تتجه نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية إلى إحداث تحول بارز في موازين القوى داخل واشنطن، بعدما حقق الحزب الديمقراطي مكاسب مهمة على حساب الجمهوريين، في اقتراع تحول إلى اختبار شعبي لسياسات الرئيس دونالد ترامب، وسط تصاعد الاستياء من الأوضاع الاقتصادية وتكاليف المعيشة وتداعيات الحرب على إيران.
وتمكن الديمقراطيون من انتزاع السيطرة على مجلس الشيوخ، بعد تحقيق انتصارات في عدد من الولايات التي كانت تشكل معاقل أو مناطق نفوذ للجمهوريين، فيما بات الحزب قريبا من استعادة الأغلبية في مجلس النواب، في تطور من شأنه تقييد قدرة ترامب على تمرير أجندته السياسية والتشريعية خلال العامين المتبقيين من ولايته.
وفي أبرز نتائج السباق، احتفظ السيناتور الديمقراطي جون أوسوف بمقعده عن ولاية جورجيا، بعد تغلبه على منافسه الجمهوري مايك كولينز، المدعوم من ترامب، في نتيجة حملت أهمية خاصة للديمقراطيين، لا سيما أن الولاية صوتت لمصلحة ترامب في الانتخابات الرئاسية عام 2024.
كما حقق الديمقراطيون فوزا مهما في كارولاينا الشمالية، بعدما انتزع الحاكم السابق روي كوبر مقعد مجلس الشيوخ من الجمهوري مايكل واتلي، الرئيس السابق للجنة الوطنية للحزب الجمهوري، في تحول يعزز مكاسب الحزب داخل المجلس.
وفي فرجينيا، فاز السيناتور الديمقراطي مارك وارنر بولاية جديدة، فيما تمكن الديمقراطي كريس باباس من الفوز بمقعد نيوهامبشير، متغلبا على الجمهوري جون سونونو.
وسجل الديمقراطيون انتصارا بارزا في تكساس، بعدما فاز المرشح جيمس تالاريكو بمقعد مجلس الشيوخ، متغلبا على الجمهوري كين باكستون، المدعي العام للولاية وأحد أبرز حلفاء ترامب.
ويمثل فوز تالاريكو، البالغ 37 عاما، تطورا سياسيا لافتا في ولاية تعد من أبرز معاقل الجمهوريين، ويضع حدا لغياب الديمقراطيين عن الفوز بمقعد في مجلس الشيوخ عن تكساس منذ عقود.
الديمقراطيون يقتربون من مجلس النواب
وفي مجلس النواب، أبدى زعيم الأقلية الديمقراطية حكيم جيفريز تفاؤله بقدرة حزبه على استعادة الأغلبية، مؤكدا أن الديمقراطيين باتوا قريبين من تحقيق هذا الهدف.
وقال جيفريز: "إن مؤشرات التصويت المبكر ونسب المشاركة خلال يوم الاقتراع جاءت قوية في الولايات الديمقراطية والمتأرجحة، وحتى في عدد من الولايات التي تميل تقليديا إلى الجمهوريين".
وأوضح أن الحزب يركز على الوصول إلى 218 مقعدا، وهو العدد اللازم لضمان الأغلبية في مجلس النواب، الذي يضم 435 مقعدا.
وتكتسب هذه المنافسة أهمية إضافية بالنظر إلى ضآلة الأغلبية الجمهورية السابقة، إذ دخل الجمهوريون الانتخابات وهم يتمتعون بفارق محدود في المجلس، ما جعل عددا من الدوائر الانتخابية ساحة لمنافسة شديدة بين الحزبين.
ولا تزال نتائج بعض الدوائر بحاجة إلى استكمال الفرز، في ظل تقارب المنافسة في ولايات عدة، بينها إنديانا وكنتاكي ونورث كارولاينا وأوهايو، فيما تشير النتائج الأولية إلى تحقيق الديمقراطيين مكاسب إضافية.
مجلس الشيوخ.. خسائر جمهورية تقلب موازين القوى
كانت السيطرة على مجلس الشيوخ تمثل إحدى أبرز معارك انتخابات التجديد النصفي، إذ دخل الجمهوريون الاقتراع بأغلبية 53 مقعدا مقابل 47 للديمقراطيين، قبل أن تؤدي النتائج إلى انتقال السيطرة إلى الحزب الديمقراطي لتتحول 51 للديمقراطيين و49 للجمهورين.
وشملت المكاسب الديمقراطية عددا من الولايات ذات الأهمية الاستراتيجية، وفي مقدمتها كارولاينا الشمالية وتكساس، إلى جانب نتائج أخرى عززت موقع الحزب في سباق الأغلبية.
وفي ميشيغان، برزت المنافسة بين الديمقراطي عبد الرحمن السيد والجمهوري مايك روجرز باعتبارها إحدى المواجهات التي حظيت بمتابعة واسعة، نظرا إلى تأثيرها في التوازنات داخل المجلس.
