بقلم: سفيان صيام
في النقاش الفكري يأبى البعض تصور فكرة أنه في بعض المسائل لا يجدر بنا الدخول في متاهة الأسئلة المفرغة، التي لا تنتهي إلا بسؤال مفتوح ليس له إجابة واضحة وجازمة، إلا بالإيمان والتسليم، ولعل هذا يقودنا إلى التساؤل الكبير الذي كان ولا زال يردده البعض في إطار رحلة البحث من خلال الشك، فإذا قلنا من خلق الكون بما فيه من الكواكب والنجوم والأشجار والأحجار والمياه والبشر؟ ثم أجبنا هو الله خالق كل شيء ومليكه، فإذا بالسؤال الأهم يطرحه من لا يريد التسليم بأن الدخول في هذه الحلقة المفرغة لن يؤدي إلى إجابة مقنعة وحاسمة بقدر ما يؤدي إلى فتح أفق من الأسئلة لا يسد، فإذا قلت من خلق الله ؟ ثم أجبنا أن الله الخالق لا يُخلق، وأنه لا بد من نقطة نهاية تقف عندها الأشياء، لتكون مصدر بدايتها، ولئن كان السؤل هنا منطقيا من الناحية النظرية وفق مقاييس عقولنا البشرية المحدودة، فإنه ليس أكثر من سؤال غير منطقي هدفه التهرب وإثبات التفوق الفكري لمن يجادل في الأمر، وهو في رأيي مجرد وسيلة للهروب وليس للإقناع، لأنه من المسلم به في النهاية أنه لابد من مركز تنتهي عنده الأشياء وهو في عقيدتنا الله عزوجل الذي كان ولم يكن شيء قبله، خلق كل شيء وقدر له مصيره، وحكم على كل شيء سواه بالفناء ليعود الأمر كما بدأ إله واحد ملك البداية وإله واحد يملك النهاية (لمن الملك اليوم) وهذه عقيدتنا وهذا ما ندين به نحيا ونموت عليه.
لذلك تبدو أحيانا بعض الأسئلة وكأنها مجرد وسيلة للتعبير عن حذاقة في غير موضعها، وفلسفة للحكم على الأشياء بعقل بشري ناقص، يقر هؤلاء بنقصه وعدم قدرته على الإحاطة بكل شيء، إذ أنه من المنطق أن نتصور أن العقل يحكم على كل الأشياء بسلطان العلم والمعرفة ولا بأس في ذلك، ولكن في المقابل نرى أنه من المنطق العلمي أن ندرك أيضا أن هناك الكثير من الأمور التي لا يستطيع العقل إدراكها وهذا أيضا ثابت بالدليل والتجربة والعلم والمنطق، إذ ليس كل شيء يمكن إدراكه بالعلم مطلقا.
في هذا السياق أتذكر دوما ذلك المقال الذي كتبه أخي محمد عن المثال الصارخ للعالم الذي آمن بالعلم ستيفن هوكنج، والذي كان من مقتضيات هذا الإيمان أن يموت في سن 22 حيث قدر الأطباء في حينه أن المرض لن يتركه يعيش أكثر من ستة أشهر، واستمر لمدة تزيد عن 40 عاما على قيد الحياة وهو يرى في كل لحظة فشل العلم في نفسه، ويرى الآية الكريمة (وفي أنفسهم أفلا يبصرون) كل يوم وكل ساعة ودقيقة، دون أن يغير ذلك من قناعاته شيئا ثم يموت بعد هذه المدة دون أن يدون الإجابة لماذا عاش كل هذه السنين على عكس ما رأى العلم؟
هناك العديد من الأسئلة التي لا يصح طرحها من الأساس إذ أن من شروط صحة السؤال أن يكون مطابقا للمنطق ومن المنطق أن يطرح السؤال في سياق محدد ومنضبط بمعايير محدودة، لا أن يطرح في سياق فضائي ضبابي وسط كون لا متناه وعلم لا تستطيع الأفهام إدراكه وهذا مما يسلم به الجميع.
فرفقا بأنفسكم أحبتي، ولا أقول هنا توقفوا عن طرح الأسئلة فالسؤال طريق المعرفة، لكني فقط أدعو إلى ضبط المسألة.