تبلغ نسرين سكيك من العمر 12 عاما، ولا تملك من أدوات الإنتاج سوى هاتف تبحث له عن كهرباء، وبطاقة إنترنت قد لا تمنحها أكثر من دقائق معدودة، ومع ذلك وصل صوتها إلى منصة عالمية، فرُشّحت لجائزة أفضل صانعة محتوى لعام 2026، وبلغت فيها قائمة المرشحين النهائيين الثمانية على مستوى العالم.
لم تكن الكاميرا في يد الطفلة الغزية أداةً لتسجيل اللحظات العابرة، بل صارت نافذةً تطل منها على العالم لتروي حكاية أطفال حُرموا الأمان، وتركوا بيوتهم وألعابهم وذكرياتهم تحت وطأة النزوح والقصف.
طفلة أمام واقع أكبر من عمرها
في غزة، حيث تتكرر مشاهد الرحيل وتعلو أصوات القصف ويثقل الخوف من الفقد والجوع أيام الصغار، وجدت نسرين نفسها أمام واقع يفوق سنوات عمرها، رأت عائلات تغادر منازلها بحثًا عن مكان آمن، وأطفالًا يبكون ألعابهم التي خلّفوها وراءهم، ووجوهًا أنهكها الخوف من المجهول.
لكنها لم تكتفِ بالمشاهدة، بل قررت أن تجعل من صوتها وسيلةً لإيصال ما يجري في القطاع إلى الخارج.
تقول نسرين: "نحن تركنا بيوتنا، وتركنا أحلامنا وذكرياتنا وألعابنا، وصرنا ننزح من مكان إلى مكان. كنت أشوف الناس تبكي، والعائلات تترك بيوتها وأغراضها حتى تحمي حالها وأولادها".
وتضيف: "حسّيت إنه لازم أوصّل صوتي وصوت أطفال غزة للعالم".
بدأت رحلتها مع صناعة المحتوى منذ الأيام الأولى للحرب، حين اضطرت عائلتها إلى مغادرة منزلها كما فعلت آلاف العائلات. وبالنسبة إليها، لم يكن النزوح مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل تجربة قاسية كشفت لها حجم المعاناة التي يعيشها أقرانها.
ما وراء الأرقام
لم تكن نسرين تلاحق الشهرة، بل أرادت أن يسمع الآخرون حكاية أطفال يعيشون الحرب، وأن يروا جانبًا من يومياتهم بعيدًا عن الأرقام والأخبار المقتضبة. أرادت أن تنقل أحلامهم ومخاوفهم وآمالهم، وأن تؤكد أن لكل طفل في غزة قصةً تستحق أن تُروى.
ومن بين ما تركته الحرب من أثر عميق في نفسها، يبرز النزوح والجوع بوصفهما أقسى ما مرّ على أطفال القطاع. فالنزوح في تعريفها لا يعني تغيير المكان فحسب، بل فقدان الشعور بالأمان، والابتعاد عن البيت والمدرسة والأصدقاء وتلك الأشياء الصغيرة التي تمنح الطفولة معناها.
أما الجوع فتصفه بعبارات بسيطة تحمل ثقل التجربة: "الجوع إنك تنام وإنت جوعان، أو ما تلاقي اللقمة اللي تأكلها، هذا إشي صعب جدًا".
دقائق إنترنت وهاتف يبحث عن كهرباء
خلف المقاطع التي تصل إلى المتابعين حكاية أخرى لا تظهر أمام العدسة، فصناعة المحتوى في ظل الحرب ليست أمرًا يسيرًا. تروي نسرين أن شحن الهاتف كان يستلزم أحيانًا قطع مسافات طويلة، وأن الاتصال بالإنترنت كان يفرض عليها البحث عن بطاقات اتصال وشراءها، رغم محدودية الإمكانات وقسوة الظروف المعيشية.
وتقول: "نقدر نوثّق اللي بصير فينا. كنا نقطع مسافات كبيرة عشان نشحنه، والإنترنت كمان كان صعب نشتري بطاقة إنترنت، وما يكون معنا إلا وقت قليل نقدر نستخدمه فيه".
غير أن هذه العقبات لم تُثنِها عن هدفها. فكلما نجحت في شحن هاتفها أو الحصول على إشارة إنترنت، عادت إلى الكاميرا لتوثّق ما تستطيعه من تفاصيل الحياة في غزة، في محاولة لإبقاء صوت الأطفال حاضرًا رغم الحصار الذي يطوّقهم.
رسالة غيّرت المشهد
وبينما كانت منشغلة بتوثيق يومياتها، وصلتها رسالة إلكترونية فاجأتها: لقد رُشّحت لجائزة أفضل صانعة محتوى لعام 2026. وتقول إن فرحتها وفخرها تضاعفا حين علمت ببلوغها المرحلة النهائية ضمن قائمة تضم ثمانية صناع محتوى على مستوى العالم، بحسب ما ذكرته.
وتستعيد تلك اللحظة قائلة: "كنت بتصفح عادي، وفجأة إجاني إيميل إنه تم ترشيحي لأفضل صانعة محتوى لعام 2026 على مستوى العالم. فرحتي كانت كبيرة جدًا، وكنت فخورة بنفسي، لأني حسّيت إني قدرت أوصّل صوت أطفال غزة".
وتتابع: "أنا قدرت أوصّل صوت لأطفال غزة، صوت لأحلامهم وطموحاتهم وأملهم ومستقبلهم. وشكرًا لكل حدا صوّت إلي، ولكل حدا دعمني وساعدني أوصّل صوتي وصوت أطفال غزة للعالم".
من العدسة إلى العيادة
ورغم ما حققته من حضور، لا ترى نسرين في هذه التجربة نهاية الطريق، بل محطة في رحلة تنوي مواصلتها. فلديها حلم آخر: أن تدرس طب الأسنان وتصبح طبيبة معروفة، وتفتح عيادة في بلدها لتعالج الناس.
وتقول: "حلمي أكون دكتورة أسنان معروفة على مستوى العالم. وبالنسبة لصناعة المحتوى، رح أستمر فيها طالما عندي رسالة أو حدث بقدر أوصله للناس".
ولا يقف طموحها عند حدود النجاح المهني، فهي تتمنى أن يعود نفعه على مجتمعها: "لما أفتح عيادتي، بدي أفتحها في نص بلدي، حتى أعالج الناس وأساعدهم".
إنه حلم فتاة ترفض أن يُختزل مستقبلها في تجربة الحرب، وتسعى إلى حياة يكون فيها العلم والعمل وخدمة الآخرين جزءًا من الطريق. وبين الكاميرا التي تحملها اليوم والعيادة التي تتمنى افتتاحها غدًا، تتمسك نسرين بحقها في الحلم، شأنها شأن كل الأطفال الذين يستحقون مستقبلًا أكثر أمانًا.
"نحن هنا"
قد تكون نسرين اليوم طفلةً تحمل هاتفًا وإرادة كبيرة، لكنها ترى في صوتها مسؤوليةً تجاه أقرانها، وفي نجاحها فرصةً لإيصال رسالتهم إلى جمهور أوسع. وتبقى حكايتها شهادةً على أن الطفولة في غزة، على قسوة ما تواجهه، لا تزال تتمسك بالحلم والأمل.
ففي مكان يحاول فيه الأطفال حفظ أبسط تفاصيل حياتهم، اختارت نسرين أن تجعل من كاميرتها جسرًا بين غزة والعالم، وأن تقول بطريقتها البسيطة: نحن هنا، لنا أحلام ولنا أصوات، ونريد أن يسمعنا العالم.