لم تكن الإصابة نهاية الطريق بالنسبة إلى محمد طوطح وأحمد عساف، كما لم تمنع الظروف القاسية مؤمن البيطار من التمسك بحلمه الرياضي، فبينهم من فقد قدمه، وآخر حرمته الحرب من نعمة البصر، وثالث يحاول الحفاظ على مسيرته الرياضية وإنجازاته الدولية وسط واقع يزداد صعوبة في قطاع غزة.
تجمع اللاعبين الثلاثة رياضة الكاراتيه، لكن لكل منهم حكاية مختلفة مع الإصابة والتحدي ومحاولة استعادة الحياة، وبينما يسعى محمد إلى العودة إلى التدريب بعد بتر قدمه، وجد أحمد في النادي الرياضي وسيلة لتجاوز آثار فقدان البصر واستعادة ثقته بنفسه، فيما يطمح مؤمن إلى مواصلة مسيرته وتمثيل فلسطين في المحافل الدولية.
ليست هذه الحكايات مجرد سرد لمعاناة أشخاص غيرت الحرب حياتهم، بل شهادات على قدرة الإنسان على البحث عن بداية جديدة، حتى عندما تتغير الظروف التي اعتادها، وهي، في الوقت نفسه، تطرح تساؤلات بشأن الفرص المتاحة للرياضيين ذوي الإعاقة في غزة، في ظل تضرر المنشآت الرياضية ونقص الإمكانيات وصعوبة التنقل.
محمد طوطح.. حلم العودة بعد بتر القدم
في سن الثامنة والثلاثين، اضطر محمد طوطح إلى مواجهة واقع لم يكن يتوقعه، بعدما تعرض للإصابة خلال الحرب وفقد إحدى قدميه. تغيرت تفاصيل حياته اليومية، وأصبح مطالبا بالتكيف مع وضع جديد، لكنه لم يتخل عن شغفه برياضة الكاراتيه التي مارسها قبل الإصابة.
يستعيد محمد علاقته بالرياضة بوصفها جزءا من حياته لا يريد التفريط فيه، ويؤكد أن فقدان قدمه لن يحرمه من محاولة العودة إلى التدريب، رغم التحديات التي تفرضها الإصابة والظروف الصعبة التي يعيشها الرياضيون في قطاع غزة.
ويقول: "كنت أمارس رياضة الكاراتيه قبل الحرب، وبعد إصابتي وبتر قدمي، لم أفكر في تركها، بل أريد أن أعود إليها من جديد، أنا لا أستسلم، فقدان القدم قد يغير طريقة ممارستي للرياضة، لكنه لن يمنعني من الاستمرار فيها".
ولا يتوقف طموح محمد عند استعادة قدرته على ممارسة الرياضة، بل يتطلع إلى أن تفتح تجربته المجال أمام غيره من المصابين ومبتوري الأطراف، ليجدوا طريقهم إلى الأندية والتدريبات والمنافسات الرياضية.
ويرى أن عودة المصابين إلى النشاط الرياضي تمثل خطوة مهمة نحو استعادة ثقتهم بأنفسهم والاندماج في المجتمع، داعيا إياهم إلى عدم الانعزال بسبب إصاباتهم، والبحث عن أنشطة تتناسب مع قدراتهم وظروفهم.
ويوجه رسالة إلى المصابين في غزة قائلا: "لا تجلسوا في الخيام ولا في البيوت، عودوا إلى الرياضة، كل شخص حسب قدرته وإمكاناته. علينا أن ننهض من جديد".
لكن العودة التي يتمناها محمد تحتاج إلى أكثر من الرغبة والإصرار؛ فممارسة الرياضة تتطلب أماكن ملائمة للتدريب، وتجهيزات مناسبة، وبرامج تراعي احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة، فضلا عن إعادة تأهيل المنشآت التي تضررت خلال الحرب.
ويختصر محمد تجربته بعبارة تعكس تمسكه بالحياة والرياضة رغم ما فقده: "ربما بترت أقدامنا، لكن عزيمتنا لم تبتر".
مؤمن البيطار.. إنجازات سابقة وطموح لا يتوقف
على الرغم من الصعوبات التي تحيط بممارسة الرياضة في غزة، يتمسك مؤمن البيطار، لاعب منتخب فلسطين لذوي الإعاقة في رياضة الكاراتيه، بمسيرته الرياضية وبطموحه في تحقيق المزيد من الإنجازات.
يمتلك مؤمن سجلا من المشاركات الدولية؛ إذ أحرز المركز الثالث في بطولة دبي الدولية عام 2016، كما حصل على المركز الخامس في بطولة آسيا الدولية عام 2023، قبل اندلاع الحرب بنحو شهرين.
وتمنحه هذه التجربة دافعا لمواصلة التدريب والمنافسة، لكنه يواجه اليوم عقبات تتجاوز حدود الصالة الرياضية، لتشمل الطرق غير المهيأة وصعوبة الوصول إلى أماكن التدريب وارتفاع تكاليف المواصلات، في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعيشها سكان القطاع.
ويقول مؤمن: "نحن أصحاب إرادة وتحد وعزيمة، ورغم كل الظروف الصعبة والواقع الذي نعيشه في غزة، نحاول أن نبعث رسالة أمل وطموح وإصرار".