كما شهدت ولايات أوهايو وكانساس وأيوا وماين منافسات حاسمة، في وقت سعى فيه الديمقراطيون إلى استغلال حالة الاستياء من إدارة ترامب وسياساته الاقتصادية لتعزيز حضورهم في المجلس.
وفي تكساس، شكل فوز تالاريكو إحدى أبرز مفاجآت الانتخابات، بعدما تمكن من هزيمة باكستون، رغم الدعم السياسي الذي حظي به الأخير من الرئيس الأميركي والجمهوريين.
ألاسكا.. تأخر متوقع في إعلان النتيجة
وفي ألاسكا، خاض السيناتور الجمهوري دان سوليفان منافسة مع الديمقراطية ماري بيلتولا، في سباق قد يستغرق حسمه وقتا أطول من معظم الولايات.
ويرتبط ذلك باعتماد الولاية نظام التصويت التفضيلي، الذي يتيح للناخبين ترتيب المرشحين وفقا للأفضلية، إلى جانب إجراءات فرز بطاقات الاقتراع الغيابي والتحقق منها.
وتضم الولاية 131 مركز اقتراع تعتمد الفرز اليدوي للأصوات، معظمها في مناطق ريفية، الأمر الذي يزيد من الوقت اللازم لاستكمال النتائج.
وبحسب الجدول الانتخابي، من المقرر قبول بطاقات الاقتراع المحلية المرسلة بالبريد حتى 13 نوفمبر، والبطاقات الواردة من الخارج حتى 18 نوفمبر، على أن تبدأ عملية الفرز التفضيلي في التاريخ الأخير، فيما يستهدف التصديق على النتائج في 25 من الشهر نفسه.
ويكتسب السباق حساسية إضافية بسبب التحقيق المتعلق بترشح شخص يدعى دان جيه سوليفان، وهو اسم يشابه اسم السيناتور الجمهوري، وسط اتهامات بوجود محاولة لاستقطاب أصوات عبر تشتيت الناخبين.
وكانت وزارة العدل الأميركية قد سعت إلى منع التصديق على النتائج في حال خسارة سوليفان، إلا أن محكمة فدرالية رفضت طلبها، فيما واصلت الوزارة مسارها القضائي.
سباقات حكام الولايات والمناصب المحلية
ولم تقتصر المنافسة الانتخابية على مجلسي الكونغرس، بل امتدت إلى سباقات حكام الولايات في 36 ولاية، إلى جانب استحقاقات محلية واستفتاءات تناولت قضايا متنوعة.
وشهدت هذه الانتخابات منافسات مهمة في ولايات عدة، عكست بدورها حجم التراجع الذي واجهه الجمهوريون في عدد من المناطق.
وفي فلوريدا، ظلت بعض المنافسات الانتخابية محط اهتمام، بينها سباق الدائرة الثالثة عشرة في مجلس النواب، الذي شهد مواجهة بين الجمهورية آنا بولينا لونا والديمقراطية ليلا غراي، مع تقدم طفيف للونا في النتائج الأولية.
كما حظيت سباقات حكام الولايات بمتابعة واسعة، لا سيما في نيفادا، حيث نافس الديمقراطي آرون فورد الحاكم الجمهوري جو لومباردو، وفي كاليفورنيا حيث تنافس الديمقراطي كزافييه بيسيرا والجمهوري ستيف هيلتون.
مشكلات الاقتراع ومخاوف بشأن نزاهة الانتخابات
وبالتزامن مع استمرار فرز الأصوات، واجهت العملية الانتخابية مجموعة من المشكلات اللوجستية والتقنية التي أثارت تساؤلات بشأن إجراءات الاقتراع في بعض المناطق.
ففي مقاطعة ويستشستر بولاية نيويورك، تسببت مشكلة في بطاقات التصويت في اضطرار السلطات إلى اعتماد إجراءات بديلة، فيما أكدت الجهات الانتخابية أن جميع الأصوات الصحيحة ستحتسب، وأن البطاقات المحفوظة ستخضع لإشراف ممثلين عن الحزبين.
وفي مناطق تضررت من الفيضانات في ولايتي كولورادو ويوتا، اعتمدت السلطات ترتيبات تتيح للناخبين المتأثرين الإدلاء بأصواتهم إلكترونيا، بعد أن حالت الأضرار دون وصول بعضهم إلى مراكز الاقتراع.
وأثار نشر إدارة الهجرة والجمارك الأميركية رسالة تحذر من التصويت غير القانوني انتقادات من منظمات حقوقية، رأت أن توقيت الرسالة ومضمونها قد يثيران مخاوف من ترهيب الناخبين.
كما أثار انتشار مراقبي وزارة العدل في مراكز الاقتراع خلافات سياسية، وسط تساؤلات بشأن نطاق هذا الانتشار والولايات التي شملها.
