على مدى الأسابيع الماضية، اشتغلت آلة القتل العشوائي والقصف والتدمير الإسرائيلية في قطاع غزة، حاصدةً أرواح المئات من أبنائه، الذين راحوا ضحايا للدعاية الانتخابية الإسرائيلية التي تُجرى، اليوم، والتي رفعت فيها المعسكرات المتنافسة لهجة التهديد باستئناف حرب الإبادة على القطاع مُجدّداً. تحت غطاء حساسية موقف رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، في الانتخابات، كان طلب الأميركيون من «مجلس السلام»، وفصائل المقاومة، بكلّ «وقاحة»، غضّ الطرف عن عمليات الاغتيال والنسف، والتنصّل من اتفاق وقف إطلاق النار، وذلك لتمرير الموسم الانتخابي، فيما أُرجئ الحديث عن ترتيبات ما بعد الحرب، وإدارة القطاع، وإعادة إعماره، ومستقبل السلاح، والاحتلال العسكري الإسرائيلي، إلى ما بعد حسم المعركة السياسية في الكيان. وعليه، استمرّت حالة الجمود السياسي، بينما لم يُسمح بدخول «اللجنة الإدارية» و«مجلس السلام» إلى غزة لممارسة مهامهما. أيضاً، تنصّل وزراء الائتلاف الحكومي من استحقاقات اتفاق تشرين الأول 2025، وتكرّرت تصريحات التهديد بتهجير سكان مدينة غزة إلى جنوب القطاع لإكمال ما يُسمّى «مهمة القضاء على حماس ونزع سلاحها»، في حين أعلن نتنياهو التمسّك بمشروع «تهجير الغزيين إلى دول أخرى».
بالنسبة إلى سكان القطاع، ورغم الواقع الميداني والمعيشي القاتم، وعمليات الاغتيال التي لا تتوقّف، فإن بقاء الأوضاع على حالها السيّئة، من دون أن تتطوّر إلى ما هو أسوأ، من مثل تنفيذ تهديدات اقتحام المدن مجدّداً، وتهجير سكانها، أو استهداف المستشفيات بعمليات أمنية مُكثفة، يمثّل عبوراً آمناً من كوابيس لا يقوى أحد على تحمّلها حتى في خياله. في الشارع الغزي، ثمّة إدراك لحقيقة أن نتيجة الانتخابات الإسرائيلية لن تنعكس بشكل جذري على واقع القطاع، سواء فاز ائتلاف نتنياهو أو أيّ من منافسيه. فهذه السياسات التي يجري تطبيقها الآن، هي نتاج محدّدات قُدّمت من مراكز دراسات ومعاهد للأمن القومي. ورغم دنوّ عتبة الأمل والحال تلك، فإن الخلاص من نتنياهو بوصفه من ارتكب جريمة الإبادة وأطال أمد الحرب، يكاد يكون أملاً شعبياً جمعياً. يقول رامي عيسى، وهو نازح من مخيم جباليا إلى غرب مدينة غزة، إن «ما بين غزة وأهلها وبين إسرائيل، حمام دم كبيراً، يتحمّل هذا الكيان كلّه المسؤولية عنه، وعلى رأسه مجرم الحرب نتنياهو الذي تعامل بأعلى مستويات الانتقام والحقد، ومن دون أيّ ضوابط أخلاقية في جريمة الإبادة. نعم نتمنّى له أن يُهزم ويُحاكم ويدفع ثمن جرائمه، رغم أننا لا نتوقّع خيراً من أيّ من منافسيه».
وحوّلت ثلاث سنوات من الإبادة، وكثافة التصريحات المتبادلة بين المتنافسين حول غزة، سكان القطاع إلى أكثر الشعوب خبرة ومراقبة للحياة السياسية الإسرائيلية. وانطلاقاً من ذلك، يرى هاني أبو أحمد، وهو معلم حكومي ومتابع للشأن الإسرائيلي، أن «إسرائيل بكلّ أطيافها، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، تنظر إلى القطاع كمشكلة أمنية يجب حلّها، وليس مشكلة سياسية. لذا، فإن الأمل في أن فوز أحد منافسي نتنياهو قد ينعكس إيجابياً في القطاع، وخصوصاً في تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار، ووقف الإبادة، يفنّده المزاج الشعبي العام في إسرائيل، والذي يدعو طوال الوقت إلى مزيد من القتل والتهجير والتجويع. الخلافات لا تتمحور حول جوهر الموقف من القضية الفلسطينية، وإنما تدور في كثير من الأحيان، حول تبنّي المواقف الأكثر تشدّداً تجاه غزة».
أمّا طالب العلوم السياسية في جامعة الأزهر، والباحث في الشأن الإسرائيلي، أحمد زهران، فيرى، في حديث إلى «الأخبار»، أن «منافسي حكومة نتنياهو يختلفون معه في التفاصيل، ويحمّلونه المسؤولية عن الفشل، لكنهم يؤمنون بمواصلة الإفراط في استخدام القوة العسكرية والردع والسيطرة الأمنية. وعليه، فإنه بالنسبة إلينا كغزيين، الأزمة ليست في الأشخاص، وإن كنّا نكره نتنياهو أكثر من أيّ مجرم آخر في هذا العالم، بل في المبدأ الأساسي للتعامل مع غزة، والرؤية التي تلقى إجماعاً واتفاقاً بين المعارضة والائتلاف الحكومي الحالي بشأن مستقبل القطاع، والتي تتلخّص في مواصلة الاغتيالات، والتضييق المعيشي وتعطيل الإعمار، وصولاً إلى التهجير».
ما يضجّ به الشارع الإسرائيلي منذ أشهر، حول وجود قناعة لدى كلّ الأطراف بأن الحرب على قطاع غزة، برغم الإفراط في استخدام القوة والقتل العشوائي خلالها، لم تحقّق أهدافها المُعلنة، وأهمّها القضاء على «حماس»، يقابله تضاؤل في النقاش العلني حول جريمة الإبادة، وسمعة إسرائيل في العالم، وملاحقة الجنود الإسرائيليين في المحافل الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب. ويعني ذلك أن القطاع سيبقى رهينة مزاج «شعبي» إسرائيلي متعطّش لمزيد من القتل، يطيعه سياسيون متعطّشون أكثر للبقاء السياسي.
المصدر: الأخبار اللبنانية