ويشرح أن التنقل يمثل تحديا إضافيا للأشخاص ذوي الإعاقة، خصوصا مع تضرر الطرق وعدم ملاءمة كثير منها لاحتياجاتهم، ما يجعل الوصول إلى النادي الرياضي مهمة شاقة تتطلب وقتا وجهدا وتكاليف إضافية.
ويضيف: "الطريق إلى الصالة ليس سهلا، والصعوبات التي يواجهها الشخص ذو الإعاقة تكون مضاعفة. ومع ذلك، نحاول بإرادتنا أن نتجاوز هذه الظروف ونستمر".
ولا ينظر مؤمن إلى الإعاقة باعتبارها عائقا أمام النجاح، بل يؤكد أن الأشخاص ذوي الإعاقة يمتلكون قدرات ومواهب يمكن أن تتحول إلى إنجازات بارزة متى توفرت لهم البيئة المناسبة. ويستحضر في هذا السياق تجربة الأديب العربي طه حسين، للتأكيد على أن فقدان إحدى القدرات الجسدية أو الحسية لا يلغي إمكانات الإنسان في الإبداع والتميز.
ويؤمن بأن الرياضيين الفلسطينيين من ذوي الإعاقة قادرون على تحقيق نتائج أفضل في المنافسات الدولية، إذا حصلوا على فرص التدريب والمشاركة، وتوفرت لهم الإمكانيات التي تساعدهم على تطوير مستواهم.
ومن هنا، يوجه مؤمن نداء إلى المجلس الأعلى للشباب والرياضة واللجنة الأولمبية الفلسطينية والمؤسسات الدولية والحقوقية، مطالبا بتقديم الدعم اللازم للرياضيين ذوي الإعاقة، وإزالة العقبات التي تحول دون استمرارهم في ممارسة الرياضة.
ويقول: "انظروا إلينا بعين المحبة، وليس بعين الشفقة. نحن قادرون على الاستمرار والعطاء وتحقيق الإنجازات".
بالنسبة إلى مؤمن، لا يتمثل الهدف في الحصول على التعاطف، بل في أن يحظى الرياضيون بالفرص التي تتناسب مع قدراتهم، ليواصلوا المنافسة ورفع علم فلسطين في المحافل الدولية.
أحمد عساف.. الكاراتيه طريق لاستعادة الثقة بالنفس
قبل أن يفقد أحمد عساف بصره بالكامل إثر إصابته خلال الحرب قبل نحو عامين، وفق روايته، كان يمارس الرياضة، ومنها رفع الأثقال. لكن الإصابة فرضت عليه تغييرا جذريا في حياته، لم يقتصر على فقدان البصر، بل امتد إلى حالته النفسية وطريقة تعامله مع تفاصيل يومه.
أحمد، المتزوج والأب لثلاثة أطفال، مر بمرحلة صعبة عقب الإصابة، قبل أن يجد في العودة إلى النشاط الرياضي فرصة لاستعادة جزء من ثقته بنفسه، والتعامل مع واقعه الجديد بطريقة مختلفة.
ويستعيد تلك الفترة قائلا: "بعد الإصابة مررت بمرحلة صعبة جدا، لكن عندما بدأت أذهب إلى النادي تغيرت نفسيتي كثيرا، واستعدت الروح المعنوية والعزيمة والإصرار".
وجاءت بداية تجربته مع الكاراتيه خلال زيارة إلى النادي، اصطحب فيها ابنه وابنته للتسجيل. وهناك، شجعه المدرب على الانضمام إلى تدريبات الأشخاص ذوي الإعاقة، فقرر خوض التجربة، رغم الصعوبات المرتبطة بفقدان البصر والظروف التي يمر بها القطاع.
لم تكن الخطوة مجرد انتقال من رياضة إلى أخرى، بل تجربة ساعدته على استعادة نشاطه وبناء روتين جديد، بعدما فرضت الإصابة عليه الابتعاد عن كثير من تفاصيل حياته السابقة.
ويؤكد أحمد أن الإعاقة لا تعني التوقف عن المحاولة، وأن التكيف مع الظروف الجديدة يبدأ بالإرادة والرغبة في مواصلة الحياة.
ويقول: "الإصابة أو الإعاقة ليست نهاية الطريق. يجب أن يكون لدينا تحد وعزيمة وإصرار لمواجهة ظروف الحياة. عندما نمتلك الإرادة، يمكننا أن نبدأ طريقا جديدا ونرى الحياة من زوايا أخرى".
وإلى جانب رغبته في مواصلة ممارسة الرياضة، يطالب أحمد المؤسسات الدولية والمنظمات الداعمة بالاهتمام بالأشخاص ذوي الإعاقة وأسرهم، وتقديم المساندة التي تساعدهم على مواجهة الأعباء اليومية وتوفير حياة أكثر استقرارا لأطفالهم.
فبالنسبة إليه، أصبحت الرياضة وسيلة لاستعادة الثقة بالنفس، ومساحة للخروج من العزلة والمشاركة في الحياة، وفرصة لإثبات أن فقدان البصر لا ينهي قدرة الإنسان على التعلم والتطور وخوض تجارب جديدة.
