الشجاعية ووعد بلفور
بقلم: الباحث محمد سليمان
حين سقطت الشجاعية أُعلن عن وعد بلفور، وحين هوت تلة "علي المنطار" هوت مدينة القدس، في الشجاعية وعلى تلة المنطار تتبدل الحضارات منذ فجر التاريخ، وقد يقول القائل انك تبالغ فيما تقول وتؤمن بنظرية المؤامرة لكن هذه الحقيقة دون مبالغة.
فالشجاعية الجريحة اليوم فيها تلة مباركة فائقة الجمال، ترى منها جبال الخليل إبراهيم -عليه السلام
ومن الجهة الشمالية ترى مدينة عسقلان وإن كان لديك بصراً ممتداً ترى مدينة أسدود ومن الجهة الغربية ترى البحر المتوسط، والتي كانت تخبئه على استحياء المباني والأبراج العالية المستحدثة على طول الساحل قبل أن يدمر معظمها بفعل قوات الاحتلال الصهيوني البغيض، ومن الجهة الجنوبية ترى حتى مشارف مدينة دير البلح فمن تلة المنطار كأنك ترى "فلسطين الحبيبة".
منذ قديم الزمان وحين غزا الإسكندر المقدوني الأكبر مشرقنا العربي قادماً من الشمال إلى الجنوب، وقفت غزة في مواجهته بكبرياءٍ عنيدة، ولم تستسلم إلا بعد ثلاثة شهور من الحصار بعدما أصابت الاسكندر المقدوني إصابة بالغة خطيرة كادت تودي بحياته، فهي لا تحب الغزاة إلا إنها وقفت بكبرياء منحنية احتراماً للفاتح الإسلامي حتى أن أغلب أهلها المسيحيين قد أسلموا دون مقاومة.
وعندما فرض الإسكندر المقدوني سيطرته على غزة وصل لمصر بسهولة دون أية معركة تذكر وبنى فيها الإسكندرية وبسطت الحضارة اليونانية نفوذها على المشرق العربي.
وعلى عكس الإسكندر المقدوني أتى الغزاة الإنجليز ومعهم قادة الحركة الصهيونية آنذاك (وايزمان وروتشيلد) إلى غزة من الجنوب الى الشمال، قادمين من مصر بعد أن احتلوها عام 1882 بعد معركة التل الكبير بقيادة القائد العربي المسلم أحمد عُرابي، ثم وقفت غزة بكبرياء وعناد كعادتها متهيئة لصد الغزاة الإنجليز والصهاينة، وفي أوائل عام 1917 وصل الغزاة الإنجليز إلى مشارف غزة وعسكروا بجيوشهم عند الجهة الجنوبية لوادي غزة.
وبتاريخ 26/3/1917 بدء الغزاة الإنجليز بالهجوم على غزة فيما يسميها الإنجليز "معركة غزة الأولى" وكان الجنود المسلمين البواسل على تلة المنطار لهم بالمرصاد واستطاعوا صد الغزاة الإنجليز وتكبيدهم خسائر تجاوزت الـ 5 آلاف قتيل حسب اعتراف الإنجليز ورجوعهم إلى جنوب الوادي.
وبعد هذه المعركة بحوالي 3 أسابيع بتاريخ 17/4/1917 هجم الغزاة الإنجليز مرة ثانية على نفس الاتجاه (تلة المنطار) وقد هزموا مرة ثانية وتكبدوا خسائر أكبر من المعركة الأولى حوالي 6 آلاف قتيل حسب اعترافات الإنجليز ورجعوا خائبين إلى جنوبي الوادي مرة ثانية في معركة يطلق عليها الإنجليز "معركة غزة الثانية".
وكانت ساحة المعركة تدور رحاها في الجنوب الشرقي من تلة المنطار، ولضراوة المعركة وشدتها أطلق السكان المحليين على تلك المنطقة اسم "مطخ الرصاص" والجدير ذكره أنه، أقيم مسجدا في ذاك المكان أطلق عليه "مسجد الشهيد نبيل عابد" إحياء لذكرى هذا البطل قائد قوات التحرير الفلسطينية في حي الشجاعية بمدينة غزة والذي استشهد وهو يقاوم العدو الصهيوني عام 1970.
وقد تم دفن جثث الإنجليز من معارك تلة المنطار في مقابر أُطلق عليها مقابر الإنجليز الموجودة في قطاع غزة واحدة في شمال غزة وأخرى عند مدخل الزوايدة جنوبي القطاع.
