☰
✕

قائمة الموقع

لماذا ينام بعض الأشخاص 5 ساعات فقط ويستيقظون بكامل نشاطهم؟

2026-11-04T08:57:00+02:00
النوم
شمس نيوز - غزة

هناك أشخاص لا يحتاجون إلى النوم لساعات طويلة مثل غالبية البشر، ويستيقظون بعد أربع أو خمس ساعات فقط وهم في قمة نشاطهم، دون أن يشعروا بالتعب أو الحاجة إلى استكمال نومهم. ورغم أن هذه القدرة تبدو استثنائية، فإن العلماء بدأوا يكشفون أسرارها، بعدما توصلوا إلى اختلافات جينية قد تفسر لماذا يحتاج بعض الأشخاص إلى نوم أقل من غيرهم.

وتعد أستاذة علم المناعة في جامعة كولورادو إيمي بو برنارد، إحدى هؤلاء الأشخاص، فمنذ سنوات طويلة، لم تكن بحاجة إلى النوم لساعات كثيرة، إذ اعتادت الذهاب إلى الفراش قرابة العاشرة مساء، والاستيقاظ في الرابعة والنصف صباحا، لتجد نفسها بكامل يقظتها، دون رغبة في البقاء بالسرير.

ورغم أنها لا تغفو دائما فور استلقائها، فإن مجموع ساعات نومها لا يتجاوز غالبا خمس ساعات في الليلة. والمثير أنها تواصل يومها بنشاط ملحوظ، فتخرج للتنزه مع كلبها، وتمارس الرياضة في صالة الألعاب لمدة ساعة، كما تبدأ العمل لمدة ساعة ونصف قبل الثامنة صباحا.

وتثير هذه القدرة دهشة أصدقائها، الذين يجدون صعوبة في تصديق حجم ما تنجزه رغم قلة نومها، لكنها لا تبدو أمرا غريبا داخل عائلتها، فوالدها وشقيقها يتمتعان بالنمط نفسه.

وعلى النقيض من هذه الحالات النادرة، يحتاج معظم البالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 26 و64 عاما إلى ما بين سبع وتسع ساعات من النوم كل ليلة، وفقا لأحدث مراجعة للأدلة العلمية أجرتها المؤسسة الوطنية الأمريكية للنوم.

وظل التفاوت الكبير في احتياجات النوم بين البشر لغزا أمام العلماء، لكن الأبحاث الحديثة بدأت تكشف عن دور العوامل الوراثية في تفسير هذه الاختلافات، من خلال تحديد طفرات جينية نادرة لدى بعض الأشخاص، إلى جانب مئات المتغيرات الجينية الأكثر انتشارا التي تؤثر في عدد ساعات النوم.

وقد تفتح هذه الاكتشافات الباب أمام فهم أفضل لكيفية تمتع بعض الأشخاص بصحة جيدة رغم النوم لفترات قصيرة، وربما الاستفادة منها مستقبلا في تطوير علاجات تساعد على الحد من الأضرار المرتبطة بقلة النوم.

طفرة جينية تكشف السر

في عام 2019، تعرفت إيمي بو برنارد على تفسير محتمل لقدرتها غير المعتادة على الاكتفاء بساعات قليلة من النوم، بعدما اكتشف فريق بحثي من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو طفرة جينية ترتبط بمدة النوم لدى البشر.

وأظهرت النتائج أن حاملي هذه الطفرة لا يذهبون بالضرورة إلى النوم في وقت مبكر، لكنهم يستيقظون في ساعات الصباح الأولى، بعدما ينامون عادة ما بين أربع ساعات وست ساعات ونصف في الليلة.

وبعد تحليل عينة من دم إيمي، تبين أنها تحمل هذه الطفرة، التي تندرج ضمن حالة وراثية نادرة تعرف باسم "متلازمة قصر النوم الطبيعي العائلي" (FNSS).

وفي السنوات التالية، تمكن الباحثون من تحديد طفرات جينية أخرى مرتبطة بهذه الحالة، التي لا يزال فهم آلياتها يمثل تحديا علميا.

