بجروح بليغة في الشرايين والأوردة أدت في النهاية إلى قرار البتر.

يعيش زهدي اليوم حالة من الشوق لعائلته في غزة، حيث يقضي معظم وقته في التنقل بين المستشفيات ومراكز التأهيل في الأردن. ويأمل الفتى أن تنتهي رحلة علاجه قريباً ليتمكن من العودة إلى أحضان والدته وإخوته، حاملاً معه طرفاً صناعياً يعينه على مواجهة واقع الحياة الجديد في القطاع.

جاءني الطبيب وقال يجب أن نبتر قدمك يا محمود.. نظرت حولي في المستشفى وجدت الجميع مبتوري الأطراف، فقلت له: ابترها يا دكتور.

أما في شمال القطاع، وتحديداً في جباليا، فقد قلبت غارة جوية حياة عائلة ريحان رأساً على عقب في يناير 2025، حيث أصيب الفتى عبد الرحمن ووالده بجروح خطيرة. عبد الرحمن فقد عظام قدميه، بينما اضطر والده عماد لخضوع لعملية بتر لساقه اليسرى من تحت الركبة، لتبدأ رحلة علاج مشتركة بين الأب وابنه.

يروي الوالد عماد تفاصيل قاسية عن إجراء العمليات الجراحية في مستشفيات غزة دون تخدير بسبب الحصار الخانق ونفاد المستلزمات الطبية. وقد خضع الأب وحده لـ 18 عملية جراحية بعد البتر، واصفاً الحرب بأنها كانت قاسية جداً ولم ترحم أحداً، ومشيراً إلى أن رحلة التعافي لا تزال طويلة ومؤلمة.

من جانبها، أوضحت تالا شرعان، ممثلة جمعية 'استعادة الأمل' أن الجمعية ركبت أكثر من 1200 طرف صناعي للمصابين من غزة سواء داخل القطاع أو في الأردن. وأشارت إلى أن العديد من المرضى يعانون من حالات بتر متعددة، مما يستدعي رعاية طبية ونفسية مكثفة ومعقدة تستمر لعدة أشهر.

وتؤكد رفاء محمود، مديرة الوحدة التقنية في الجمعية أن طبيعة الإصابات القادمة من غزة معقدة للغاية بسبب ظروف البتر الأولية التي تمت في الميدان. فمعظم العمليات كانت تهدف فقط لإنقاذ الحياة تحت ضغط القصف والحصار، مما يضطر الأطباء في الأردن لإعادة عمليات البتر وتصحيحها لضمان تركيب طرف صناعي ناجح.

وتشمل الخدمات المقدمة لهؤلاء الأطفال تركيب وصيانة الأطراف، وجلسات العلاج الطبيعي المكثفة، بالإضافة إلى برامج الدعم النفسي والاجتماعي. ويهدف هذا التكامل العلاجي إلى مساعدة الأطفال على تجاوز الصدمات النفسية العميقة التي خلفها فقدان أعضائهم ومشاهد الدمار التي عاشوها في غزة.

تستغرق رحلة التأهيل والتدريب على استخدام الأطراف الجديدة ما بين شهرين إلى ثلاثة أشهر، يواجه خلالها الأطفال تحديات جسدية ونفسية كبيرة. ومع ذلك، تظهر العزيمة واضحة في عيونهم وهم يخطون خطواتهم الأولى فوق أطرافهم الصناعية، متطلعين إلى مستقبل يخلعون فيه عباءة العجز التي حاول الاحتلال فرضها عليهم.

يبقى الأثر النفسي هو التحدي الأكبر الذي يواجه هؤلاء الفتية، حيث يحاول المختصون ترميم ما حطمته الحرب في أرواحهم بالتوازي مع ترميم أجسادهم. إن كل طرف صناعي يتم تركيبه يمثل قصة صمود جديدة، ورسالة بأن إرادة الحياة لدى أطفال فلسطين أقوى من آلة الدمار التي استهدفت أحلامهم.

اخبار ذات صلة