☰
✕

قائمة الموقع

لماذا يعجز نازحو غزة عن تخزين الطحين قبل الأزمات؟

2026-10-24T11:36:00+03:00
أزمة الخبز في غزة
شمس نيوز - مطر الزق

وصل إبراهيم إلى خيمته المهترئة في قطاع غزة منهكا، بعد جولة شاقة في الأسواق بحثا عن كيس من الطحين وبعض الخضروات لإعداد الطعام لأبنائه؛ لكنه عاد خالي الوفاض، محملا بخيبة أمل لم يجد ما يخففها أمام أطفاله الذين ينتظرون وجبتهم اليومية.

جلس على مدخل الخيمة، يركل التراب بقدمه، قبل أن يلتفت إلى أبنائه قائلا بصعوبة: "اليوم فش خبز، دبروا حالكم بالرز أو أي طعام".

انهالت عليه أسئلتهم بصدمة: «ليش؟ إيش فيه؟»، فابتلع ريقه وأجاب: "لفيت كل السوق، ما فيه طحين، التجار خبوا الطحين، والأسعار ارتفعت أضعاف مضاعفة".

أمسك إبراهيم حجرا من الأرض ورماه بعيدا، قبل أن يطلق تنهيدة غاضبة: "حسبنا الله عليهم، كيس الطحين اللي وزنه 25 كيلو كان ينباع بـ25 شيكل، واليوم إذا لقيته في السوق بوصل 150 شيكل، وبعضه مسوس ومدود، إحنا يابا بنحارب اليهود والتجار والمسؤولين مع بعض".

لم تجد زوجته ما تقوله سوى معاتبته: "حكتلك خزن كيس أو اثنين للأزمة؟ إحنا بوضع سيئ جدا، والأزمات بتلاحقنا يوم بعد يوم، هلقيت الأزمة اشتدت، إيش بدنا نسوي؟".

وين بدي أخزن كيس الطحين؟

ضرب إبراهيم كفا بكف، ورد عليها مستنكرا: "وين بدنا نخزن أكياس الطحين؟ إنت شايفة كيف عايشين في خيمة، والجرذان زي أولادنا، من كل مكان بتدخل علينا، إنت نسيتِ يوم ما خبينا السيرج فوق الخيمة، كيف خرقت الجرذان البلاستيك وخربت السيرج والطحينة والبندورة، وحتى الخبز أكلته؟".

ولم تكن القوارض وحدها ما يمنعه من تخزين الغذاء؛ فالشتاء يقترب، وخيمته لا تحمي ما بداخلها من الأمطار، وبحرقة، قال لزوجته: "وين أخزن كيس الطحين وإحنا على أبواب الشتاء؟ الخيمة ممزقة ومهترئة، ومياه الأمطار بتجري بين الملابس والفرشات".

ثم استعاد ذاكرته في الشتاء الماضي، حين غمرت المياه مكان إيوائهم وأتلفت ما لديهم من طعام وشراب، ليجد نفسه اليوم أمام معضلة جديدة: "كيف يحتفظ بمخزون غذائي لا يملك مكانا آمنا لحمايته، ولا المال الكافي لتعويضه إذا تلف؟".

لكن إبراهيم لا يرى أن ظروف النزوح وحدها تفسر ما يحدث في الأسواق، ويقول "إن الارتفاع المفاجئ في الأسعار يثير تساؤلات عن توافر الطحين وحجم المخزون لدى التجار والمؤسسات الإنسانية".

وأضاف معترضا: "يومين بس على إغلاق المعبر، معقول مخازن التجار فاضية، ولا المؤسسات الدولية فاضية؟ لو ارتفع سعر الطحين، يرتفع تدريجيا 10 شواكل أو 20 أو 30، مش دفعة وحدة يزيد 100 شيكل، هذا ظلم وافتراء من تجار الحرب".

واتهم إبراهيم بعض التجار باستغلال الأزمة ورفع الأسعار، قائلا "إن بعضهم جمع كميات كبيرة من الطحين، ثم تعرض جزء منها للتلف بسبب طول التخزين، قبل أن يفاجأ المستهلكون بارتفاع الأسعار.