وتقول ينغ-هوي فو، الباحثة الرئيسية في الفريق وعالمة الأحياء الجزيئية، إن أحد أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في هذه الحالة هو أن المصابين بها يبدون بصحة جيدة رغم اكتفائهم بساعات نوم أقل بكثير من المعدل المعتاد، مشيرة إلى أن الأسباب الدقيقة وراء ذلك لا تزال قيد الدراسة.

وتشير بعض الأدلة إلى أن هذه الاختلافات الجينية لا تقتصر على تقليل الحاجة إلى النوم، بل قد تمنح حامليها حماية من بعض التداعيات السلبية للحرمان منه، مثل تراجع الذاكرة والقدرات المعرفية.

وفي تجربة أجراها فريق بقيادة فو عام 2019، أدخل الباحثون طفرة مرتبطة بمتلازمة قصر النوم الطبيعي العائلي إلى فئران التجارب، ولاحظوا أن الحيوانات الحاملة لها لم تكن تنام ساعات أقل فحسب، بل أظهرت أيضا مقاومة أكبر لضعف الذاكرة.

كما كشفت اختبارات أخرى أن بعض الفئران التي تحمل هذه الطفرات كانت أقل عرضة للإصابة بمرض الزهايمر.

وفي دراسة دولية أجريت عام 2014، تابع الباحثون حالة توأمين غير متطابقين، يحمل أحدهما طفرة جينية مرتبطة بقلة النوم، بينما لا يحملها الآخر.

وأظهرت النتائج أن التوأم الحامل للطفرة كان ينام أقل من شقيقه بنحو ساعة في المعتاد. وعندما أخضع الباحثون الاثنين لتجربة استيقاظ متواصل استمرت 38 ساعة، سجل التوأم الحامل للطفرة أداء أفضل، وتفوق على شقيقه بنحو 40 في المئة في بعض اختبارات القدرات.

ولاحظ الباحثون أيضا اختلافا في بنية النوم لدى التوأمين، إذ حصل حامل الطفرة، رغم قلة ساعات نومه، على مدة متقاربة من نوم حركة العين غير السريعة (NREM) مقارنة بشقيقه.

ويشمل هذا النوع من النوم مراحل النوم العميق، أو ما يعرف بنوم الموجات البطيئة، وهو ما يشير إلى أن جسمه قد يكون أكثر كفاءة في الاستفادة من الوقت الذي يقضيه نائما.

هل تتحول قلة النوم إلى فرصة لصناعة الأدوية؟

رغم النتائج اللافتة، لا يزال البحث في الاختلافات الجينية المرتبطة بالنوم في مراحله المستمرة، وتؤكد فو أهمية مواصلة الدراسات لفهم كيفية عمل هذه المتغيرات وتأثيراتها على المدى البعيد.

وخلال السنوات الأخيرة، تنامى اهتمام الباحثين بإمكانية توظيف هذه الاكتشافات في تطبيقات طبية وعملية، خصوصا في صناعة الأدوية، التي تأمل الاستفادة من دراسة الأشخاص الذين يكتفون بساعات نوم قليلة لتطوير علاجات لاضطرابات النوم، وربما مساعدة فئات تحتاج إلى البقاء مستيقظة لفترات طويلة، مثل العسكريين.

لكن تحقيق ذلك يتطلب فهما دقيقا لكيفية تأثير هذه المتغيرات الجينية في الجسم، وما إذا كانت تحمي بالفعل من الأضرار الصحية الناتجة عن قلة النوم، فضلا عن تحديد الآليات التي تعمل من خلالها، لتجنب إنتاج أدوية قد تحمل آثارا جانبية غير متوقعة.

وتشدد فو على ضرورة فهم آلية عمل أي دواء قبل استخدامه، قائلة: "لا نريد أن ننام أقل ثم نصاب بمرض الزهايمر أو باركنسون أو السرطان بعد عشر سنوات، أو خمس سنوات، أو حتى عشرين سنة".

