أظهرت استطلاعات الرأي التي أجريت عقب إغلاق مراكز الاقتراع في الانتخابات التشريعية الإسرائيلية، صباح اليوم الأربعاء تقدم ائتلاف اليمين رئاسة بنيامين نتنياهو بنحو 56 مقعدًا و48 مقعدا للمعارضة بقيادة غادي آيزنكوت و16 مقعدًا للأحزاب العربية، وسط مشاركة انتخابية بلغت 77.7%، في مشهد لا يمنح أي طرف أغلبية واضحة تتيح له تشكيل الحكومة المقبلة بمفرده.
ورغم تقدم اليمين الإسرائيلي، فإن النتائج المتوقعة لا تمنحه الأغلبية المطلوبة، والمحددة بـ61 مقعدا من أصل 120 في الكنيست، ما يفتح الباب أمام مفاوضات سياسية معقدة لتشكيل ائتلاف حاكم، ويضع إسرائيل أمام 4 احتمالات رئيسية تتراوح بين بناء تحالف جديد وتشكيل حكومة أقلية أو الذهاب إلى انتخابات مبكرة.
1- مفاوضات شاقة لتشكيل ائتلاف حاكم
يتمثل السيناريو الأول في دخول الأحزاب الإسرائيلية مفاوضات لتجميع 61 مقعدا تضمن تشكيل حكومة قادرة على نيل ثقة الكنيست، غير أن التباينات السياسية والحسابات الحزبية تجعل الوصول إلى هذه الأغلبية مهمة صعبة.
وفي هذا السياق، يجري الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ مشاورات مع ممثلي الأحزاب لتحديد المرشح الأوفر حظا في تشكيل الحكومة، استنادا إلى قدرته على حشد الدعم البرلماني اللازم، وليس بالضرورة إلى انتمائه للحزب الذي حصل على أكبر عدد من المقاعد.
وتبدو مهمة نتنياهو أكثر تعقيدا في ظل تعثر بعض الأحزاب اليمينية الصغيرة في تجاوز نسبة الحسم، الأمر الذي يقلص فرص معسكره في الحصول على مقاعد إضافية.
في المقابل، أبدت أحزاب عربية، وفي مقدمتها القائمة العربية الموحدة "راعم"، انفتاحا على التعاون مع معسكر آيزنكوت، إلا أن الأخير لم يبد استعدادا واضحا للتحالف معها، معتبرا أن الاعتماد على دعمها قد يشكل عبئا انتخابيا.
وتزيد المصالح المتباينة للأحزاب من صعوبة المفاوضات، وسط مخاوف من أن تفضي الخلافات إلى تشكيل حكومة هشة يصعب عليها الاستمرار.
وتقدم تجربة نتنياهو السابقة مثالا على تعقيدات تشكيل الحكومات في إسرائيل، إذ استغرق 58 يوما لتشكيل حكومته عقب انتخابات 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2022.
2- حكومة أقلية بدعم الأحزاب العربية
إذا تعذر على أي من المعسكرين جمع 61 مقعدا ضمن ائتلاف حكومي رسمي، فقد يتجه المرشح المكلف إلى تشكيل حكومة أقلية تعتمد على دعم أحزاب أو نواب من خارج الائتلاف، وفق طبيعة كل تصويت داخل البرلمان.
وفي هذا السيناريو، يمكن أن يصبح النواب العرب عاملا حاسما في تحديد هوية الحكومة المقبلة، بالنظر إلى عدد المقاعد المتوقع أن تحصل عليها القائمتان العربيتان.
وتستند هذه الفرضية إلى تجربة سابقة، حين شاركت القائمة العربية الموحدة "راعم"، برئاسة منصور عباس، في دعم الحكومة الائتلافية التي تولى قيادتها نفتالي بينيت ويائير لبيد خلال الفترة بين عامي 2021 و2022.
وأعلنت "راعم" استعدادها للعمل مع معسكر آيزنكوت، فيما عرضت القائمة المشتركة توفير شبكة أمان برلمانية لأي تحالف يسعى إلى إبعاد نتنياهو عن السلطة.
وفي تعليقه على النتائج، قال المحلل السياسي طال إلوفيتس: "إن ارتفاع نسبة المشاركة بين الناخبين العرب يعكس رغبة قوية في الشراكة السياسية".
ومع ذلك، لم يعلن آيزنكوت موقفا واضحا بشأن إمكانية الاعتماد على الأحزاب العربية لتشكيل حكومة، في حين حذر نتنياهو من قيام حكومة تستند إلى قوائم عربية وصفها بأنها غير صهيونية.
