مع اقتراب غروب الشمس، تسابق أم سليمان الزعيم الوقت داخل خيمتها المهترئة في أحد مخيمات مدينة غزة، محاولة إنهاء أعمالها المنزلية وترتيب مكان نوم أسرتها قبل أن يحل الظلام، ويحول الخيمة إلى مساحة يصعب فيها تدبير شؤون الحياة اليومية في ظل غياب الإنارة.
وتنعكس معاناة أم سليمان في ترتيب خيمتها قبل حلول الظلام على حياة النازحين في مختلف مخيمات قطاع غزة، حيث يصعب تنظيف الخيام وترتيبها وملاحقة الجرذان على ضوء كشاف الهاتف، الذي لا يصمد طويلا.
سباق مع الوقت
تقول أم سليمان لمراسلنا: "إن عدم توفر الإضاءة في الخيام يفاقم معاناة النساء، إذ أحاول قبل غروب الشمس إنجاز جميع المهام المطلوبة، من تنظيف الخيمة وتهيئتها للنوم إلى دفع أبنائي للجلوس داخلها".
وتستخدم أم سليمان خلال تلك الساعات ما تبقى من إضاءة هواتف أبنائها، مشيرة إلى أن لديها هاتفين لا تكفي إضاءتهما سوى ساعتين تقريبا، قبل أن تضطر وأسرتها إلى قضاء بقية الليل في ظلام دامس.
وأوضحت أنها تعاني كثيرا بسبب غياب الإضاءة داخل خيمتها، قائلة: "خيمتي مهترئة، ونعيش في مخيم ضيق تحيط به ركام المنازل المدمرة، وهو مكان تنتشر فيه الجرذان بكثرة".
واستذكرت أم سليمان حادثة اقتحام الجرذان لخيمتها، قائلة: "قبل أيام، اقتحمت الجرذان الخيمة في الساعات الأولى من الليل، ولم نتمكن من رؤيتها بسبب عدم توفر الإضاءة، ولولا تدخل الجيران الذين ساعدونا باستخدام كشافاتهم، لما تمكنا من إغلاق عدة ثغرات في الخيمة".
وتشير أم سليمان إلى أن كشافات الإنارة لا تقل أهمية عن الطعام والشراب، موضحة أنها تساعد، ولو بقدر محدود، على حماية النازحين من الجرذان والحشرات الضارة والسامة المنتشرة بينهم.
أسعار الكشافات جنونية
وفي زاوية أخرى من المخيم، يجلس فضل رمضان، البالغ من العمر 60 عاما، عند باب خيمته، يقلب كفيه ويردد بصوت بالكاد يُسمع: "قبل قليل شحنت الجوال، والله سننام أنا وزوجتي وأبنائي في ظلام دامس، والله يستر علينا من الجرذان".
ويقول رمضان لمراسلنا إن غياب الإضاءة داخل الخيمة يضاعف المعاناة، إذ يضطر النازحون إلى شحن هواتفهم أكثر من مرة لاستخدامها في إنارة الخيام وتدبير شؤون أسرهم مع حلول الليل.
وأشار إلى أن الحصول على كشاف إنارة أصبح من ضرورات الحياة داخل الخيام، موضحا أنه بحث عنه مرارا في الأسواق دون أن يعثر على كشافات بأسعار مناسبة، في ظل الارتفاع الكبير في أسعارها.
وأوضح أنه وجد خلال جولته في الأسواق كشافات تتراوح أسعارها بين 300 و700 شيكل، مبينا أن النازحين لا يملكون القدرة على تحمل هذه التكاليف الباهظة.
واستعاد رمضان تفاصيل معاناته مع حلول الظلام، قائلا: "مع اقتراب الظلام، أغلق الهاتف بشكل كامل للحفاظ على بطاريته، استعدادا لاستخدامه عند الضرورة خلال ساعات الليل".
أمنيتها كشاف إنارة
من جانبها، تناشد أم نضال، البالغة من العمر 40 عاما، المؤسسات الدولية والمبادرين تكثيف جهودهم لتوفير كشافات الإنارة للنازحين، باعتبارها ضرورة لا تقل أهمية عن توفير الطعام والشراب، لما لها من دور في الحد من المخاطر التي تهدد سلامتهم داخل الخيام.
وتقول أم نضال لمراسلنا: "لا أتمكن في كثير من الأيام من إنهاء الأعمال المنزلية داخل الخيمة بسبب غياب الإضاءة، ولا سيما تنظيف المكان وإزالة القمامة، كما أعجز عن مساعدة جميع أبنائي في الدراسة، ما يزيد الأعباء الملقاة على عاتقي خلال ساعات الصباح".
وتأمل أم نضال أن تصل كشافات الإنارة إلى خيام النازحين في أسرع وقت، لمساعدتهم على إنجاز أعمالهم المنزلية ومتابعة تعليم أبنائهم، مشيرة إلى أن شحن الهواتف النقالة يكلفها كثيرا، إذ تحتاج إلى شحن هاتفها ثلاث مرات يوميا، بتكلفة تبلغ شيكلين في كل مرة، ما يزيد من أعبائها المالية.
حلم الدراسة في مواجهة الظلام
وفي جانب آخر، تحاول الطالبة ولاء فوزي، البالغة من العمر 20 عاما، التمسك بحلمها في إكمال تعليمها الجامعي، رغم ظروف النزوح وانقطاع الكهرباء وغياب البيئة المناسبة للدراسة.
وتعتمد ولاء على هاتفها المحمول لمتابعة دروسها والوصول إلى المواد التعليمية، في ظل محدودية الإمكانيات المتاحة داخل مخيم النزوح، لكنها تضطر إلى الانتظار ساعات طويلة حتى تتمكن من شحنه عبر وصلة كهرباء مشتركة مع عدد من الجيران.
وتقول إن قدرتها على الدراسة أصبحت مرتبطة بفرصة شحن الهاتف وتوفر الضوء، موضحة أنها قد تصل إلى ساعات الليل دون أن تتمكن من مراجعة دروسها، فتضطر إلى استغلال الدقائق المتاحة بعد شحن الجهاز، حتى لو امتد ذلك إلى ما بعد منتصف الليل.
وتضيف أن الدراسة داخل الخيمة ليست سهلة، في ظل ضيق المساحة والضوضاء المستمرة وغياب الإنارة، ما يجعل التركيز أمرا شاقا، ويحول ساعات المساء التي يفترض أن تكون مخصصة للمذاكرة إلى وقت للانتظار والبحث عن وسيلة تساعدها على القراءة.
ورغم ذلك، تتمسك ولاء بمواصلة تعليمها، معتبرة أن الدراسة تمثل نافذتها نحو المستقبل، وأن الحصول على كشاف إنارة قد يساعدها على استثمار وقتها بصورة أفضل، بدلا من أن تبقى دراستها رهينة شحن الهاتف.