☰
✕

قائمة الموقع

فتحي الشقاقي.. اغتالوا الجسد فبقيت الفكرة واستمرّ المشروع

2026-10-27T15:21:00+02:00
بقلم: عادل أبو هاشم

 كان أصلب من الفولاذ ، وأمضى من السيف ، وأرقّ من النسمة ، كان بسيطًا إلى حد الذهول ، مركبًا إلى حد المعجزة .!

كان ممتلئًا إيمانًا، ووعيًا، وعشقًا، وثورة من قمة رأسه حتى أخمص قدميه، عاش بيننا لكنه لم يكن لنا، لم نلتقط السر المنسكب إليه من النبع الصافي "وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي"، "وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي"، لكن روحه المشتعلة التقطت الإشارة فغادرنا مسرعًا ملبيًا "وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى " .

هكذا وصف الدكتور رمضان عبد الله شلح الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي قي فلسطين القائد والمعلم و الرمز الدكتور فتحي إبراهيم عبد العزيز الشقاقي " أبو ابراهيم " بعد اغتياله .

شكّل القائد الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي محور الإرتكاز في تأسيس حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، وصياغة منظومتها الفكرية، وبناء بنيتها التنظيمية والقيادية، مستندًا إلى روح ثورية وثّابة حوّلت الأفكار إلى مشروع سياسي وفكري وحركي، جعل من فلسطين القضية المركزية للحركة الإسلامية المعاصرة، ومن مقاومة الإحتلال ومواجهة التبعية للمشروع الغربي عنوانًا لمشروعه النهضوي.

لم يكن الشقاقي مجرد مؤسس لحركة، بل كان صاحب رؤية سعى من خلالها إلى كسر حالة الركود، واستنهاض الوعي الإسلامي، وربط الإسلام بقضايا الأمة، وفي مقدمتها تحرير فلسطين .

ولذلك، لم يكن غريبًا أن يسعى العدو  الإسرائيلي إلى إبعاده عن أرض الوطن، ظنًّا منه أن إبعاده سيحدّ من تأثيره ويعطّل مشروعه، لكن الشقاقي أثبت أن القادة أصحاب الأفكار والمشاريع لا تحاصرهم الجدران، ولا تنفيهم المسافات، ولا تطفئ أصواتهم محاولات الإقصاء .

فمن داخل السجون، واصل دوره في التوجيه والقيادة، وأسهم في تعزيز حضور حركة الجهاد الإسلامي في المشهد الفلسطيني، حتى أبعدته سلطات العدو الإسرائيلي إلى لبنان عام 1988 م ، في محاولة جديدة لقطع صلته بشعبه وأرضه.

غير أن الإبعاد لم ينهِ حضوره، ولم يوقف تأثيره، بل ظلّ حاضرًا في قلب المشروع الذي أسهم في تأسيسه، إلى أن امتدت إليه يد الإغتيال الإسرائيلي في مالطا يوم الخميس26 أكتوبر/تشرين الأول 1995م ، في جريمة استهدفت اغتيال القائد والفكرة معًا.

رحل الشقاقي وهو في الثالثة والأربعين من عمره مخلفـًا وراءه ثمرة زواج دام خمسة عشر عامًا، وهم ثلاثة أطفال وزوجته السيدة " فتحية الشقاقي " وجنينها .

في سبيل الله كان الشقاقي على موعد ، لا يقدم رجلاً ولا يؤخر أخرى ، لقد غرس قدمه في ساحة الجهاد لدفع العدوان عن أرضه والإنتصار للحق في فلسطين .

أدرك الشقاقي أن الصراع مع هذا الوحش الضاري قد يودي إلى الموت لكنه أيضاً كان يدرك أن الإسلام والوطن يريد رجالاً ينتصرون للحق ، وقد يستشهدون في الدرب الطويل للجهاد .

استشهد " أبو ابراهيم " كما يستشهد الفرسان حقاً :

ذهب إلى موته بشجاعة . .
 وجاؤوا إليه بخسة ونذالة..!

وفي الذكرى الحادية والثلاثين لإغتياله ، تعود سيرة فتحي الشقاقي لتستحضر تجربة قائد جمع بين الفكر والعمل ، وبين الهوية الإسلامية والإنتماء الوطني، وجعل من معادلة «الإسلام ـ الجهاد ـالجماهيرية» ركيزة لمشروعه.

فقد آمن بأن القضية الفلسطينية ليست قضية شعب واقع تحت الإحتلال فحسب ، بل قضية أمة تتوقف قدرتها على النهوض على تحرر إرادتها من التبعية، واستعادة دورها في مواجهة الهيمنة والإحتلال .

لقد راهن العدو  على أن اغتيال الشقاقي سيطوي صفحة حركة الجهاد الإسلامي، ويقوّض المشروع الذي حمله، لكن مسار الأحداث أثبت أن اغتيال القادة لا يعني بالضرورة موت الأفكار التي آمنوا بها .

وهكذا بقي فتحي الشقاقي حاضرًا في الذاكرة الفلسطينية بوصفه مؤسسًا وقائدًا وصاحب رؤية، وبقي اغتياله شاهدًا على لجوء العدو  إلى الإغتيال حين يعجز عن احتواء الأفكار التي يرى فيها تهديدًا لمشروعه .

وبعد :

رحم الله الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي، الذي ظنّ العدو الإسرائيلي أن اغتياله سيُسقط الفكرة ويُنهي المشروع ، فإذا بدمائه تتحول إلى شاهدٍ على عجز القتلة عن اغتيال المبادئ .

رحل الشقاقي جسدًا، لكن فكره بقي حاضرًا في ذاكرة فلسطين، يؤكد أن القادة قد يرحلون، لكن الأفكار التي يزرعونها لا تموت، وأن فلسطين ستبقى عصيّة على النسيان، مهما اشتدّ القتل والإغتيال .

اخبار ذات صلة