تقليص المساعدات يفاقم أزمة الطحين

لا تنفصل مخاوف إبراهيم عن أزمة أوسع تتعلق بتراجع المساعدات الإنسانية في قطاع غزة، في وقت لا تزال فيه مئات الآلاف من الأسر تعتمد على الدعم الغذائي والنقدي لتأمين احتياجاتها الأساسية.

وفي 19 أكتوبر 2026، أعلن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة تقليص مساعداته في القطاع بسبب نقص التمويل، ما سيحرم نحو 500 ألف شخص من الحصول على المساعدات الشهرية التي كانوا يتلقونها.

وبموجب الإجراءات الجديدة، تراجع عدد المستفيدين من مساعدات البرنامج الغذائية والنقدية من نحو 1.6 مليون شخص في سبتمبر إلى 1.1 مليون في أكتوبر، فيما خفض البرنامج الحصص الغذائية إلى النصف، وقلص حجم أكياس الطحين المقدمة للأسر المستفيدة.

كما خفض عدد الوجبات الساخنة التي يوفرها يوميا من 250 ألفا إلى 150 ألف وجبة، وقلص قيمة المساعدات النقدية المقدمة إلى 75 ألف أسرة.

وحذر البرنامج من أن التحسن الذي شهدته مستويات الأمن الغذائي خلال الأشهر الماضية لا يزال هشا، وأن استمرار نقص التمويل قد يؤدي إلى تدهور الأوضاع مجددا، خصوصا مع اقتراب فصل الشتاء.

ووفقا لأحدث التقييمات التي أوردها البرنامج، لا يزال نحو 1.4 مليون شخص، أي ما يعادل 67 بالمئة من سكان القطاع، يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد عند مستويات الأزمة أو ما هو أسوأ، بينهم نحو 200 ألف شخص يواجهون ظروفا طارئة تستدعي مساعدات غذائية عاجلة.

وتزيد هذه الأرقام من المخاوف بشأن قدرة الأسر النازحة على تدبير احتياجاتها اليومية، في ظل تراجع المساعدات وارتفاع تكاليف المعيشة ومحدودية مصادر الدخل.

ساعات انتظار من أجل ربطة خبز

وعلى بعد نحو 500 متر من المخيم الذي يعيش فيه إبراهيم، يصطف مئات النازحين أمام نقطة لتوزيع الخبز المدعوم، أملا في الحصول على ربطة واحدة تكفي لإطعام أطفالهم.

بين المنتظرين، يقف أبو ركان، الذي أنهكه السهر والانتظار، بعدما وصل إلى نقطة التوزيع منذ السادسة صباحا، من دون أن يتمكن حتى الآن من الحصول على الخبز.

ويقول لمراسلنا: "وصلت من الساعة السادسة تقريبا، ولسه بستنى توزيع الخبز، مضطر أوقف كل هالساعات عشان أحصل على ربطة أرجع فيها لأولادي".

ويربط أبو ركان بين تراجع المساعدات واتساع الضغوط على الأسر النازحة، قائلا "إن تقليص برنامج الأغذية العالمي مساعداته انعكس، بحسب ما يراه، على أزمة الطحين والوجبات التي توفرها التكايا، وهي من أبرز مصادر الغذاء التي تعتمد عليها عائلات كثيرة.

وأضاف: "المساعدات الإنسانية والغذائية هي خط الدفاع الأخير عن الأسر الغزية النازحة، إذا انقطعت المساعدات، من وين بدها الناس تجيب الأكل؟ كيف بدها تأكل؟ وشو بدو يعمل رب الأسرة عشان يسد جوع أطفاله؟".

ويخشى أبو ركان أن يؤدي استمرار الأزمة وتراجع الإمدادات الغذائية إلى عودة القطاع إلى ظروف المجاعة التي شهدها العام الماضي، مطالبا المؤسسات الدولية والدول الراعية لاتفاق وقف إطلاق النار بالتدخل العاجل لتأمين الغذاء، وضمان استمرار المساعدات، ومنع تفاقم الجوع بين النازحين.

اخبار ذات صلة