قبل أيام من الانتخابات الإسرائيلية المُقرّرة الثلاثاء المقبل، جاءت عملية إطلاق النار التي وقعت صباح أمس قرب الخليل، وأسفرت عن استشهاد شابَّين فلسطينيَّيْن (هما منفّذاها) ومقتل جنديَّيْن إسرائيليَّيْن وإصابة أربعة آخرين، لتضع حكومة الاحتلال أمام تحدٍّ أمني إضافي، بعدما كانت دأبت، طيلة الأشهر الماضية، على الاحتفاء بتراجع مستوى «الإرهاب» الفلسطيني في الضفة الغربية المحتلّة. ولم يتأخّر رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، في توظيف العملية لتبرير تصعيد عسكري كبير إضافي في الضفة، وشدّ عصب المستوطنين والناخبين من معسكر اليمين، إذ سارع نتنياهو إلى إلغاء الفعاليات السياسية التي كان حزب «الليكود» يعتزم تنظيمها صباح الجمعة، وتوجّه إلى الخليل برفقة وزير الحرب يسرائيل كاتس ورئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير، حيث أعلن من هناك الاستعداد لتنفيذ «عملية واسعة وقوية لم يقُم الجيش بمثلها منذ حرب الأيام الستة»، متوعّداً الأحياء التي خرج منها منفّذا الهجوم الفدائي بمصير مخيمات شمال الضفة، تحديداً جنين وطولكرم.
وفي وقت تُظهِر فيه استطلاعات الرأي، عشية الانتخابات، تقارباً كبيراً بين المعسكرَين الرئيسَين، وتستبعد حصول أيّ منهما على أغلبية 61 مقعداً في «الكنيست»، لم يفوّت نتنياهو فرصة ما ادّعى ضابط إسرائيلي كبير أنها «عملية كبيرة للغاية» تمّ منعها في الخليل، ليعيد تصدير نفسه بوصفه الأقدر على فرض الأمن. وقال نتنياهو، خلال اقتحامه المدينة، إن جيش الاحتلال سيدخل الأحياء التي خرج منها منفّذا العملية، ويخلي سكّانها، ويفتش المنازل بحثاً عن الأسلحة. كما كشف أنه أطلع كاتس على خطّة لتنفيذ عدوان واسع على الضفة سيكون غير مسبوق منذ عام 1967، مضيفاً أن تحديد توقيت هذا العدوان يعود إلى الحكومة. وإذ تفاخر بأن حكومته تعمل على بناء وتأهيل أكثر من 100 مستوطنة جديدة، إلى جانب أكثر من 100 بؤرة استيطانية، فقد توجّه إلى المستوطنين بوصفه إيّاهم بـ«الأبطال» الذين يقفون في الصفوف الأمامية ويمثّلون نموذجاً لدولة الاحتلال، متعهّداً بتدمير ما وصفه بـ«البنية التحتية للإرهاب»، بالتوازي مع توسيع الاستيطان.
وفي حين تزامنت تلك التصريحات مع إجراءات عسكرية وأمنية مباشرة، شملت فرض طوق أمني على الخليل وحلحول، وإغلاق مداخل المحافظة ومخارجها ومنع تنقّل الأهالي، إلى جانب تنفيذ مُداهمات واعتقالات، أوعز وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، بهدم مجموعة من المباني الفلسطينية في محيط موقع العملية الفدائية - وهو ما بدأ تنفيذه فوراً -، داعياً إلى شنّ حرب شاملة على الضفة. وجدّد وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، بدوره، مُطالبته بتفكيك السلطة الفلسطينية ونزع سلاحها وتشديد القيود على حركة الفلسطينيين، معتبراً أن توسيع الاستيطان لا يكفي من دون تغيير ما وصفه بـ«المفهوم الأمني». وتعكس هذه التصريحات تنافساً داخل معسكر اليمين على تبنّي المواقف الأكثر تشدّداً تجاه الفلسطينيين، وإغداق التعهّدات الأمنية والاستيطانية على جمهور هذا المعسكر.