وأشار إلوفيتس إلى أن تشكيل حكومة أقلية برئاسة آيزنكوت يظل احتمالا قائما، لكنه يرتبط بالنتائج النهائية وبقدرة المعسكر على ضمان الدعم البرلماني اللازم.
3- حكومة وحدة وطنية بين نتنياهو وآيزنكوت
على الرغم من صعوبة هذا الخيار في ظل الانقسام السياسي الحاد، تظل حكومة الوحدة الوطنية أحد السيناريوهات المطروحة نظريا، وقد تتيح تشكيل ائتلاف أوسع وأقل اعتمادا على الأحزاب اليمينية المتشددة.
وتقوم هذه الفرضية على تخلي نتنياهو عن بعض حلفائه من اليمين والأحزاب الدينية، والتوصل إلى اتفاق مع آيزنكوت لتشكيل حكومة مشتركة، لا سيما مع وجود تقاطعات بين الطرفين في عدد من القضايا الأمنية، مع استبعاد الأحزاب العربية من التحالف.
وكان استطلاع للرأي نشر في 16 أكتوبر/تشرين الأول قد أظهر أن 55% من الإسرائيليين يفضلون تشكيل حكومة وحدة وطنية على التوجه إلى انتخابات جديدة إذا تعذر الوصول إلى أغلبية برلمانية واضحة.
ويستند هذا الاحتمال إلى تجربة عام 2020، عندما اتفق نتنياهو وبيني غانتس على تقاسم السلطة وتناوب رئاسة الحكومة، بعد إجراء 3 جولات انتخابية خلال أقل من عام.
لكن الاتفاق لم يصمد طويلا، إذ انهارت الشراكة بعد نحو عام، ما أدى إلى انتخابات جديدة.
كما يواجه خيار الوحدة الوطنية عقبة أساسية تتمثل في موقف معسكر المعارضة، الذي خاض حملته الانتخابية على أساس إنهاء حكم نتنياهو، وشكك في قدرته على قيادة الحكومة.
4- فشل تشكيل الحكومة والعودة إلى صناديق الاقتراع
يبقى إجراء انتخابات جديدة الاحتمال الأخير إذا أخفق المرشحون في تشكيل حكومة قادرة على الحصول على الأغلبية البرلمانية، وفشلت المفاوضات بين الأحزاب في التوصل إلى تسوية تضمن استقرار الحكم.
ولا يعد هذا السيناريو سابقة في إسرائيل، التي شهدت 4 انتخابات بين أبريل/نيسان 2019 ومارس/آذار 2021، نتيجة الخلافات السياسية وعجز الأحزاب عن بناء ائتلاف مستقر.
وبموجب الإجراءات القانونية، يحصل المرشح المكلف بتشكيل الحكومة على 28 يوما لإنجاز المهمة، مع إمكانية تمديد المهلة 14 يوما، فضلا عن وجود آليات أخرى تتيح للأحزاب محاولة تجاوز الانسداد السياسي قبل التوجه إلى انتخابات جديدة.
وفي حال استمرار الخلافات وتعذر التوصل إلى اتفاق، قد تجد إسرائيل نفسها أمام جولة انتخابية أخرى، بما يطيل حالة عدم اليقين بشأن هوية الحكومة المقبلة وقدرتها على الاستمرار.
مشهد سياسي مفتوح على عدة احتمالات
تكشف النتائج الأولية عن صعوبة حسم الصراع على السلطة في إسرائيل، فرغم تقدم معسكر آيزنكوت على ائتلاف نتنياهو، لا يمتلك أي منهما العدد الكافي من المقاعد لتشكيل الحكومة منفردا.
وفي ظل هذه المعادلة، ستتوقف الخطوة المقبلة على قدرة الأحزاب على بناء تحالفات تتجاوز خلافاتها، وعلى الموقف الذي ستتخذه القوائم العربية، فضلا عن استعداد المعسكرين لتقديم تنازلات تتيح الوصول إلى الأغلبية المطلوبة.
وبين ائتلاف حكومي جديد، وحكومة أقلية، ووحدة وطنية محتملة، أو انتخابات جديدة، يبقى مستقبل الحكم في إسرائيل رهنا بنتائج المفاوضات السياسية، ومدى قدرة الأطراف المتنافسة على تحويل مكاسبها الانتخابية إلى أغلبية برلمانية مستقرة.
المصدر: الجزيرة والوكالة الفرنسية للأنباء