وصلت هزائم الإنجليز على تلة المنطار في غزة إلى التاج الملكي في بريطانيا وكانت تلك المعارك تدور في سياق الحرب العالمية الأولى، فصمم الإنجليز ومعهم قادة الحركة الصهيونية على كسر شوكة غزة، فبدأوا بالاستعداد لمعركة سماها الإنجليز (معركة غزة الثالثة).
وخلال الاستعداد للمعركة الثالثة عزل الإنجليز كل قادة الجيش الإنجليزي المهزوم واستبدلوهم بقادة جدد ووضعوا على رأس جيش الإنجليز قائد معروف بقيادته خلال حروب الحلفاء واسمه الجنرال أدموند اللمبي، وعززوا عدد الجنود من 20 الف الى 60 الف جندي وأمدوا الجيش لأول مرة بطيران عسكري وإن كان بدائياً، واستخدموا السلاح الكيميائي المحرم دوليا في المعركة.
خلال مراحل الاستعداد للمعركة استعان الإنجليز بالبدو لوضع الألغام والمتفجرات وتفجيرها على خطوط الإمداد والسكك الحديدية القادمة من الشمال إلى غزة واستمر الإعداد حوالي 6 شهور وبدأوا بالهجوم في 27/10/1917 بمعركة سماها الإنجليز معركة غزة الثالثة فيها أوهموا الجنود البواسل المرابطين على تلة المنطار بأنهم سوف يأتون من نفس المكان إلا إن الإنجليز غيروا الخطة فجاؤوا من الجهة الشرقية فهاجموا حامية بئر السبع على حين غرة، ثم التفوا باتجاه غزة قادمين من شمالها وحاصروا الجنود العثمانيين المتواجدين على سفح تلة المنطار، واستخدموا قنابل النابالم الحارقة المحرمة دوليا مما أدى لسقوط كثير من الشهداء، وغطت جثث الشهداء سفح تلة المنطار الغربية فكانت من كثرتها كالجريد "أي كالجراد"
وعندما أدرك الإنجليز أن تلة المنطار بحي الشجاعية قد سقطت بأيديهم حينها بالضبط استطاعوا إعلان وعد بلفور بأنهم يريدوا إعطاء وطن قومي لليهود بالضبط بتاريخ 2/11/1917 أي في منتصف معركة غزة الثالثة التي بدأت في 27/10/1917 وانتهت في 7/11/1917 أي في وسط معركة غزة الثالثة عندما ضمنوا أن تلة المنطار قد سقطت.
وبعدها بشهر 9/12/1917 كان الجنرال الإنجليزي ادموند اللمبي يمشي في شوارع القدس بعدما سقطت تلة المنطار، عندها سقطت فلسطين تحت الانتداب الإنجليزي الصهيوني.
والجدير ذكره أن اليهود حاولوا شراء تلة المنطار حديثا مرتين، لكن لم يتم الشراء كأن هذه التلة المباركة والدماء التي سالت فوق وعلى هذه التلة دفاعا عن الحق وعن كرامة الامة تدافع عن نفسها وتأبى إلا أن تكون هذه التلة عربية فلسطينية على مر العصور.
وفي عام 1900 حاول الحاخام حكم نسيم الكاييم مختار اليهود آنذاك في غزة شراء التلة وقد كان بدهائه ومكره عضو المجلس العسكري العثماني والحاكم في غزة المكون من 5 أعضاء: 3 مسلمين وواحد مسيحي وواحد يهودي برئاسة أحمد عارف الحسيني، وكان على وشك شراء التلة بأموال اليهود الصهاينة ممثلين بجمعية أحباء صهيون، حينذاك الموجودة في مدينة يافا، فرأى أعضاء الجمعية أن تؤجل عملية شراء التلة بسبب أنهم بهذه الأموال يريدون شراء قطعة أرض في شمال يافا، وكانت هذه القطعة هي النواة الأولى لبناء مدينة تل أبيب.
والمرة الثانية التي حاول اليهود شراء تلة المنطار في عام 1914 ولم يتمكنوا من عملية الشراء وقاموا بتأجيلها بسبب نشوب الحرب العالمية الأولى ولم يتم الشراء إلى أن غادر آخر يهودي من مدينة غزة عام 1929 خلال ثورة البراق التي نشبت في القدس وامتدت لكافة أرجاء فلسطين.
ملاحظة/ المرجع كما يقول الكاتب "كتاب أربعين سنة من الوجود اليهودي في غزة للكاتب الصهيوني مردخاي الياكييم".