ترامب يسجل أدنى نسبة تأييد لرئيس خلال انتخابات نصفية
وعكست استطلاعات الرأي التي أجريت بالتزامن مع الاقتراع حجم التراجع في شعبية ترامب، إذ أظهرت استطلاعات الخروج الأولية التي نشرتها شبكة «سي بي إس نيوز» أن نسبة تأييده بلغت 38 بالمئة، وهي أدنى نسبة مسجلة لرئيس أميركي خلال انتخابات التجديد النصفي، وفقا للشبكة.
وتقل هذه النسبة عن مستوى تأييده خلال انتخابات التجديد النصفي عام 2018، عندما بلغت 45 بالمئة، وكذلك عن نسبة تأييد الرئيس السابق جورج بوش الابن عام 2006، التي وصلت إلى 43 بالمئة، والرئيسين السابقين باراك أوباما وجو بايدن خلال انتخابي 2010 و2022، والتي بلغت 44 بالمئة لكل منهما.
وأشارت الشبكة إلى أن نحو 6 من كل 10 ناخبين اعتبروا ترامب عاملا مؤثرا في اختيارهم لمرشحي مجلس النواب، مدفوعين بصورة أساسية بمعارضة الرئيس لدى الناخبين المؤيدين للديمقراطيين.
وفي مؤشر آخر على تأثير الأوضاع الاقتصادية في خيارات الناخبين، أظهر استطلاع أجرته «رويترز/إبسوس» قبل يوم الاقتراع أن تكاليف المعيشة تصدرت اهتمامات الأميركيين، إذ اعتبرها 48 بالمئة من الناخبين المسجلين القضية الأهم في تحديد خياراتهم الانتخابية.
وقال 49 بالمئة من الأميركيين إن أوضاعهم المالية تراجعت منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، مقابل 13 بالمئة فقط رأوا أنها تحسنت.
كما كشف استطلاع لمركز «إيه بي-نورك» أن 26 بالمئة فقط من الأميركيين يؤيدون أداء ترامب في إدارة الاقتصاد، فيما تراجعت نسبة المؤيدين لأدائه في التعامل مع تكاليف المعيشة إلى 17 بالمئة، وحمل 65 بالمئة سياساته مسؤولية استمرار ارتفاع الأسعار.
وأظهرت استطلاعات الخروج أن نحو ثلاثة أرباع الناخبين غير راضين عن المسار الذي تسلكه البلاد، فيما أشار نحو 9 من كل 10 إلى أن تكاليف المعيشة كانت عاملا مهما أو أساسيا في قرارهم الانتخابي.
وتشير هذه الأرقام إلى أن الاقتصاد وارتفاع الأسعار شكلا محورين رئيسيين في تصويت الأميركيين، وأنهما ساهما في تحويل الانتخابات إلى استفتاء على أداء الإدارة الجمهورية.
الحرب على إيران.. عامل إضافي في تراجع الجمهوريين
وبعيدا عن الأوضاع الاقتصادية، حضرت الحرب على إيران بقوة في حسابات الناخبين، خصوصا في ظل انعكاساتها على أسعار الوقود وتكاليف المعيشة، وما أثارته من تساؤلات بشأن أولويات الإدارة الأميركية وقراراتها الخارجية.
وأظهرت استطلاعات الخروج الأولية التي أوردتها وكالة «رويترز» أن غالبية الناخبين الذين شملهم الاستطلاع رأوا أن سياسات ترامب، بما فيها الحرب على إيران والرسوم الجمركية، أسهمت في تدهور أوضاعهم الاقتصادية.
وتتقاطع هذه المؤشرات مع استطلاعات سابقة أجرتها شبكة «سي بي إس نيوز»، أظهرت أن غالبية الأميركيين يؤيدون إنهاء الحرب، ويشككون في تحقيقها المصالح الاستراتيجية والاقتصادية للولايات المتحدة، فيما رأى كثيرون أن المواجهة جاءت أكثر صعوبة مما توقعت إدارة ترامب.
وتكشف نتائج الانتخابات، في مجملها، عن حجم التحديات السياسية التي تواجه الرئيس الأميركي، بعدما خسر الجمهوريون السيطرة على مجلس الشيوخ، وواجهوا تراجعا في عدد من السباقات الانتخابية، وسط مؤشرات على تقدم الديمقراطيين في مجلس النواب.
وبذلك، يجد ترامب نفسه أمام مشهد سياسي مختلف خلال النصف الثاني من ولايته، مع احتمال أن تتحول الأغلبية الديمقراطية في الكونغرس إلى عامل مؤثر في تمرير التشريعات والإنفاق والرقابة على أداء الإدارة، فضلا عن تصاعد المواجهة السياسية بين البيت الأبيض وخصومه في واشنطن.