مئات المتغيرات الجينية تتحكم في النوم

وعلى الرغم من أن الطفرات المرتبطة بمتلازمة قصر النوم الطبيعي العائلي تمثل واحدة من أكثر الحالات وضوحا وإثارة للاهتمام، فإنها لا تفسر وحدها الاختلافات الواسعة في احتياجات النوم بين البشر.

وتشير التقديرات إلى أن العوامل الوراثية تفسر ما بين 30 و65 في المئة من الاختلافات في مدة النوم، ما يؤكد أن الجينات تؤدي دورا مهما في تحديد عدد الساعات التي يحتاج إليها كل شخص.

وحتى الآن، رصد العلماء مئات المواقع المختلفة في الجينوم البشري التي يمكن أن تؤثر في مدة النوم. وفي تحليل حديث شمل بيانات قرابة 650 ألف شخص بالغ، حدد الباحثون نحو 244 موقعا جينيا مرتبطا بهذه المدة، مع الإشارة إلى أن الدراسة لم تنشر بعد، وما زالت تخضع للمراجعة العلمية قبل النشر.

وتوضح إيزابيل أوستن-زيمرمان، عالمة الوراثة في كلية كينغز كوليدج لندن والمؤلفة الرئيسية للدراسة، أن تأثير كل متغير جيني على حدة محدود للغاية، إذ يرتبط عادة بفارق لا يتجاوز دقيقة واحدة في مدة النوم.

لكن اجتماع هذه المتغيرات وتراكم تأثيراتها قد يؤدي إلى فروق أكبر، إذ يمكن أن تفسر الاختلافات الجينية مجتمعة فارقا يصل إلى نحو 20 دقيقة في مدة النوم بين الأشخاص العاديين، وفقا لتقديراتها.

ومع ذلك، لا تزال الأبحاث محدودة بشأن قدرة هذه المتغيرات الشائعة على حماية أصحابها من الآثار الصحية لقلة النوم.

وفي هذا السياق، توصلت دراسة حديثة قادتها كيارا بتروسيليني، وهي طبيبة أكاديمية متخصصة في أمراض النساء والتوليد بجامعة كوليدج لندن، إلى نتائج لافتة بشأن العلاقة بين الاستعداد الجيني لقلة النوم والصحة النفسية بعد الولادة.

وشملت الدراسة نحو 343 امرأة مصابة باضطراب ثنائي القطب وأنجبن أطفالا، حيث حلل الباحثون التركيب الجيني للمشاركات لتقدير مدى استعدادهن الوراثي لقلة النوم، استنادا إلى مجموعة من المتغيرات الجينية التي يشتبه في ارتباطها بهذه الصفة.

وأظهرت النتائج أن النساء اللاتي لديهن استعداد وراثي أكبر لقلة النوم سجلن احتمالات أقل للإصابة بذهان ما بعد الولادة بأكثر من النصف، مقارنة بالنساء الأقل استعدادا لذلك. وظهرت نتائج متقاربة عند دراسة العلاقة بين الاستعداد الجيني والأرق.

لكن الباحثين شددوا على ضرورة إجراء مزيد من الدراسات للتحقق من هذه النتائج، إذ يحتمل أن تكون النساء اللواتي أظهرن مقاومة أكبر لاضطرابات النوم قد اكتسبن قدرة على تحملها منذ مراحل مبكرة من حياتهن، الأمر الذي قد يخفف تأثيرها على حالتهن المزاجية خلال فترة ما بعد الولادة.

ليس كل من ينام قليلا يتمتع بميزة وراثية

في المقابل، لا يعني الاستعداد الجيني لقلة النوم بالضرورة التمتع بصحة أفضل أو امتلاك قدرة استثنائية على تحمل الحرمان منه.

ففي دراسة أوسع أجرتها أوستن-زيمرمان وفريقها، وشملت أشخاصا من فئات مختلفة وليس بالضرورة أمهات مصابات باضطراب ثنائي القطب، وجد الباحثون أن المتغيرات الجينية المرتبطة بقلة النوم ترتبط عموما بارتفاع احتمالات الإصابة بالأرق والشعور بالتعب.