وعلى هذه الخلفية، هاجم رئيس حزب «يسرائيل بيتينو»، أفيغدور ليبرمان، نتنياهو، مشيراً إلى أن الأخير يتعرّض لضغوط انتخابية. كما اتّهمه بمحاولة استخدام الوعود والتصريحات للتأثير في الناخبين، متوقّعاً أن يتّجه الناخبون إلى معارضي الائتلاف. لكنّ وزير الأمن، الذي كان هدّد بأن «المخرّبين ومَن يرسلهم ويوفّر لهم الغطاء سيدفعون ثمناً باهظاً للغاية»، اتّهم قادة «كتلة التغيير» بـ«تعريض أمن إسرائيل للخطر»، قائلاً إن «أيّ هجوم على إسرائيل، وكلّ الهجمات اللاحقة، ستُسجّل باسم يائير لابيد، ونفتالي بينت، ويائير غولان، وحلفائهم في المعارضة. ولذلك على أعضاء المعارضة الذين لا يكفّون عن مهاجمة رئيس الوزراء وأنا، وانتقاد مواقفنا، أن يحذروا، بناءً على المعلومات المتوفّرة لدينا، من نوايا أعدائنا لمهاجمة إسرائيل، وتنفيذ هجمات عشية الانتخابات، أو خلالها، بهدف التأثير على نتائجها». وفي ردّه على ذلك، اعتبر زعيم المعارضة، يائير لابيد، أن «تصريح كاتس المتهوّر والهستيري بمثابة هدية لأعداء إسرائيل. مرّة أخرى، تبحث الحكومة الفاشلة عن أعذار. لقد فشلوا في القضاء على حماس، وفشلوا في تقويض إيران، وفشلوا في القضاء على حزب الله، وفشلوا في الساحة الدولية، والآن يُلقون باللوم على المعارضة، يا له من جبن! يا له من اعتراف بعجزهم عن إدارة الدولة، وتوفير الأمن للإسرائيليين». واتّهم رئيس حزب «يشار»، غادي آيزنكوت، بدوره، وزير الأمن، بـ«تمهيد الطريق للكارثة القادمة، والتنصّل من المسؤولية مُسبقاً. فما يتحدث به هو سخافة، لأن إلقاء اللوم على خصومه السياسيين في الهجمات قبل وقوعها أمرٌ غير مسبوق، ويؤكد أننا أمام قيادة فاسدة وخطيرة».
وبمعزل عن التراشق السياسي وتبادل تحميل المسؤوليات، وكذلك عن سعي نتنياهو لاستغلال عملية الخليل في إبقاء المسألة الأمنية في الصدارة، فإن العملية تثير فعلاً الكثير من الشكوك، بالنسبة إلى الإسرائيليين، حول أداء حكومته، ولا سيما أنها تأتي بعد سنوات من الحرب والتصعيد العسكري في الضفة الغربية، فيما لا يبدو تجدّد الهجمات الفدائية مُستغرَباً على المقلب الفلسطيني، في ظلّ استمرار حرب الإبادة وتصاعد إرهاب المستوطنين. وكان قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال، أفي بلوط، أعلن «(أننا) أحبطنا هجوماً خطيراً كان يستهدف مواطنينا»، مشيراً إلى «(أننا) دفعنا ثمناً باهظاً في اشتباك الخليل وفقدنا اثنين من مقاتلينا»، مضيفاً: «(إننا) فرضنا حصاراً على الخليل وحلحول وسندمّر البنية التحتية الإرهابية».
وبحسب تحقيق أوّلي أوردت نتائجه إذاعة جيش الاحتلال، فقد وصل منفّذا العملية إلى المدخل الشمالي للخليل، تحديداً عند حاجز فرش الهوى، نحو الساعة السابعة والنصف صباحاً، حيث كانت قوة عسكرية تقيم نقطة تفتيش مؤقّتة لفحص المركبات الخارجة من المدينة. ووفق الرواية العبرية، كان المنفّذان يعتزمان الوصول إلى شارع 35 الذي يسلكه مستوطنون، لكنهما قرّرا استهداف نقطة التفتيش بعد تعذّر عبورها. وهكذا، ترجّلا من مركبتهما وهما يحملان بندقية آلية من طراز «M4» ومسدساً، وأطلقا النار في اتجاه الجنود. واستمرّ الاشتباك معهما أكثر من 20 دقيقة، قبل أن تصل تعزيزات عسكرية وتتمكّن قوات الاحتلال من قتل المنفّذَين، فيما تحدّثت المصادر الإسرائيلية عن العثور على كمّيات كبيرة من الذخيرة داخل المركبة. وبحسب نتائج التحقيقات أيضاً، فلم تكن ثمّة تحذيرات استخباراتية مُسبقة بشأن العملية، في حين تركّز أجهزة الاحتلال تحقيقاتها الآن على تحديد ما إذا كان المنفّذان قد تحرّكا بصورة فردية أم ضمن خلية مرتبطة بتنظيم أو جهة أخرى.
المصدر: الأخبار اللبنانية
