في مساء 27 أكتوبر/تشرين الأول 2023، انقطعت الاتصالات والإنترنت عن قطاع غزة، بالتزامن مع تصاعد القصف وبدء التوغل البري الإسرائيلي. وعلى مدار ثلاثة أيام، وجد الصحفيون أنفسهم في عزلة قاسية عن العالم، عاجزين عن التواصل مع عائلاتهم أو الاطمئنان على أحبائهم، فيما واصلوا محاولاتهم لتغطية الأحداث بإمكانات محدودة وتحت القصف.
لم يكن الانقطاع مجرد تعطل لوسائل الاتصال، بل تجربة امتزج فيها الخوف على العائلة بصعوبة الوصول إلى المعلومات، وأصبح فيها العثور على إشارة أو تأمين شحن الهاتف تحديًا إضافيًا أمام الصحفيين الذين كانوا يحاولون نقل ما يجري في الميدان.
حين يتحوّل الهاتف إلى شاهد على الفقد.
كانت الصحفية ولاء قنَن في شمال القطاع، بينما نزحت عائلتها إلى الجنوب. ومع انقطاع الاتصالات، وجدت نفسها عاجزة عن الاطمئنان على أسرتها، خصوصًا بعد استهداف منزلهم واستشهاد عدد من أقاربها.
تقول قنَن: "ما كنت قادرة أركز بشغلي، خصوصًا لما عرفت إنه بيتنا تم استهدافه وراح، واستشهدوا ولاد عمي، وإخوتي كانوا أقرب للموت. ما كنت أعرف عنهم أي خبر إلا لما أتواصل مع طواقم الإسعاف ويبلغوني بأوضاعهم".
لكن اللحظة الأصعب في تجربتها كانت استشهاد خالها، أبو عبد الله العمري، سائق إسعاف الهلال الأحمر. كانت تتحدث إليه عبر الهاتف حين سمعت صوت القنص واستشهاده، لتجد نفسها عاجزة عن مواساة والدتها أو مواصلة عملها.
وتضيف: "موقف خالي لليوم مش قادرة أنام منه، وعندي أرق دائم بسببه، لأنه الصوت والحدث مش راضيين يفارقوني".
رسالة قصيرة في مواجهة المجهول.
بعد نزوح عائلته إلى جنوب القطاع، بقي علي أبو سلطان في الشمال، منفصلًا عن أحبائه خلال انقطاع الاتصالات. ومع بدء القصف، وجد نفسه عاجزًا عن طمأنتهم بأنه ما زال على قيد الحياة.
يستعيد تلك اللحظات قائلًا إن انقطاع الشبكات جاء مفاجئًا، وإنه شاهد الناس في الشوارع يرفعون هواتفهم بحثًا عن إشارة اتصال، قبل أن يتصاعد القصف وتبدأ الأحزمة النارية.
ويصف أبو سلطان قائلًا: "العبرة مش بالقصف، العبرة بغصة القلب، إنك قاعد بالشمال لحالك، وعارف إن أهلك بالجنوب ميتين خوف عليك وبيفكروك رحت بالضربة، وأنت مش قادر تطلع صوتك وتقولهم أنا حي".
حاول البحث عن إشارة عبر هاتفه، فكان يصعد إلى الدرج ويجري بحثًا يدويًا عن الشبكات، إلى أن كتب رسالة نصية قصيرة يطمئن فيها عائلته: "أنا بخير". ثم ترك هاتفه في مكان مرتفع قرب الباب، على أمل أن تتمكن الرسالة من الوصول إليهم.
صحافة الهاتف وشحن يُحسب بالدقيقة.
لم يقتصر تأثير انقطاع الاتصالات على التواصل مع العائلات، بل امتد إلى تفاصيل العمل الصحفي نفسه. فقد اضطر الصحفيون إلى الاعتماد على الهواتف المحمولة في إنجاز موادهم، في ظل صعوبة استخدام المعدات المعتادة ومحدودية مصادر الطاقة.
ويستعيد الصحفي يوسف فارس تلك الظروف، موضحًا أن شحن الهواتف كان يتطلب قطع مسافات للوصول إلى نقاط تتوافر فيها الكهرباء، بينما كان شحن الحواسيب المحمولة أكثر صعوبة، خصوصًا أنه كان يعمل مراسلًا تلفزيونيًا ويحتاج إلى تجهيز المواد الصحفية وإرسالها.
ويقول فارس إن الشحن أصبح يُحسب بالدقيقة، نظرًا إلى ارتباط استمرار العمل بتوافر الطاقة اللازمة للأجهزة. وفي محاولة لتأمين وسائل اتصال بديلة، وفّر زملاء عشر شرائح اتصال للصحفيين الموجودين في شمال القطاع، إلا أن استخدامها ظل محدودًا بسبب ضعف الإشارة والحاجة إلى التوجه إلى أماكن مكشوفة لالتقاطها.
وفي الميدان، واجه الصحفيون صعوبة في التواصل مع الطواقم الطبية وإيصال المعلومات إليها، إلا أنه كان هناك مجموعات خاص بينهم لتوصيل الأخبار.
ويوضح فارس أنه عندما يقع استهداف ويكون برفقته سيارة، يتوجه بها مباشرة إلى أقرب نقطة طبية لإبلاغ الطواقم بما حدث، في محاولة لتسريع وصول المعلومات والاستجابة للحالات الطارئة.
كان فارس يعيش قلقًا مضاعفًا، إذ بقي في شمال القطاع بينما كانت زوجته وأطفاله في الجنوب. وخلال الأيام الثلاثة التي انقطعت فيها الاتصالات، لم يتمكن من التواصل معهم، وكان يلجأ إلى نقاط الاتصال المتاحة على أمل الاطمئنان عليهم.
بين الخوف على الأحبة، ومرارة الفقد، وصعوبة مواصلة التغطية، عاش الصحفيون ثلاثة أيام من العزلة، حاولوا خلالها طمأنة عائلاتهم ونقل ما يجري في الميدان، في وقتٍ انقطع فيه صوتهم عن العالم، وبقيت الحقيقة تنتظر من يوصلها.