كما رصدت الدراسة ارتباطات بين هذه المتغيرات وعدد من المشكلات الصحية والنفسية، من بينها اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط، وأعراض الاكتئاب، ومرض السكري من النوع الثاني.

وهذا يعني أن قلة ساعات النوم قد تكون لدى بعض الأشخاص نتيجة اختلاف وراثي يمنحهم قدرة حقيقية على الاكتفاء بوقت أقل، لكنها قد تكون لدى آخرين مؤشرا على اضطرابات أو مشكلات صحية لا ينبغي تجاهلها.

الشعور بالنشاط لا يعني أن الجسم حصل على كفايته

ولا تتوقف صعوبة تحديد احتياجات النوم عند الاختلافات الجينية، فهناك مشكلة أخرى تتعلق بقدرة الإنسان على تقييم أدائه بعد الحصول على ساعات نوم غير كافية.

فقد أظهرت إحدى الدراسات أن تقليص نوم البالغين الأصحاء إلى أربع أو ست ساعات فقط كل ليلة يؤدي إلى تراجع تدريجي ومستمر في أدائهم خلال اختبارات القدرات المعرفية.

لكن المفارقة أن المشاركين، بعد أسبوعين من التجربة، لم يصفوا شعورهم بالنعاس إلا بأنه طفيف، رغم التراجع الملحوظ في أدائهم.

ويقول هانز فان دونغن، عالم النوم في مركز أبحاث النوم والأداء بجامعة ولاية واشنطن وأحد المشاركين في تأليف الدراسة، إن الإنسان يصبح أقل قدرة على أداء مهامه تدريجيا، لكنه في الوقت نفسه يفقد القدرة على إدراك حجم هذا التراجع.

وتوصلت أبحاث أخرى أجراها فان دونغن إلى أن بعض الأشخاص يمتلكون بالفعل قدرة أكبر من غيرهم على تحمل الحرمان من النوم، لكن تحديد ذلك لا يمكن أن يعتمد فقط على عدد الساعات التي ينامها الشخص أو على شعوره بالنشاط بعد الاستيقاظ.

ومن هنا، يأمل العلماء أن تساعد الدراسات الجينية المستقبلية على التمييز بين الأشخاص الذين يتمتعون بقدرة طبيعية على النوم لفترات قصيرة دون أضرار واضحة، وأولئك الذين يعتقدون أنهم بخير، بينما تتأثر صحتهم وأداؤهم تدريجيا نتيجة نقص النوم.

كما يمكن أن تسهم هذه النتائج في تطوير أدوية تعزز قدرة الإنسان على التكيف مع قلة النوم، إلى جانب مساعدة الأفراد على فهم طبيعة أنماط نومهم والاختلافات البيولوجية التي تتحكم فيها.

وبالنسبة إلى إيمي بو برنارد، كان اكتشاف حملها طفرة جينية مرتبطة بمتلازمة قصر النوم الطبيعي العائلي بمثابة إجابة عن تساؤل رافقها طويلا، وخفف عنها الشعور بالقلق بشأن عدم حصولها على ساعات النوم المعتادة.

فهي تدرك، بصفتها عالمة، أن الاختلافات الطبيعية بين البشر تشمل أيضا طريقة النوم واحتياجات الجسم منه، كما أنها تقدر الوقت الإضافي الذي تمنحها إياه ساعات نومها القليلة، إذ تتمكن من إنجاز الكثير من أعمالها قبل استيقاظ زوجها وأطفالها.

ومع ذلك، ظلت تتساءل في بعض الأحيان عما إذا كانت تواجه صعوبة في الاسترخاء، أو أن انشغالها المستمر وكثرة مهامها هما ما يمنعانها من النوم لفترة أطول.

لكن اكتشاف السبب الوراثي منحها تفسيرا مختلفا، لتختتم حديثها بالقول: "الآن لدي إجابة. أعرف وراثيا أن هذه هي طبيعتي، وسيتعين علي تقبلها".

اخبار ذات صلة