بقلم: فارس رفيق فحماوي، باحث في الفكر السياسي الإسلامي المقارن
أكتب هذه السطور ليس كمنتمٍ لفصيل، ولا كمتحدث باسم تنظيم، أكتبها كفلسطيني، كابن لهذه الأرض، وطني عروبي إسلامي، من أهل فلسطين، ومن عمقهم.
وأعجب هذه الأيام من ناشطين ينادون ليل نهار بـ "الوحدة الوطنية على أساس المشروع الوطني الفلسطيني"، فأسألهم سؤال المواطن البسيط:
عن أي مشروع وطني تتحدثون؟ ومن وكلكم به؟ وكيف؟
نحن كشعب فلسطيني، لم يفوض أحداً ليحول قضيتنا من قضية تحرير وعودة إلى قضية مساومة.
إن أي مشروع وطني فلسطيني أصيل، يجب أن يضع أولاً وقبل كل شيء: *التحرير والعودة.* هذا ما تربينا عليه، وهذا ما استشهد من أجله آباؤنا.
دعونا نراجع بصدق، ليس تاريخ فصيل، بل تاريخنا كشعب، تاريخ قرن كامل من المساومة التي باءت بالفشل:
*من الحرب العالمية الأولى ووعد بلفور 1917، مروراً بالحرب العالمية الثانية وقرار التقسيم 1947، إلى مشروع روجرز 1970، إلى... إلى... إلى أوسلو الدنية 1993.*
مئة عام من المساومة، ماذا جلبت لنا كفلسطينيين؟
هل أعادت لاجئاً؟ هل حررت شبراً؟ هل منعت مستوطنة؟
لا والله، بل أعطتنا وعوداً بلا سيادة، واتفاقيات تزداد فيها الأرض ضيقاً علينا واتساعاً على المحتل.
لهذا أقول: آن الأوان أن ننقد المرحلة السابقة كلها، بكل تجاربها، نقداً وطنياً صادقاً، لا نقداً فصائلياً، نقداً يطورنا ويؤدي فعلاً إلى تطبيق المشروع الوطني الفلسطيني الحقيقي، لا إلى تجميل الفشل.
ومشروعنا الوطني الحقيقي كما أراه أنا، ابن فلسطين العروبي المسلم، يقوم على حقيقتين:
الحقيقة الأولى: فلسطين ليست شأناً فلسطينياً فحسب.
هذه الجملة أكررها وأؤكد عليها. فلسطين ليست ملفاً إدارياً في سلطة، فلسطين قضية أمة. عمقها إسلامي وعروبي، ويناصرها كل حر في العالم. من أراد أن يعزلها عن عمقها، فقد حكم عليها بالموت. نحن جزء من هذه الأمة، ولسنا طارئين عليها.
الحقيقة الثانية: لا نبحث عن بديل يلغي أحداً، بل نضع يدنا على الجرح.
نحن لا نبحث عن فتنة، ولا عن إقصاء، نحن نبحث عن تشخيص: *أين أصبنا وأين أخطأنا؟*
وهذا التشخيص يتطلب أن نعيد الأمور إلى نصابها:
- أن يكون أهل فلسطين، كل أهل فلسطين في الداخل والشتات، هم *رأس الرمح*، هم أصحاب القرار والدم والتضحية، لا يُفرض عليهم مشروع في الغرف المغلقة.
- وأن يكون العروبيون والإسلاميون الأحرار، من المحيط إلى الخليج، هم *العمق والسند والظهير*، لا مجرد متفرجين أو وسطاء.
أنا لا أتحدث باسم فصيل، ولا أدافع عن فصيل، أنا أدافع عن فلسطين التي هي أكبر من كل الفصائل. فلسطين التي هي مشروع تحرر وعودة، ومشروع وعي وذاكرة، ومشروع أمة.
هذا هو المشروع الوطني الفلسطيني بين المساومة التي جربناها مئة عام ففشلت، والمقاومة بكل أشكالها التي أبقت قضيتنا حية.
والله ناصر المؤمنين، وكان حقاً علينا نصر المؤمنين.
